untitled
viviti

الفصل الثالث

 التصـــور المنهــجي

(أولا) جوانب القصور في المنهجية التقليدية

نتيجة للتدمير الرهيب الذي صبته القوى غير المسلمة على "الأمة" في القرنين السادس والسابع الهجريين – الهجوم التتري من الشرق والحملات الصليبية من الغرب – فََقََد قادة المسلمين أعصابهم وفقدوا الثقة في أنفسهم. ولما ظنوا أن عالمهم الإسلامي قد قضي عليه بالهلاك بالغوا في "المحافظة" وأرادوا أن يصونوا شخصيتهم وإسلامهم الذي هو أثمن ما يملكون وذلك بتحريم كل إبداع والدعوة إلى الاستمساك الحرفي بنصوص "الشريعة". وكانوا في تلك الفترة قد أعلنوا إغلاق باب "الاجتهاد" وهو المصدر الرئيسي للتجديد في القانون، ولما كانوا قد اعتبروا أن "الشريعة" قد بلغت حد الكمال فيما كتبه السلف فقد أعلنوا أن كل خروج على ما كتبوه بدعة ، والبدعة أمر غير مرغوب فيه بل مذموم. وهكذا انتهى الأمر بتجميد "الشريعة" على الصورة التي قدمتها مدارس الفقه ، ومن خلال ذلك (التجميد) فقد ساعدوا على بقاء الإسلام، ولكن بقاء الإسلام، وما تحقق للمسلمين من نصر وتوسع في روسيا وفي البلقان وفي جنوب شرق أوربا ووسطها فيما بين القرنين الثامن والثاني عشر الهجريين لم يحطم قيود الجمود. وإن كان تبني التصوف وطرقه على نطاق واسع قد ساعد المسلمين على مواجهة هذه الصعوبات في غياب "الاجتهاد" كمصدر للإبداع. ولهذا بقيت "الشريعة" نظاماً مغلقاً حتى العصور الحديثة التي أعطي العلم والتكنولوجيا فيها للغرب قوة واجهوا بها المسلمين وهزموهم.

في العصور الحديثة أوقف الغرب الفتوحات العثمانية في أوربا، ثم احتل كل العالم الإسلامي واستعمره وقسمه إلى فرق ، باستثناء تركيا – التي أخرج منها بالقوة – واليمن ووسط جزيرة العرب وغربها حيث لم يكن بها ما يغري بالاستعمار. وقد استغلت القوى الغربية ضعف المسلمين أبشع استغلال ، وساهمت بشكل رئيسي في مرض العالم الإسلامي الذي سبق وصفه في مطلع هذه الدراسة... وفي مواجهة هذه الهزائم والمآسي والأزمات التي أنزلها الغرب بالعالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين، حاول زعماء المسلمين في كل من تركيا ومصر والهند أن "يغرِّبوا" الأمة على أمل أن يمنحوها بذلك روح الحياة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ولكن التجربة أثبتت فشلها حيثما تم استخدامها . وكان الحرص على تطبيقها أشد ما يكون في المواقع التي كان فيها فشلها صارخا كما في تركيا ومصر. ففي تركيا فإن التغريب مهد الطريق أمام مصطفى كمال ليلغي كافة المؤسسات الإسلامية ويرفض كل مبدأ إسلامي موروث ذي علاقة بالحياة العامة. أي استبدل النظام الغربي بالنظام الإسلامي كله... واليوم، وبعد جيلين من "التغريب" (ستين سنة وقت صدور الكتاب)، نرى تركيا تشبه سائر البلاد الإسلامية  الأخرى ضعفا وفقرا في كافة المجالات... لقد نجح "التغريب" إلى حد ما في تجريد إحدى طبقات المجتمع من إسلامها، ولكنه لم يفعل شيئاً سوى ذلك. أما في مصر حيث كان الإصرار على "التغريب" أقل، فقد تم زرع نظام غربي وتُرِك النظام الإسلامي التقليدي يحيا معه جنباً إلى جنب. وكان هناك تنافس بين النظامين ؛ ولكن لم يحرز أي منهما تفوقا يذكر على الرغم من المزايا الهائلة التي تمتع بها النظام الغربي من إنفاق الميزانيات العامة والدعم والمحاباة الحكوميين للنظام الغربي ... وكل ما نجحا فيه هو أن أضعف أحدهما الآخر.

(1)  الفقه والفقهاء؛ الاجتهاد والمجتهدون:

يعني مصطلح "فقه" اليوم العلم بالشريعة على مذهب معين ، ومنها "الفقيه" الذي لديه هذا العلم. كما قد يطلق لفظ "الفقه" بالمعنى العام – وكذلك ما اشتق منه – على المعرفة بالشريعة على كل المذاهب الفقهية... وتتطلب هذه المعرفة تمكنًا من اللغة العربية ومن نصوص الأحكام في القرآن والسنة. ومن الواضح أن هذا معنى "اصطلاحي" محصور في حدود ضيقة إذا ما قورن بمعني الكلمة القرآنية "فقه" و"تفقه" (كفعلين)، وقد تكرر ذكرهما في آيات عدة، وهو معنى يشير إلى الإدراك والفهم، والوصول إلى اللب، والتفسير، وباختصار إلى معرفة الإسلام ككل... إن الانتقال من هذا المعنى العام للكلمة إلى ذلك المعنى التخصصي الضيق لهو في حد ذاته إشارة إلى حاجة الأمة الشديدة إلى معنى عام قادر على استيعاب اتجاهاتها الخلاقة وأنشطتها المتباينة. كما أن هذا التحول في معنى الكلمة، وفقدان الجانب الحيوي الذي كان الاستعمال المبكر لها يشير إليه، ليعتبران دليلاً على "المحافظة" وضيق الرؤية. لقد فهم فقهاء الإسلام العظام – الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل – معنى المصطلح "أصول الفقه" لا على معنى الأصول العامة للقانون الإسلامي، بل على أنه المبادئ الأولى للفهم الإسلامي للحياة والواقع.

وأكثر من هذا فإننا نجد أن الأوائل من فقهاء الأمة – أعني: صحابة رسول الله وجيل التابعين ومؤسسي المذاهب (رضي الله عنهم) – كانوا مبرزين في العلم بكل الأمور التي تؤثر في حياة المسلمين. لقد كان فقهاء العصور الأول موسوعيين بحق ، وأساتذة فعلاً في كل التخصصات من الأدب والقانون إلى الفلك والطب، لقد كان هؤلاء رجالاً متخصصين عرفوا الإسلام لا على أنه قانون فقط، بل على أنه مثال ونظرية ونظام من الفكر وحياة يعيشها ويمارسها بالفعل ملايين من الناس... لقد كانوا يمتلكون أرقى المؤهلات الإسلامية  على الإطلاق، وأعني بها "الذوق الشرعي" أو البديهة التي تدرك مقاصد القانون. وإذا كنا نعتبرهم مثلا لتناول مشاكل المسلمين تناولا خلاقا بسبب كفاءتهم المتميزة، فمن المؤكد أن ما لدى "فقيه" اليوم، خريج الجامعة، من علم وحكمة لا يؤهلانه للاضطلاع بالمسؤوليات التي نهض بها أولئك الأولون بنجاح باهر .

وفي داخل النظام التقليدي نفسه ، تمت عدة محاولات للإصلاح الذاتي ، كان أجرؤها ما طرحه محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني. ومع أن أهل الوعي من المسلمين في كل مكان قد باركوا دعوتها لفتح باب الاجتهاد فإن المحاولة قد فشلت لسببين: أولاً لأن المؤهلات التقليدية المطلوبة من "المجتهدين" ظلت كما هي، وبذلك انحصرت ممارسة "الاجتهاد" في خريجي "المدارس" التقليدية، أعني في أولئك الذين لا يرون حاجة إلى الاجتهاد ، إذ أن خريجي المدارس التقليدية هم بالتحديد من تلقوا تعليما أقنعهم بأن المنهج مناسب تماماً وأن مشكلة العالم الإسلامي تكمن في عدم رغبة الناس في إدراك قيم الإسلام. وثانيا، لأن فهم "المجتهد" على أنه يعني بالضرورة "الفقيه" – أعني الشخص الذي تدرب حتى صار قادراً على أن يحول المشاكل إلى مصطلحات قانونية ويصدر عليها أحكاماً طبقاً للأنماط القانونية – هذا الفهم قد حصر أو أدرج مشاكل "التحديث" ضمن تلك الأنماط. وهذا قد زاد من تضييق مساحة "الاجتهاد" أكثر وأكثر عن طريق تركيز جهوده كلها في "الفتوى"، أو إصدار أحكام فقهية على أعمال معينة يفعلها – أو يفترض أن يفعلها – المسلمون في حياتهم اليومية. هذا "الفقيه" أو "المجتهد" التقليدي بهذا المفهوم قد أصبح عاجزا عن النظر إلى المشكلة ككل، وضاع على هذا النحو في عملية تحديد درجة التطابق بين الأعمال المعينة وبين المعايير والقواعد التي حددها مذهب أو أكثر. إن الموقف يستدعى منهجية جديدة لا قدرة للمجتهدين التقليديين على تصورها، يستدعى أن تنفتح من جديد طبيعة فهمنا للأصول، أو مصادر المعرفة الإسلامية.

(2) مصادمة "الوحي"  "للعقل":

لعل أخطر تطور مأساوي في التاريخ الفكري للأمة كان هو القول بأن كلا من "الوحي" و "العقل" غريب عن الآخر. ولقد كان ظهور المنطق اليوناني وتأثيره على بعض المسلمين، الذين كانوا حريصين كل الحرص على استخدام أساليبه لإقناع غير المسلمين بحقائق الإسلام هو الذي وضعهم على بداية الطريق التي انتهت بهم إلى مثل هذا القول. إن النصارى واليهود الذين تأثروا بالثقافة الهللينية قد عاشوا قرونا تحت ظل هذه الثنائية؛ وكثيرون منهم نقلوها معهم إلى "الأمة" عندما أسلموا ، وكان الفارابي هو الذي أعطاها صيغتها التقليدية التي انتصر لها الفلاسفة ضد "المتكلمين". وقد قبلها بعض متأخري "المتكلمين" ممن كان يرضيهم أن يشرحوا العقيدة في تحديد ووضوح. ثم أصبحت سائدة في مجال المجادلات الفكرية في عصر الانحطاط، خاصة في ظل تأثير "التصوف" الذي دعا إلى منهجية قائمة على أساس حدسي خالص، أو خفي غالبا، ومن هنا لم تجد بأسا في القول بهذه الغربة بين العقل والوحي.

إن الفصل بين "الوحي" و "العقل" أمر غير مقبول بالمرة... بل إنه لأمر مناف لروح الإسلام كله ومعارض لما في القرآن من دعوة أساسية للعقل والمنهج المتسم بالوسطية. إن دعوة الإسلام عقلية ونقدية مميِّزة ، خلافا لتلك الأديان التي تحاول أن تجرف عقل الإنسان وتسيطر على ضميره بغية أن يسلم راغما بما ليس بمعقول بل بما هو سخيف. إن الإسلام يهيب بالناس دائما أن يستخدموا ذكاءهم ، وأن يمحصوا بملكاتهم النقدية كل الدعاوى ، وأن يفكروا في البدائل وأن يكون فكرهم دائما مقنعا ومنسجما ، وألا يقول أحدهم سوى الحق الذي هو على يقين منه ، وأن لا ينعزلوا بحال عن الواقع. ولا تخلو صفحة من صفحات القرآن من مثل هذا الحث والإلزام. وبدون العقل لا يمكن أن تدرك حقائق الوحي إدراكاً كاملاً أو تنكشف طبيعتها السماوية أو يعترف بها. وبدونه تستوي دعاوى الوحي مع غيرها من الدعاوى الباطلة. وإذا قبل الوحي على غير أساس من العقل، فإنه يكون مقبولا شخصيا اعتباطيا قابلا للتبدل. وليس لأي أطروحة دينية قائمة على أساس المزاج الشخصي أن تزعم أنها مستحقة للقبول لدى البشر جميعا أو لدى نسبة معتبرة منهم لفترة طويلة. وحين بالغ المسلمون في التأكيد على الحدس على حساب العقل أدى ذلك إلى فتح الأبواب لفساد العقيدة. إن عدم فصلها عقلياً عن اللغو يعطي الفرصة للخرافات وحكايات العجائز أن تتزيا بزي الحقيقة وتتسرب إلى العقيدة ، ومثل ذلك تماما أن المبالغة في التأكيد على "العقل" على حساب العقيدة الحدسية قد أفسد "حياة العقل" حيث اختزلته إلى المادية والنفعية والآلية والخواء.

(3)  الفصل بين الفكر والفعل:

في الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام كان المفكر هو القائد ، والقائد هو المفكر... كانت الرؤية الإسلامية هي المسيطرة ، وكانت الحماسة لتحويلها إلى واقع يعاش هي التي تحدد السلوك... كانت هي الشغل الشاغل للمجتمع الإسلامي كله. كان كل مسلم واع يعمل جاهداً لسبر أغوار الحقيقة كي تخضع الماديات والفرص لتشكيل جديد يصبها في القوالب الإسلامية... لقد كان الفقيه في الوقت ذاته "إماماً" و "مجتهداً" و "قارئاً" و "محدثاً" و "مدرساً" و "متكلماً" بالإضافة إلى كونه زعيماً سياسياً وقائداً عسكرياً وزراعياً أو تاجراً أو صاحب حرفة. وإذ أحس بضعف في أي من هذه الجوانب وجد كل فرد حوله على استعداد ليتقدم فيسد هذا النقص. كان كل فرد يعطي في سخاء كل ما لديه من أجل القضية، كما كان يشعر بأن قوة الآخرين قوة له.

كان المسلمون من التلاحم فيما بينهم إلى حد أن ضعف أي فرد منهم سرعان ما كان يزول نتيجة تضامن الجميع وتجربتهم الكلية. ونظراً إلى أن الفكر الإسلامي بطبيعته فكر متوجه نحو الحقيقة، فإن هذا الارتباط بالحياة والممارسة الفعلية كان بمثابة المختبر الذي امتحنت فيه كفاءة الأفكار الإسلامية. كذلك فإنه قد ربط الفكر بالحقيقة الواقعية واضطره إلى أن يجعل من الصالح العام للناس رجالاً ونساءً بؤرة اهتمامه. وإذا كانت تلك الفترة لم تشهد إلا قليلا من الفكر التأملي أو الميتافيزيقي فإن ذلك لم يكن ناشئاً عن عجز، بل لأن جمهور المفكرين المسلمين كانوا يعطون الأولوية لتمكين جماهير الأمة من أن تعيش حياة ملؤها العافية والعقل والفضيلة والازدهار.

ومن ناحية أخرى، فإن  حياة الناس الواقعية قد استفادت من الأفكار  القيادات المبدعة ، إذ كان ذلك الواقع الذي يعيشه الناس هو مجال تفكيرهم المستمر، فكان الفكر الملائم يوضع موضع التطبيق لحل مشاكل الأمة، وكانت الحلول تأتي مناسبة للمواقف. ولذلك ازدهرت الأمة في كافة مجالات الفكر والحياة؛ لأن مصلحة الأمة كانت دائماً هي موضع نظر العقول الممتازة، وكانت الحلول التي يقترحونها تنزل إلى ساحة الفعل وتنفذ لأن العقول المبدعة ذاتها كانت هي التي توجه القوى التي تقوم بالتنفيذ أو كانت على اتصال وثيق بمن يقومون بذلك.

لكن فيما بعد انفصمت هذه الرابطة بين الفكر والفعل . وما إن تم الانفصال بينهما حتى بدأ كل منهما يتدهور. فأصبحت القيادة السياسية ومن بيدهم القوة التنفيذية ينتقلون من أزمة إلى أزمة محرومين من الانتفاع بفكر العلماء ومشورتهم وحكمتهم. وكانت النتيجة تخبطاً في العمل ينفر من الموضوعات الجيدة ويضع القادة السياسيين في مزيد من العزلة. وإذ وجد القادة أنفسهم في موقف الدفاع فقد أدى ذلك إلى ارتكابهم مزيدا من الأخطاء الفادحة. أما المفكرون فقد أصبحوا غرباء ومبعدين عن المشاركة الفعالة في شؤون الأمة، ولذلك لجأوا إلى المثاليات كمسوغ لسخطهم على السلطة السياسية. بدأ بعضهم يبالغ في رفع منزلة ماهو "معياري" في مقابل ماهو "واقعي"... وقد تعرض أولئك الذين كان لسخطهم آثار سياسة للاضطهاد من قبل السلطة الحاكمة ، أما من لم يكن لسخطهم تلك الآثار فقد شُجعوا على التحليق بعيداً عن الحقيقة الواقعية . وهناك فريق آخر من المفكرين بدأوا يتنازلون عن المعايير الصحيحة بسبب ارتباطهم بالقيادة السياسية. وقد نتج عم التوتر المتزايد بين الفريقين تعددية أدت إلى تدمير الفكر والفعل معاً. فحين أصبح الفعل استبدادياً وميالا إلى استخدام العنف هجر الفكر ميدان الواقع التجريبي، وهو الصالح العام للناس، وأقنع نفسه بالتعليق على أعمال السابقين أو بالتحليق في أجواز التأمل الصوفي. وسرعان ما أصبحت الأمة معزول عن قيادتها السياسية. لقد مر على الأمة زمن طويل توالى فيه حكم الطغاة والقادة الفاسدين ومغتصبو العرش والخلفاء الدمى ممن يحركهم أصحاب القوة من ذوي السلطان، مما أضعف معنويات الأمة وأبعدها عن ساحة السياسة. في هذا الجو تلقفتهم الجماعات الصوفية وهيأت لهم التربية الروحية الذاتية والتثقيف من خلال التجربة الصوفية وعوضتهم بذلك عما فقدوه على مسرح التاريخ. وأصبح الدين عندهم مهرباً من الطغيان الذي لا يحتمل.

وبينما كان السلطان يحكم ولا معارض له كانت أعظم الطاقات العقلية في الأمة تتخذ طريقها وبسرعة نحو القيم الروحانية والفردية والذاتية التي تمخض عنها التصوف. واختفت السمة التي ميزت الحقبة المبكرة، وهي التكافؤ بين الروحي والمادي الدنيوي وقابلية التحول بين أحدهما والآخر ؛ وحل محلها الجري وراء الروحاني على حساب الدنيوي ووراء الآخرة على حساب هذه الحياة. وإذ فقد الفكر الإسلامي صلته الوثيقة بالتجربة الواقعية في حياة الأمة، أصبح محافظاً وحرفياً في مجال التشريع وتخمينياً في مجال تفسير القرآن والنظرة إلى الحياة الدنيا ومزدريا للدنيا في مجالي الأخلاق والسياسة ومستغلقاً في العلوم الطبيعية. وأصبح كبار المفكرين وعلماء الشريعة والأولياء لا يبالون بالسلطة السياسية ولا بالفعل وينظرون إليها من عل على أنها شيء تافه لاقيمة له. وصارت مقاومة الدنيا أولاً ثم نبذها كلية بعد ذلك هي الشروط الأولية للفضيلة. وبدا أن الأمة قد فقدت ذلك التوازن بين القيم الفردية والجماعية التي مثلتها حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تمثيلاً رفيعاً.

(4) الثنائية الدينية والثقافية:

لقد كان "الصراط المستقيم" الذي هو محط آمال الجميع والذي كان يمثل واقع حياة الصدر الأول من المسلمين ... كان طريقا واحدا متكاملا ينبثق من الرؤية الإسلامية الأصلية ويجمع كافة اتجاهات الإنسان ونشاطاته في حركة واحدة تتجه نحو تحقيق الذات الإسلامية في التاريخ. أما في فترات الانحطاط، وبسبب الجفوة الواقعة بين الفكر والفعل، فقد انقسم هذا الطريق الموحد إلى اثنين: طريق الدنيا ، وطريق الله والفضيلة. هذا الانشعاب في الحياة الإسلامية إلى منهجين متناقضين على طول الخط – أحدهما جدير بالتقدير ويضم كل القيم الدينية والخلقية، والآخر مذموم يضم العالم المادي وسائر قيمه – هذا الانشعاب قد أفسد كليهما وقضى عليهما. لقد تبدل كل منهما، فأصبح الطريق الأول روحانية فارغة تشبه الروحانية الخاوية في الرهبنة البوذية والنصرانية... فالروحانية التي لا تشغل نفسها بالمصلحة الواقعية للجماهير والتي لا تسعى إلى تحقيق العدالة في مواطن الاضطراب والقسوة في هذا العالم لهي روحانية ذاتية تهتم بالرغبة الدينية لمن يؤمنون بها وحدهم. إنها روحانية قائمة على الأًثَرة حتى ولو دعت إلى شيء من أفعال الإيثار. أليس همها الأول هو حالة الوعي عند السالك. وما الآخرون ومصالحهم عندها إلا وسائل وأدوات لابتلاء النفس وتطهيرها وتزكيتها. ولا عجب، والحال هذه، أن تسقط هذه الروحانية في تراث الغنوصية وفي التجارب الخفية، وأن تصبح فريسة الخرافات والاتجار بالخوارق. ولم يرد أبداً على أذهان المشايخ الذين أسسوا الطرق الصوفية، والعقول الكبيرة التي وضعت لها مبادئها ونظرياتها الأساسية، أن جماعاتهم سوف تزيغ على هذا النحو وتنتهي إلى أخلاق وآمال تتعارض مع الإسلام. لكن الحق أن معظم تلك الجماعات قد استهواها هذا الإغراء.

أما طريق الدنيا، من الناحية الأخرى، فقد أقام له نظاماً لا أخلاقياً يخصه، متحللاً على هذا النحو من المتطلبات الأخلاقية التي أعلن من يمثلون الدين أنها تخص فئة أخرى من المسلمين. وبدون أن تكون القيم الخلقية هي قوام النظام الاجتماعي فلا مفر من أن يتدهور ويصبح هو في نفسه جائزة لكل طموح لا يتورع عن بذل جهده للفوز بالغنيمة . وعلى هذا النحو أصبحت الحكومة والقيادة أو المناصب السياسية وسيلة لتعظيم الذات والاستخدام الوحشي للقوة، أو لابتزاز المنافع الأدبية والمادية من الناس. ولذلك لم تبد الجماهير إلا مقاومة محدودة عندما هاجم العدو الاستعماري الأجنبي أرضها واحتلها. لقد أصبحت الجماهير مقتنعة بأن المعركة ليست معركتها. وفي النهاية، حين أقامت الإدارات الاستعمارية نظاماً تعليمياً جديداً وبدأت تؤثر نمطاً من الحياة والفكر والنشاط غريباً عما لدى الجماهير، نظرت إليه تلك الجماهير على أنه حلقة أخرى من مسلسل النظم التعسفية التي طالما عانوا منها في الماضي ، وأنه أهل لكل مقت وازدراء لكنه لا يستأهل أن تنتفض الأمة كلها لتجاهد ضده.

 

(ثانيا) المبادئ الأساسية للمنهجية الإسلامية

 إن أسلمة المعرفة لهي مطلب حتمي لإزالة الثنائية الموجودة في النظام التعليمي، التي هي بدورها مطلب حتمي لإزالة الثنائية من حياة الأمة ولعلاج انحرافاتها ... إن "أسلمة المعرفة" فضلاً عن أنها تعالج  ألوان القصور التي انزلقت إليها المنهجية التقليدية فإنها تأخذ في الاعتبار عدداً من المبادئ التي تمثل "جوهر" الإسلام ... ذلك أن عملية إعادة صياغة كافة فروع العلم في إطار الإسلام تعني إخضاع نظريات تلك العلوم ومناهج البحث فيها ومبادئها وغاياتها [لتلك المبادئ والمفاهيم الجوهرية ، والتي تتمثل] فيما يلي:

(1)  وحدانية الله (سبحانه وتعالى):

إن وحدانية الله تعالى هي المبدأ الأول للإسلام ولكل ماهو إسلامي. وفحوى هذا المبدأ أن الإله الحق هو الله؛ وأنه لا إله غيره؛ وأنه تعالى هو الواحد الأحد، العلي الأعلى، وأنه مطلق الكمال بكل المقاييس. وكل موجود سواه مغاير له ومخلوق له. هو الخلاق، بأمره توجد كل الموجودات وتقع سائر الحادثات. هو مصدر كل خير ومصدر كل جمال، إرادته هي القانون الذي يحكم الكون ويقنن للأخلاق. وعبادته وحمده واجب كل الكائنات وعلى رأسها الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وزوده بالقدرات التي بها يعرف ربه ويقدر عظمة صنعه، كما منحه القدرة على أن يتصرف فيما خلق الله ليحقق من خلال ذلك المثل الإلهية من الأخلاق والمثل الإلهية في الجمال.

أن يفكر المرء وأن يعيش واعياً بوحدانية الله معناه أن يعيش في عالم ملؤه الجمال والحيوية ، لأن كل شيء في الوجود موجود بصنعته عز وجل، معتمد في بقائه على ربوبيته ومتجه دائماً بطبيعته نحو تحقيق الإرادة الإلهية... في مثل هذا العالم لا شيء موجود صدفة أو عبثاً أو فارغاً من المعنى. فكل شيء خلقه الله تعالى بقَدَر. وحين يكون الإنسان جزءاً من عالم تلك صفته فإنه يدرك من العلاقات بينه وبين كل الكائنات ما لا يحده العد  ، وفوق ذلك كله يدرك أنه مخلوق لله وفقير إلى الله ومدين له ، وأن عليه أن يحبه وأن يعبده حق العبادة. ولكي يكون المسلم مسلماً فإن عليه أن يكون وعيه دائماً عامراً بذكر الله . وما دام الله هو الخالق وهو الديان فلن تكون مسلماً حتى تفعل كل شيء كما شرعه لك قاصداً به وجه الله وحده. وكما أن الحياة والطاقة منحة من الله فكذلك كل الخير والسعادة. هذا هو ما يجب أن تكون عليه الحياة الإسلامية.

 أما في الفكر الإسلامي فالله هو مبدأ كل شيء وهو غاية كل شيء. فوجوده تعالى وأفعاله هي الأسس الأولى التي عليها يقوم بناء كل المعارف ونظامها. وسواء أكان موضوع المعرفة هو عالم الذرة الصغير أم عالم النجوم الكبير أم أعماق النفس أم سلوك المجتمع أم مسيرة التاريخ ، فإن المعرفة الإسلامية  تنظر إلى موضوع المعرفة من الناحية المادية على أن وراءه عوامل وملابسات تقدمه ومنها انبثق هذا الشيء، أما التصريف الفعلي للأسباب والذي به يوجد شيء معين من بين ما لا يحصى من الأشياء الممكنة الأخرى  والتي يمكن أن تؤدي إليها تلك العوامل ذاتها فذلك عمل الخالق سبحانه ويتم بأمره. كذلك، فإن المعرفة الإسلامية  تعتبر أن كل شيء في نطاق المعرفة إنما يحقق غاية أرادها الله أو يخدم غاية أخرى مرادةٌ لله تعالى أيضا. وذلك حتى يصبح نظام الأسباب في هذا الكون نظاماً من الغايات على قمتها تقف الإرادة الإلهية لتحدد غاية كل موجود فرد ، وغاية كل سلسلة من الغايات، وغاية النظام العام كله. وتدرك المعرفة الإسلامية أنه ليس ثمة موجود أو حقيقة أو قيمة خارج النظام العام بسلاسله وتشابكاته، النظام الذي مصدره وغايته هو الله تعالى، وأن أي شيء يُتصور أو يُعرف أو يُقوّم خارج النظام الذي حدده الخالق فهو إما غير موجود ، وإما زائف ، وإما لا قيمة له ، وإما  أنه فحسب تصور خطأ على أنه خارج ذلك النظام.

(2)  وحدة الخلق:

أ- النظام الكوني: إن وحدانية الله سبحانه وتعالى تستلزم بالضرورة العقلية وحدة الخليقة كلها. كما قال سبحانه في كتابه العزيز: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا( (الأنبياء: 22). فلو كان هناك أكثر من حقيقة مطلقة واحد لما بقيت هناك حقيقة مطلقة. زد على هذا أن الكون حينئذ كان سيتبع لنظامين مختلفين، ولو حدث هذا فلن يكون ذلك كوناً منتظماً كما نعرف. وكذلك فلن يكون من الممكن لنا نحن البشر أن نعرف كوناً يسوده أكثر من نظام. إن علينا أن نتذكر أن النظام الكوني هو الذي يمكننا من أن نتبين الأشياء في صورة مواد أو خصائص أو علاقات أو أحداث. فمن خلال الاتساق أو الوحدة في النظام الكوني نتمكن من إدراك استمرارية المواد كأشياء وتكرار الحوادث كعلاقات سببية. وبدون هذا النظام الكوني لا تكون الأشياء ولا الأسباب والنتائج هي هي.

إن الخليقة كلٌّ واحد متكامل لأنها ببساطة من صنعة خالق واحد سرى نظامه وتقديره في كل جزء منها. إن النظام الكوني يتكون من قوانين الطبيعة. وهذه القوانين تؤدي وظيفتها في هذا العام وتسرى إلى كل جزء وكل جانب منه، مادياً كان أو فضائياً، جسمانياً أو نفسياً، اجتماعياً أو أخلاقياً – كل ما هو واقع يخضع لتلك القوانين وينفذها. هذه القوانين هي "سنن" الله تعالى في خلقه. إن الله سبحانه وتعالى ليس مجرد مصدر لهذه القوانين، كما أنه لم يخلق الطبيعة ويضع لها النظام والقانون الذي تسير عليه ليتركها تسير نفسها دون أن يتحكم فيها. إنه لم يتخل عن تدبير خلقه، وإنما هو حي فعال إلى ما لا نهاية. وعليه فإن كل كائن يوجد وكل حدث يقع في الكون إنما يتم بأمره. حقاً إن لدى كل كائن في أي من مراحل وجوده، قوة ذاتية دافعة تمكنه من التغير، لكن الحق أيضاً أن هذه القوة الدافعة قد أوجدها الله وهو الذي يحفظها. وأكثر من هذا فإن هذه القوة المحركة لا تؤدي دائما بذاتها إلى النتائج المرتبطة بها بشكل ضروري لا يتخلف، وإنما بأمر الله تتولد النتائج المعينة عن الأسباب المرتبطة بها عادة فالله سبحانه وتعالى قد يجعل سبباً ما يؤدى إلى نتيجته مباشرة، لكنه قد يحدث سبباً ما عن طريق أسباب أخرى فيكون ما يظهر لنا على أنه سلسلة حتمية من الأسباب لا يعدو أن يكون سبباً إلهياً تماماً كالسبب المفرد. ومن جانبنا نحن البشر فإننا نثق بالله تعالى، أو بنظامه الكوني فنطمئن إلى أن سبباً معيناً سوف تتبعه نتيجة معينة. وإذن فكما اكتشف "الغزالي" و "هيوم"، على ما بينها من خلاف في المبادئ، فإن ارتباط السبب بالمسبب ليس أمراً حتمياً. فالواقع أن ما نسميه بالسببية ليس إلا عملية "تتابع" وتكرار تقودنا إلى الاعتقاد بأن سبباً ما تتبعه عادة نتيجة ما. وليس لهذه العقيدة من أساس تقوم عليه سوى كرم الكائن الأعلى، فالله سبحانه وتعالى لا يخدع أو يضلل. إنه خالق كريم نظم الكون ليجعله صالحاً لأن نحيا فيه ولأن نفهمه، وكذلك كي نتمكن من ممارسة الخيارات الخلقية أمامنا ونبرهن – من خلال الأعمال – على ما لنا من قيمة أخلاقية.

ب- الخليقة كمملكة من الغايات: الله سبحانه وتعالى (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان:  الآية2). هذا التقدير هو الذي يعطي كل شيء طبيعته وعلاقاته بالأشياء الأخرى، ومنهجه في الوجود. كذلك، فإن التقدير الإلهي يًخضع كل شيء ليس فقط لنظام الأسباب المشار إليها فيما سبق ، بل أيضا لنظام من الغايات. فكل شيء له غاية ومسوغ لوجوده يخدمه من خلال حياته. هذه الغاية ليست نهائية أبداً، وإنما هي دائما خاضعة لغايات أخرى تكوّن معها سلسلة تنتهي نهايتها عند الله الذي هو الغاية المطلقة والنهاية التي إليها يعود كل شيء. إن إرادته تعالى هي التي تجعل الخير خيراً.

وعليه، فإن لكل شيء موجود علاقة السبب أو النتيجة بكل شيء آخر، فضلاً عن كونها علاقة ذات نهاية، أو هي وسيلة لغاية معينة. أليست غاية كل الغايات على اختلاف ضروبها تنتهي إلى الله سبحانه؟! إن شبكة العلاقات غير منتهية. وهي – بالتأكيد مجال مفتوح أمام البشر للبحث والمعرفة والإعجاب. ولكن ما دامت العلاقات لانهائية فلن يستطيع البشر أن يعرفوا سوى القليل منها على قدر الضوء الضئيل الذي معهم في تلك الغابة المظلمة إن صح التعبير. لكن واجبهم دون غيرهم أن يجتهدوا دائماً في البحث عنها واكتشافها. واكتشاف تلك العلاقات وتقنينها يعني وضع الأسس لمعرفة السنن الثابتة التي وضعها الله سبحانه وتعالى ولتقدير تلك السنن حق قدرها.

ولما كان لكل مخلوق غاية يعمل لخدمتها، ولما كانت كل الغايات مرتبطة ببعضها البعض برباط السبب والنتيجة فإن كل هذا يجعل من الكون نظاماً غائيا هادفاً نابضاً بالحياة مفعماً بالمعنى... فالطير في الفضاء والنجوم في السماء والأسماك في أعماق البحار والكواكب والعناصر – كل تلك أجزاء متفاعلة في النظام الواحد. لا شيء منها عاطل أو شرير، حيث إن كل كائن له وظيفته ودوره في حياة الكل. وهي معاً تكوّن بناء عضوياً تتفاعل أجزاؤه وأعضاؤه بطرق لا يزال البشر في بداية الطريق إلى اكتشافها بفضل العلم، لكن في أجزاء محدودة جداً من الطبيعة.

 أما المسلمون فهم يعلمون جيداً أن الخليقة كيان عضوي، وأن كل جزء فيها يخدم غاية ما، حتى ولو كانوا لا يعرفونها. وهذا العلم هو ثمرة لإيمانهم. وحين تواجههم أمور مثل افتراس الذئب للحمل أو أكل الطائر للفراش أو تحول الجسد الإنساني إلى غذاء للديدان، فإنهم  يفترضون أن كل ذلك خير، وأنه بنشاطه الطبيعي يحقق غرضاً إلهياً أو نظاماً من الأغراض التي تنتهي إلى الإرادة الإلهية. فالمسلمون لا يمكنهم أن ينسبوا شيئاً للصدفة أو للأقدار العمياء. فالزلازل والطواعين والجفاف والكوارث في نظر المسلمين إنما هي من تقدير الله. والمسلم يتقبل هذه الكوارث – مهما تكن فواجعها وآلامها – على أنها من فعل الله وأنها مرادةٌ لله تعالى من أجل هدف طيب قد لا يظهر للإنسان في الوقت الحاضر. وما دامت من فعل الله، فإن المسلم لا ينهار أمامها لأنه يعرف أن الله الذي قدرها وأوجدها هو في نفس الوقت الحافظ الرحيم بعباده. لهذا، فإنها في نظر المسلم ابتلاء من الله يختبر به عباده ليصل بهم من خلالها إلى مزيد من الثبات والإيمان والتفاؤل ، والمحصلة النهائية لهذا الجانب من العقيدة الإسلامية إنما هو على وجه التحديد ما تحتاجه البشرية في مواجهة المآسي والخطوب.

إن كون الله قد خلق العالم ككيان واحد ترتبط فيه  النتائج بالأسباب، وحيث تغطي الأسباب كل شيء بصورة لانهائية ، وحيث تتباين الآثار في كل حادثة في مدى لا نهائي، وفيه توجد العلاقات المتبادلة اللانهائية لتربط الأشياء ببعضها في نظام  من الغايات – هذا التقدير الإلهي نفسه مقصود به أن يهيئ المجال لحياة الإنسان وابتلائه الأخلاقي، فهذا المجال ليس غايته الكبرى ولا هو ملك له أو شغله الشاغل. فما دام الإنسان مخلوقاً لتكون حياته عبادة لخالقه، فإن العالم يكون منحة له من ربه. وواجب الإنسان على هذا هو أن يكتشف السنن الإلهية فيه، بل وأن يصونه من التدهور ويقوم بتعميره وتطويره باستمرار.

جـ- تسخير الخليقة للإنسان: منح الله تعالى العالم للإنسان كنعمة مؤقتة و ليكون مجالاً لنشاطه – وجعل كل شيء فيه مسخراً له ، بمعنى أنه تحت تصرف الإنسان يستخدمه لغذائه أو متعته أو راحته. هذا الاستخدام قد يكون مباشراً كما في حالة الغذاء والمتعة، وقد يكون غير مباشر كما يحدث حين تسخر قوى الطبيعة لتنتج ما يحتاج إليه الإنسان. وهناك تناسق ذاتي بين مفردات الخليقة والانتفاع الإنساني . فالحاجات الإنسانية جزء من بناء الخليقة، ومفردات الخليقة مصممة بقصد أن تخدم تلك الحاجات. وكل مكونات الطبيعة ذات استعداد لقبول تأثير الإنسان فيها، ولتحمل التغيير طبقاً لتصرفه والتحول إلى أي شكل يرغب فيه. يستطيع البشر أن يجففوا البحار ويستخدموا الشمس ويحركوا الجبال ويزرعوا الصحارى أو أن يتركوا الدنيا كلها خراباً. في إمكانهم أن يملأوا الدنيا بالجمال ويجعلوا كل شيء يزدهر، أو أن يملأوها بالقبح ويحطموا كل شيء. إن تسخير الكون للإنسان لا يقف عند حد... لقد شاء الله تعالى أن تكون العلاقات السببية والغائية المتبادلة بين أفراد الخليقة هي مادة هذا التسخير، وبدونها لا يكون للتسخير جدوى ولا معنى. فلو كان الإنسان لا يستطيع الاعتماد على الأسباب لإحداث نتائجها، أو كانت الوسائل غير صالحة لتوصِّل إلى الغايات، لفقد الإنسان اهتمامه بالكون ولكف عن أي محاولة لتغييره إلى الأنماط التي يجب أن يكون عليها طبقاً لوحي الله... "مادمت مكلفاً فإنك مستطيع" هذا المبدأ الذي ينسب إلى "كانط"، والذي يعد أول مبادئ "ميتافيزيقا الأخلاق" كان أول من عبر عنه أحد فلاسفة المسلمين مستوحياً إياه من المبدأ القرآني (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية286) وبدون هذه النتيجة الضمنية الضرورية يصبح العالم إما جامداً عديم الحركة والتغير، وإما عالماً للمجانين.

(3) وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة:

من المؤكد أن العقل تعرض له الأوهام والضلالات والشكوك. حقاً إن قدرته على تصحيح نفسه توفر له درجة لا بأس بها من الحماية، لكنه بالنسبة للحقيقة المطلقة – وبسبب قصوره البشري – يحتاج إلى تعزيز من مصدر مبرأ من الخطأ، وهو الوحي. وبمجرد أن يتم إرساء القضايا المتعلقة بالمبادئ الأولية أو المطلقة، فإن العقل يكتسب عندئذ قوة  يستطيع بها أن يتغلب على ما يعترضه من مشكلات. يجب أن تكون كافة افتراضات العقل الأولية مؤكدة بشكل قاطع: بعضها يكون كذلك لأنه يدهي، والبعض الآخر لأنه عبارة عن تجارب عامة للبشرية ككل؛ ولكن هنالك ضربا ثالثا لا يمكن إدراكه إلا لأولئك الذين تتوفر فيهم الدرجة المطلوبة من الحكمة أو نضوج الرؤية الدينية أو الأخلاقية؛ وأمثال هؤلاء هم الذين يتوقع منهم – لهذا السبب – أن يروا الحقيقة على وجهها الصحيح. ومن هنا، فإن إدراك مثل هذه الحقائق والقيم قد لا يكون عاماً بالمفهوم الرياضي، وإنما يتطلب نوعاً آخر من المؤهلات الضرورية التي يتعين وجودها. وحيثما لا يتأتى للعقل اليقين الجازم فإن نور الإيمان يمكن أن يمده بهذا اليقين، بل إنه ليلقي ضوءاً كاشفاً على سائر الفرضيات الأولية الأخرى كما يضفي مزيداً من اليقين على النظرة الشاملة للكون المبنية على تلك الفرضيات. إن بين الإيمان والفرضيات العقلية الأولية التي تصل إلى حد الجزم لعلاقةً وتناغما واتصالا وتكاملا. وإن العقيدة في الإسلام – خلافا للديانات الأخرى القائمة على التسليم الكامل [حتى لما يناقض العقل] – لا تنفك عن العقل سواء في وظيفتها أو فيما تسهم به. فلا هي فوق العقل، وليس العقل كذلك فوقها. ولذا فليس من الإسلام أن نضع الإدراك العقلي والإدراك الإيماني على طرفي نقيض بحيث يكون على الإنسان أن يختار بينهما. "..إن اليهود يطلبون آية (معجزة)، واليونانيين يطلبون الحكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً، لليهود عثرة ولليونانيين جهالة ... إن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوي من الناس. فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أن ليس كثيرون حكماء ... بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء و ... ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، و ... أوفياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود ..." (هذا النص من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس: الإصحاح الأول: 22 – 28) (والنص العربي منقول عن طبعة الكتاب المقدس 1977 التي أصدرتها جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى – المترجم). مثل هذا الكلام قد يكون يهودياً أو نصرانياً أو هندوسياً لكنه على النقيض من الموقف الإسلامي.

أما فيما يتعلق "بنظرية المعرفة" فإن خير ما يوصف به موقف الإسلام هو أنه قائم على "وحدة الحقيقة" ، وهذه الوحدة مستمدة من وحدانية الله المطلقة، إن "الحق" هو أحد أسماء الله الحسنى؛ وإذا كان الله واحداً بالفعل كما يؤكد الإسلام، فلا يمكن أن تتعدد الحقيقة. إن الله يعلم الحقيقة وينزلها من خلال الوحي صافية إلى خلقه، فلا يمكن أن يجيء ما يتنزل به الوحي مختلفاً عن ما في الحقيقة الواقعية لأن الله  سبحانه هو خالق الحقائق كلها الواقعية منها والمطلقة. والحقائق التي تدخل في نطاق ما يحيط به  عمل العقل متضمنة في قوانين الطبيعة التي هي سنن الله في خلقه، وهي سنن دائمة ثابتة، ومن هنا يمكن أن تُكتشف تلك الحقائق وتقنن وتستخدم لمصالح الإنسانية... والوحي – إضافة لما يقدمه من  إعلان لوجود الله وأنه خالق الوجود – يبين أيضا حقيقة القوانين الطبيعية أو السنن الإلهية التي يسير الكون على أساسها. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك بيان أو تعبير عن تلك القوانين أصدق من بيان خالقها ومدبرها. وإذن  فإنه  نظريا لا يمكن أن تصور وجود أي تناقض بينهما. وهذا التطابق المنطقي بين العقل والحقيقة والواقع من جانب وبين ما يأتي به الوحي من جانب آخر لهو أخطر مبدأ عرفته نظرية المعرفة في تاريخها الطويل. وهذا التطابق يقوم على مباد ثلاثة  عليها ترتكز المعرفة الإسلامية  كلها:

الأول: إن وحدة الحقيقة تعني رفض أي إمكانية للتناقض بين الحقائق الواقعية وما يأتي به الوحي. فكل ما يقرره الوحي لابد أن يكون صادقاً منسجماً مع الواقع موافقاً له؛ إذ لا يتصور أن يكون الله – تعالى – جاهلاً أو غاشاً أو مضللاً لمخلوقاته. وعليه، فإن ما يبينه لهم لا يمكن أن يتعارض أبدا بأي وجه مع حقائق الواقع، لأنه ما أنزل الوحي إليهم إلا للإرشاد والتعليم. فإن ظهر أي تناقض بين الوحي والواقع، فإن على المسلم أن يراجع "فهمه" للوحي مادام يؤمن بمبدأ وحدة الحقيقة ، فهذا المبدأ  يحميه من خطر التأويلات والتفسيرات المتسرعة أو المغرقة في المجازات أو المعتمدة على معان باطنية لا سند لها سوى الفهم الشخصي التحكمى. إن فهم معاني الوحي في الإسلام يقوم على ركيزتين صلبتين: اللغة العربية بمعجمها ونحوها ثم الحقائق الواقعية، وكلاهما محفوظ منذ نزل الوحي. ولهذا السبب لم يعرف الوحي القرآني مشاكل تأويلية من حيث هو، وإنما كل مسائل التفسير تدور حول أمور لغوية تتصل بالمعجم أو بالقواعد.

الثاني: إن وحدة الحقيقة تفرض أنه لا يوجد تعارض أو خلاف أو تفاوت مطلق بين العقل والوحي. فوحدة الحقيقة ترفض رفضاً قاطعاً فكرة عدم وجود مبدأ أو حقيقة أو فهم أعلى يمكن أن يزيل التناقض. إن الإنسان وهو يبحث في الطبيعة ويحاول أن يكتشف السنن القانونية التي أوجدها الخالق في الكون، يمكن – بل من المؤكد – أن يخطئ أو يتوهم أو يظن أنه قد أمسك بالحقيقة مع أنه يكون في الواقع مخطئا . ومثل هذا الموقف قد يخلق تعارضاً ظاهريا بين العقل والوحي. فوحدة الحقيقة ترفض هذا التعارض وترى أنه وهم، وتطالب الباحث بالعودة إلى النظر ثانية في معطياته وفحصها من جديد. فقد يكون سبب التعارض فيما انتهى إليه العلم أو العقل من نتائج، وفي مثل هذه الحالة يحسن بالباحث أن يعود إلى معطياته ويفحصها ثانية. وقد يرجع السبب كذلك إلى إساءة فهمه للوحي، وهنا أيضاً يكون عليه أن يراجع مسلماته.

الثالث: إن وحدة الحقيقة ، أو طبيعة قوانين المخلوقات والسنن الإلهية، تفرض أن باب البحث في طبيعة الخلق أو في أي جزئية منه لا يمكن أن يغلق، وذلك لأن سنن الله في خلقه غير محدودة. فمهما عرفنا منها، ومهما تعمقنا في هذه المعرفة، فلا يزال هناك دائماً المزيد منها ليكتشف. ومن هنا، فإن الاستعداد لقبول الجديد من البراهين، والإصرار على متابعة البحث هي خصائص لازمة للعقل المسلم الذي قبل مبدأ وحدة الحقيقة فالموقف الناقد لكل الدعاوى الإنسانية، والبحث الدائب وراء قوانين الطبيعة التي لا تكون نهائية أبداً، هما في ذات الوقت شرطان لازمان للمنهج الإسلامي وللعلم الأصيل. ومن هذا المنطلق، فإن أقوى حكم يبقى دائماً مؤقتاً، ويظل صالحاً حتى تظهر أدلة جديدة تشكك فيه أو تفنده أو تؤكد صحته. إذن، فإن أعلى حكمة، وأوثق قرار يجب أن يعقبه هذا التأكيد "والله أعلم".

(4)  وحدة الحياة:

أ- "الأمانة الإلهية": يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا....) (البقرة: 30 – 34) وفي آيات أخرى من القرآن الكريم يقول الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان....) (23: 72)؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ) (51 :56)، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا....ً ) (11 : 7) (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً......) (67: 1-2)

هذه النصوص السابقة من القرآن الكريم تجيب، في كل آن، على التساؤل عما إذا كان – أو لم يكن – هناك سبب يفسر وجود الإنسان. والإسلام يؤكد كل التأكيد أن لوجود الإنسان سبباً وأن هذا السبب هو عبادة الله تعالى. إن الإرادة الإلهية على ضربين: ضرب متحقق حتماً يتمثل في السنن الإلهية التي يجري الكون على أساسها، وهي قوانين الطبيعة. وهذه السنن ثابتة ومتحققة على مستوى الكون كله. ومن الممكن أن تفهم عن طريق الوحي أو عن طريق العقل. وقد أوجب الله على الإنسان أن يبحث عنها وأن يفهمها ويقننها من أجل المعرفة ثم يستخدمها لصالحه. أما الضرب الثاني من القوانين الإلهية: فيتحقق فقط عن طريق الحرية والاختيار، أي عندما تتحقق في وضع يكون فيه تحقيقها أو عدم تحقيقها إمكانينين متميزتين. وتلك هي القوانين الخلقية. إنها تتعايش مع قوانين الطبيعة، بمعنى أنها تتحقق دائماً في سياق من الأشياء والأشخاص والعلاقات في العالم الواقعي، لكنها تنتمي إلى ضرب مختلف عن الواقع المحتوم. إنها عملية أولويات. فأن تصبح جزءاً من الموقف الواقعي وأن تتحقق من خلاله أولاً، أمر يعتمد على تحقق ذلك الموقف، أو على المتطلبات الخاصة بهذه القوانين الخلقية. إنها تتطلب ممارسة الشخص لإرادته ممارسة حرة. ولهذا فإن "السماوات والأرض والجبال" عجزن عن حمل "الأمانة" الإلهية لعدم وجود هذه الإرادة لديهن. وحملها الإنسان لأنه دون باقي المخلوقات يتمتع بهذه الحرية الأخلاقية. وهذه الإمكانية لديه جعلته في وضع أسمى من الملائكة الذين لا يتمتعون بالحرية في أن يطيعوا أو لا يطيعوا. وهذا هو السبب في أمر الله لهم أن يسجدوا لآدم. فكان انعدام حرية الإرادة لديهم سبباً في إنزالهم عن مرتبة الإنسان. هم كاملون ويستطيعون فقط أن يطيعوا أوامر الله. إنهم يقدسون الله ويسبحونه دائماً ولا يعصون له أمراً. وعلى هذا، فإن طاعة الإنسان لله أعلى قيمة من طاعة الملائكة، وما ذلك إلا بسبب أنها تصدر عن إنسان لديه القدرة أن يفعل عكس ذلك. فإعراض مثل هذا الإنسان عن طريق الشر، أو ترفعه عما هو أدنى، أو إعراضه عن الخير المادي النفعي الأناني، ثم اتجاهه بمحض اختياره إلى فعل ما يتطلبه القانون الأخلاقي إنما هو إحراز لقيمة أسمى. إن الحياة الأخلاقية لهي ضرب من الحياة أعلى وأنبل وأعظم. وإن النمط الأعلى من الإرادة الإلهية يدخل التاريخ ويصبح واقعا حين يختار البشر في حرية أن يحققوه. ومن هنا، فإن الإنسان يعتبر وصلة كونية بين الإرادة الإلهية والواقع الحقيقي. وواضح أن وجوده عظيم الأهمية.

ب- الخلافة: إن حمل الإنسان للأمانة الإلهية يجعله في مقام الخلافة أو النيابة عن الله. وتتمثل خلافته في إنفاذ القوانين الأخلاقية التي هي والقوانين الدينية شيء واحد، وإن كانت الأخيرة تتحكم كذلك في الشعائر التعبدية وهي قليلة. لكن حتى هذه لها جوانب ليست تعبدية أو أخروية محضة، وإنما لها – من حيث خصائصها وآثارها – علاقة قوية بهذه الدنيا. أما باقي التشريعات الدينية أو الأخلاقية فكلها عبارة عن ممارسات فعلية للحياة والوجود والعمل. وما تضيفه هذه القوانين للممارسات الفعلية إنما هو الصفة أو المنظور أو الطريقة التي يتم بها تصريف تلك الممارسات المتشابهة. إن من الطبيعي أن يشتهي الناس وأن يكبروا ويتمتعوا، أن يطلبوا وأن يتملكوا، وأن يحبوا وأن يتزوجوا وأن ينجبوا، وأن يتسلطوا وأن يمارسوا القوة ..... الخ، والإسلام يحب لكل هذه الأنشطة أن تستمر، إنه لا يشجبها ولا يود لها أن تتوقف كما هو شأن النصرانية والبوذية ، كل ما يطلبه الإسلام ما الناس أن يقدموا على هذه الأفعال بدوافع مختلفة وأن يؤدوها بطريقة مختلفة. الدافع المختلف هو أن يبتغوا بها وجه الله. والأسلوب المختلف هو أن يؤدوها بالعدل وبالحق بحيث تؤدى إلى تحقيق غاياتها النفعية والأخلاقية دون أن يلزم من ذلك حدوث نتائج غير مرغوبة أو غير عادلة أو غير أخلاقية.

والوحدة المشار إليها سابقاً بين القوانين الأخلاقية والعبادات الدينية تأتي من أن الإسلام لا يفضل الدين عن الدنيا. فمن وجهة نظره، توجد حقيقة واحدة فقط لا حقيقتان كما هو شأن الأديان التي تقسم الحياة إلى قطاعين: ديني مقدس وعلماني. ليس هناك شيء مقدس بهذا المعنى سوى الله. كل شيء في نظر الإسلام مخلوق وليس مقدساً، ويفترض أنه خير ما دام من صنع الله. وطريقتنا في أداء ما نفعل هي التي تحقق المتطلبات الدينية أو الأخلاقية أو لا تحققها . فإن فعلت فالعمل خير، وإلا فهو شر. وعلى هذا، فإن أفعال الإنسان وحده هي التي يمكن أن تكون خيراً أو شراً بناء على ما تؤول إليه من تحقيق العدل والحق والجمال والسعادة أو عكس ذلك. وعلى هذا، فصفة "التدين" لا تعني أن ينسحب الإنسان من الممارسات المعتادة في الحياة ولا أن يقتصر على الأعمال الخالية من أي قيمة نفعية. فأمر الدين كله إنما هو صفة لنفس الممارسات الحياتية. وعلى هذا الأساس يبقى الإسلام ملتحماً بواقع الحياة والتاريخ. وفي خارج نطاق الحياة والتاريخ ليس ثمة فضيلة ولا تقوى، بل ولا إسلام. وقد ترى النصرانية والبوذية الدين في غير مجريات الحياة والتاريخ، وقد تفرضان إذلال النفس والتنسك والرهبنة والمجاهدة، بل وتجميد تلك المجريات نفسها. إنهما تفعلان ذلك لأن مجريات الحياة والتاريخ في نظرهما أهل للشجب على أساس أنها شر ومحكوم عليها بالهلاك. فالمسيحية تؤمن بأن الخليقة "آثمة" و "شر" و "لا خير فيها"، وترى الخلاص من ذلك في الإيمان بالمسيح وتقليده. كذلك، فإن البوذية تؤمن بأن الخليقة "شر" لا شيء فيه سوى الألم والمعاناة، وتفرض إنكار الذات وإنكار الحياة كباب للخلاص من مجريات الحياة والتاريخ.

أما الإسلام فإنه ينكر مثل هذه المسلمات المسبقة التي تلعن الحياة والتاريخ، ويرى أن الخلقة خير وأن الله سبحانه وتعالى خلقها لغاية طيبة ،  وأن تحقيقها يتأتى بالإخلاص لله وطلب العدالة للبشر. والمشاركة في مجريات الحياة من أساسيات نظرة الإسلام للإنسان. لقد عين الله سبحانه وتعالى للإنسان هدفين ليحققهما. الأول، أي أن يعيد ترتيب جزئيات الحياة  بحيث تصبح بكل طاقاتها في خدمة الحاجات الإنسانية، يستوي في ذلك الجزئيات المادية (من طعام ومأوى وراحة وإنجاب) والخلقية والفكرية والجمالية. الثاني، أن على البشر في عملية توجيه الخليقة نفسها أن يستعْلوُا بالقيم الخلقية فينتقوا منها – للدخول في عمليات التوجيه تلك وعلى أسس أخلاقية – ما يحقق ما يقتضيه الإخلاص لله وتحقيق العدالة البشرية.

إن مضمون "الأمانة" الإلهية، وبالتالي مضمون "الخلافة"، هو بناء الثقافة والحضارة والسمو بها، إن محور "الخلافة" هو تحقيق السلام والأمن على الحياة والممتلكات وتنظيم البشرية في مجتمعات منظمة قادرة على إنتاج الطعام وعلى معالجته وتخزينه وتوزيعه على الجميع بشكل كاف كماً ونوعاً، وتهيئة المأوى والدفء والراحة والاتصالات واليسر، وإعداد ما يكفي من الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وأخيراً، تهيئة الفرص للتعليم وتحقيق الذات وللتمتع الترفيهي والجمالي. وهذا مرادف لإقامة ثقافة وحضارة ولبناء الحياة في هذا الوجود، ولقد أمر الله عز وجل بإقامة ذلك كله ، وأعلن أن ذلك هو السبب الحقيقي لخلق العالم، والمراد  الإلهي الأسمى من وراء هذا كله هو أن يبرهن البشر على أهليتهم من الناحية الأخلاقية فيما يقومون به من أفعال ، وبإمكانهم أن يحققوا هذا ببساطة بأن يجعلوا الله قبلتهم في كل ما يقومون به إذ يمارسون كافة أنشطتهم الحياتية فيجعلونها لوجه الله سبحانه وتعالى، وبأن يحرصوا على إقامة مبدأ العدل من خلال هذا كله ... إن المسلمين يفهمون –وبحق- أن هذا الاستخلاف عمل سياسي في المقام الأول ، وكثيرا ما ربط القرآن الكريم الاستخلاف بإقامة السلطة السياسية (الأعراف : 73) وبضمان الأمن والسلام (النور 54) وبالقضاء على أعداء الله واستبدال نظم حكمهم الظالمة بحكم خلفاء الله في الأرض (الأعراف: 128) (يونس : 13) ... ويعتبر العمل السياسي  أي المشاركة في العملية السياسية بدءا من اختيار الحاكم أو بيعته ، وتقديم المشورة والنصح للحاكم ووزرائه، ومراقبة أعمالهم ونقدهم أو حتى خلعهم – كل هذه ليست فقط أمورا مرغوبا فيها في الإسلام بل هي من أوجب الواجبات الدينية والأخلاقية ، والنكوص عن القيام بتلك الواجبات يعني الوقوع في الجاهلية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد حارب أبو بكر والصحابة من رفضوا تلك المشاركة وإن احتفظوا بالعقيدة واعتبروهم كفارا خرجوا من الإسلام كله ، وإذا كانت المسيحية تعتبر العملية السياسية من مهاوي الشر وتنصح بعدم المشاركة فيها ، فإن الإسلام يعتبر ذلك من جوهر الإسلام وينهى عن الانسحابية ، ويصدق هذا الأمر نفسه –وبتأكيد أشد- على بناء الثقافة والحضارة ، فالإسلام يعتبر أن بناءهما هو الشغل الشاغل للدين ، ولهذا فإن تخلي جماهير المسلمين في عصور الضعف عن المشاركة في النشاط السياسي لمما يتناقض بالكلية مع معايير الإسلام.

كذلك، فإن المبدأ نفسه يصدق على متطلبات السلام والأمن، وهما أثمن جائزة يسعى إليها العالم الإسلامي اليوم. فكل مسلم يجب أن يأمن على حياته وممتلكاته وعلى كرامته الشخصية ومكانه في المجتمع. وتوفير هذا المطلب من أول الواجبات الاجتماعية. ومن أجل هذا، طلب الإسلام من كل مسلم أن يكون "مسيَّسا"، أي أن يكون يقظا وأن ينظَّم ويُدفع إلى أن يعمل على تحقيق هذا الهدف لنفسه ولأفراد أسرته ولجيرانه ولكل إخوانه من المسلمين.

ج- الشمولية: إن منهج الإسلام لبناء الثقافة والحضارة منهج شامل، كما يجب أن يكون إن فهمناه حق الفهم. وهذا الشمول هو من الخصائص الأساسية للشريعة. فكل جانب من الحياة الإنسانية له حكمه الملائم في الإسلام. هذا الحكم قد يكون واضحاً وقد يكون غير واضح، ملزِماً كما في "الواجبات" و "المحرمات" أو غير ملزم كما في الإرشادات "المندوبة" و "المكروهة" و "المباحة". المهم أن لا شيء يند عن أحكام الإسلام. حقاً إن دائرة "المباح" في الإسلام واسعة، لكن سعتها ليست دليلاً على عدم وجود ما يلائمها في الإسلام، وإنما سببها أن المباحات تقع خارج نطاق "المطلوبات" المحددة، سواء أكانت "إلزاميات" كالوجبات والمحرمات، أو "أفضليات" كالمندوبات والمكروهات. وخارج هذا النطاق تقع الثقافة وطرائق المعيشة، وهي لا تقل أهمية في نظر الإسلام عن قطاع "المطلوبات" التي تعتمد في الحقيقة، على التربية الموفقة؛ فهي تمثل المنطلقات الأولية لها وبدونها تصبح غير واردة. فلا شيء يمكن فرضه بالقوة ما لم تكن الجماهير قد تربت عليه من قبل وسبق اقتناعها به.

ومن هنا، فإن واجب المفكر المسلم أن "يؤسلم" الحياة، أي أن يحدد نظرياً وتطبيقياً علاقة الإسلام بكل جزئية في الحياة الإنسانية. ولقد أوضح القرآن ذلك بالفعل في عدد من ميادين النشاط الإنساني، وذلك عن طريق تحديد مكانة الأفضليات والمباحات، كما في التحية وخفض الصوت والاستئذان عند الدخول، وسرعة الانصراف بعد تناول الطعام (عند الغير) وإحسان معاملة الوالدين ومن يكبروننا سنا ... الخ. وقد بذل الرسول صلى الله عليه وسلم ما في وسعه لاستكمال التطبيق سواء بالإرشاد أو بالقدوة العملية في مجالات كيفية الأكل والشرب والمحافظة على النظافة والترويح عن النفس ومعاملة الجيران ... الخ . وأسلوب الحياة الذي قرره الإسلام تفصيلياً في العصور الأولى وما تفرع عن تلك التوجيهات القرآنية والنبوية، نراه اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف وبلورة واستكمال بحيث تغطي ما لم يكن معروفاً من الأنشطة زمانئذ، أو تصبح أدق تطبيقاً على ما ترتب على التمدن الحديث من مجالات تمتد من الكماليات إلى الضروريات. مثال ذلك: مجالات العلاقات الاجتماعية والسفر والنقل والترفيه والفنون السمعية والبصرية ووسائل الاتصال الجماهيري وغيرها من الميادين التي تحتاج إلى أن تمتد إليها توجيهات الإسلام.

 

(5) وحدة الإنسانية:

مادامت الوحدانية صفة لله عز وجل، وهو سبحانه الخالق، فلابد أن تمتد صفة الوحدة الإلهية إلى كل البشر لأنهم من خلقه. ومن الطرف الآخر، لابد للبشر أن يرتبطوا جميعاً كمخلوقين بخالقهم. ولا يمكن أن يتعدد وجودهم من حيث هو، وإلا أدى ذلك إلى تعدد مماثل في الخالق. حقاً، إن البشر يمكن أن يتفاوتوا في الخصائص من العنصر واللون والبنية والشخصية واللغة والثقافة؛ لكن أيا من هذه الخصائص لا يمثل قيمة وجودية، بمعنى أنه لا يجعل من الشخص كائناً مختلفاً، كما لا يستطيع أي منها أن يؤثر في وضع الشخص كمخلوق أمام الله سبحانه وتعالى. فقيمتها ليست أساسية في مخلوقية الشخص لله، هذه الخصائص السلالية (الإثنية) التي تحدد معالم شخصية صاحبها وسلوكه قد يكون لها دور في امتيازه أو انهياره أخلاقياً، وهو أمر كثير الوقوع، لكن دورها في تحديد النتائج الأخلاقية ليس ضرورياً ولا نهائياً ولا مطلقاً. فليس من الضروري أبداً أن شخصاً ذا تركيبة خاصة متخيلة من تلك الخصائص يكون ذا قيمة خلقية عالية أو هابطة. فجوهر بناء وجود الشخص يجب أن يبقى إلى حد ما حراً من سيطرة تلك الخصائص قادراً على أن يتبع قوتها الموجهة أو أن يخالفها عن طريق تحويل تلك القوة إلى غايات أخرى.

هذا المبدأ هو السبب الذي يقف وراء الحقيقة الإلهية التي قررها القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .....)(الحجرات: 13). إن الانتماء إلى نوع (ذكر أو أنثى) أو إلى قبيلة أو أمة أو إلى سلالة دون أخرى ربما كان أوضح خصائص البشر وأول عوامل التمييز بينهم. يلي ذلك عوامل اللغة والملامح الوراثية والذكاء والمهارة والقوة البدنية، وهي أقل ثباتاً عند الميلاد وأكثر قبولاً للتغير. وثالثاً، تأتي الشخصية بخصائصها ذات القابلية العالية للتغير والتي تكوِّن الفضائل والرذائل: من الحكمة والمعرفة والتقوى والصبر إلى الجهل والحمق والكفر والتمرد... هذه العوامل كلها تشكل الشخصية الإنسانية وطريقة الحياة، على الأقل من حيث الأساس والقاعدة. أما بقية بناء الشخصية ونمط الحياة فيتكون من العادات أو الآراء، من الميل أو المزاج، من السمعة ومن تاريخ وتقاليد هذه الشخصية عبر تراكمات أعمالها. كل من هذه العوامل له دور في بناء الفرد الإنساني وفي تحديد هويته. لكنها تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً، فبعضها خَلْقي محدد من قبل المولد، وهو – لهذا – ثابت لا يتغير، وبعضها مكتسب في مراحل مختلفة من الحياة، ولذلك ينمو ويتطور، أو يتغير ويزول.

والبشر معرضون كثيراً لأن يخطئوا تقدير قيمة هذه الخصائص وطبيعة الدور الذي تقوم به في حياة الشخص. ففي التاريخ لم يكن لأي من خصائص الإنسان دور في تحديد الحكم على الأشخاص والجماعات أعظم من الدور الذي قامت به المجموعة الأولى من الخصائص، وأعني بها النوع والسلالة. ومع ذلك فهي أشد تلك الخصائص براءة من هذه التبعة نظراً لأنها أقلها اعتماداً على قرار  الإنسان أو عمله الأخلاقي، كما أنها أضعفها قابلية للتغير. إن طبيعة المباشرة الوضوح في هذه الخصائص كثيراً ما تضلل الحكم فنأخذها على أنها حقائق وجودية ويبنى التفرقة والتمييز بين الناس على أساسها. وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم قد بدأ بها وقصد إلى هدم كافة الأحكام المبنية عليها. إن هذه خصائص من صنع الله، ضرورية ولا تتغير، وقد خلقها الله لتكون فقط عوامل تعارف. إن علينا أن نأخذها على أنها "جواز سفر" أو "هوية شخصية" لا تنبئ عن قيمة صاحبها أو طبيعته الأخلاقية. وهذا هو معنى الآية إن أخذناها على المعنى الحرفي. أما إن أخذنا "ليتعارفوا" مأخذاً مجازياً، فإن القرآن حينئذ يخبرنا بأن الله قد خلق الخصائص النوعية والسلالية كي يتمكن البشر من خلالها من التكامل والتعاون [بتبادل الخبرات المتميزة عند كل شعب].

إذن، كل البشر خلق واحد ومتساوون: وهذا أساس العالمية في الإسلام. كل البشر عند الله سواء لا تميزون إلا بأعمالهم وفي الفضائل الخلقية والإنجازات الحضارية والثقافية. فإذا كانت هذه الأعمال تعتمد على خصائص ثقافية موجودة تعرقل مثل هذا الإنجاز، فالواجب علينا أن نغير هذه الخصائص وننمي أخرى – وهذا أمر في الإمكان دائماً، والباب مفتوح أبداً أمام مثل هذا التغيير. أما حين يتم الحكم على أساس الخصائص الثابتة، فإننا نرتكب جريمة أخلاقية، وهي التعصب العنصري. والتورط في جريمة كهذه ينذر بشر مستطير يتمثل في انتهاك وحدة البشرية وانتهاك الوحدانية الإلهية أيضاً. لا شيء أشد مقتاً عند الله تعالى من الشرك، ولا شيء أقرب إلى الشرك من التعصب العنصري. ولا شيء كالعنصرية أدى إلى العداوة والحروب وإراقة الدماء بين البشر. لقد ألصقت بالدين وبضروب كثيرة من الأسباب تهمة التسبب في إثارة مختلف الصراعات بين جماعات البشر. والحق أن كافة الصراعات تقريباً بين الجماعات يمكن إرجاعها إلى قرارات عنصرية اتخذت على أساس الخصائص الثابتة لمن يدعون "أعداء".

إن الإسلام لا يلتقي أبداً مع التعصب العنصري الذي يعتبر التمييز العنصري والقومية من صوره السائدة. إن الصراع بينهما لا حد له نظرا أن ما ينزله التعصب العنصري من دمار في الروح الإنسانية – فاعلة أو مفعولة له – لا يمكن جبره.

وإدانة التعصب العنصري كما يفعل الإسلام ليست إدانة للوطنية ، إذ الأخيرة تعني موقفاً من الحب والإعزاز، والتقدير لحياة الجماعة وقيمتها، ومن الاستعداد لتحمل المرء كل بذل وتضحية، بما في ذلك التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عنها. فليست الوطنية على هذا بريئة من الشر فقط، بل إنها عمل إيجابي صالح يفرضه الإسلام. فمن الواجب على المرء دينياً وأخلاقياً أن يحب قومه ويخدمهم ويدافع عنهم ضد كل اعتداء وظلم، وكذلك أرضه. فما أبعد الفرق بين التعصب العنصري والوطنية. إن جوهر الأول هو الإدعاء بأن مزايا الشخصية السلالية هي المعيار المطلق للخير والشر؛ وأشنع صوره هي اعتبار سلالة ما أسمى من كل البشر نتيجة للخصائص الذاتية في أفرادها ثم إجلال تلك المزايا والتمسك بها على حساب كل المزايا الأخرى. والتعصب العنصري بهذا الزعم يتطلب الولاء المطلق له ممن يؤمنون به، ما دامت الدعوى التي يقدمها هي أن العنصر أو السلالة هو الحقيقة المطلقة. إن الشعب المتعصب عنصريا، يهودياً كان أو ألمانياً أو فرنسياً أو روسياً، يدعى مخلصاً أن اليهود أو الألمان أو الفرنسيين أو الروس هم  الحقائق المطلقة التي تمثل المعيار المطلق للخير والشر. إن ما غرسته الصهيونية في روح الشعب اليهودي، وما غرسه "هيجل" و "فيخته" و "نيشته" وغيرهم من المفكرين الرومانسيين في روح الشعب الألماني عما هو "الوطن الألماني"؛ وما غرسه "روسو" و "فوستيل دي كولانج" وغيرهما من روح الشعب الفرنسي عما هي "الأمة"  أو "فرنسا"، قد وصل إلى ما يشبه المبدأ المقدس الذي نفخ الغرور في اليهود والألمان والفرنسيين فصار عندهم أشبه بالحقيقة المطلقة للمعتقد الديني. وإن ما تتطلبه مثل هذه الأساطير الغامضة من اعتداد بالنفس ومن إلهام، وإن التأثير الشديد الذي تمارسه على قلوب معتنقيها وخيالاتهم، ليسبه تماماً  الآثار المرتبطة بحقيقة تتصف بأنها أسطورية وهائلة وأخاذة لها أولوية مطلقة ومتجاوزة للواقع.

أما المسلم فهو الشخص الذي يعتقد نقيض ذلك تماماً بأن "إلهه" هو الإله الواحد للجميع ولكل شيء ولا إله سواه ، فتلك هي المسلمة الضرورية التي تبني عليها لزوماً كل صور الوحدة المشار إليها سابقاً إضافة إلى وحدة الإنسانية كلها. ومن التناقض في التسمية أن نقول "مسلم قومي" أو "عنصري". والمسلم الذي يعلن أن ولاءه إنما هو لقوميته وحدها هو إما "منافق" أو "زنديق" وإما رجل ذو ولاء سطحي زائف لا يثبت أمام إغراء الرشوة والمصالح الشخصية. وهذا هو أيضا السبب الذي يفسر كيف أن الحياة العملية للغالبية العظمى ممن يدعون بالزعماء القوميين المسلمين الملتزمين قد خلت كثيراً من الانسجام والإخلاص للمبدأ المعلن والتكامل الخلقي.

إن معرفة الإنسان في العصر الحاضر تقوم كلها على أن العنصر أو السلالة هي التي تحدد إنسانية الإنسان بإطلاق ، ومعرفة المجتمع تقوم على العنصر كأساس مطلق للنظام والبناء الاجتماعي. ولم تتح أبداً فرصة التحقق الواقعي لمبدأ عالمية "عصر التنوير" قبل أن يتم رفضها لصالح المبدأ العنصري الذي دانت به الرومانتيكية. حتى عالمية "عصر التنوير" كانت نظرية وموضع شك، إذ كانت – حتى على يد أمير هذه الحركة "عمانويل كانط" – تعتبر أن مختلف شعوب البشر تتدرج ما بين رفيع ووضيع على أساس من تحيز أوربي موروث وغلى أساس الخصائص الذاتية الداخلية للشعوب الآسيوية والإفريقية والأوروبية. لقد اكتسحت الرومانتيكية الغرب كله، وأتت على كل أثر للعالمية العقلانية أو النصرانية، وقدمت أعظم دعم للدراسات الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية. ولقد حدد المفكرون الإنسان على أنه حصيلة لعدد من الحقائق والقدرات والقوى التي تنبثق وتتغذى من تصور لوطن أسطوري ومن سلالة أو شعب أو دم يمتد في غموض إلى أبعاد زمنية لا نهائية ، ومن تقاليد تمتد جذورها إلى أعماق وأبعاد لا نهائية في كل من الزمان والمكان. أضف إلى هذا أن هذه الأمور لا تفهم عن طريق العقل، وإنما نلتقط من خلال العواطف والتجربة المباشرة والحدس، وتجد أبلغ وأوضح تعبير عنها في الفنون، خاصة الموسيقى والرسم والأدب. حتى الدين، تصوره أولئك المفكرون الرومانتكيون ، خاصة "شليرماخر" Schleiermacher، تصوراً جديداً على أنه يرتكز على أساس وحيد هو تجربة المؤمن به التي لا يمكن وصفها، أي أحاسيسه الشخصية، وهو تصور يحط من قيمته بعد ذلك أنه تصور غير عقلاني بل اعتباطي تحكمي لا يختلف في طبيعته عن "الأوهام" و "المخدرات".

لقد استمرت الدراسات الإنسانية في الغرب تتحدث عن "الإنسان" و "الإنسانية"، لكن بالمفهوم الرومانيكى الذي يحصر مضمون هذه المصطلحات في "الإنسان الغربي" و "الإنسانية الغربية". وإذا كانت لم تستبعد تماماً من دائرة الإنسانية المليار من "السود" والمليار من  "الحمر" والمليار من  "الصفر" في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فإنها تعدهم مخلوقات تكاد تقترب من الإنسانية يمكن أن تستعمر وأن تستغل لصالح الإنسانية الغربية.وبالطبع فإن من الواجب إجراء الدراسات عليهم، لكن المطلوب هو أن يتم دراستهم كعينات لعصر كان الغرب قد مر به  في فترة سابقة ، وبذلك يساهمون في تمكين الإنسان الغربي من أن يفهم تاريخ تطوره.

إن التمركز-حول-العنصر بطبيعته مثير للشقاق والتفرق، إذ من الممكن دائما أن تجد داخل أي مجموعة مجموعات أصغر تكشف عن مزيد من التركيز للخصائص الداخلية أكثر من المجموعة الأكبر، وهذه "الحقيقة" يمكن أن تمهد القاعدة لمجموعة أصغر ترى نفسها كياناً عنصرياً مزوداً بخصوصيات أنقى و أقوى. وإذا كانت الرومانتيكية قد فصلت الغربيين عن بقية العالم الذي كانوا على وشك أن يحتكوا به احتكاكاً مكثفاً نتيجة لتطور الصناعة والنقل، فإنها قد مزقت الغرب ذاته إلى قوميات متعادية متنافسة تسعى كل منها إلى "مصالحها القومية" وكأنها وحدها المعيار الوحيد للخير والشر. وسرعان ما تعلمت أمم الغرب من بعضها وقبلت كل منها ما انتهت إليه الأخرى. كما انتقلت بسرعة النظرات والتحليلات والتعبيرات الرومانتيكية من أمة إلى أخرى على أنها حقائق ، ثم تبنتها وطبقتها كما لو كانت من صنعها هي.

وبتأثير الدفعة التي قدمتها الرومانتيكية تطورت العلوم الاجتماعية الغربية: التاريخ والجغرافيا والاقتصاد وعلم السياسة والاجتماع و الأنثروبولوجيا (علم الإنسان). وهي تقوم كلها، كل بطريقته الخاصة، على أساس نظرة عنصرية مؤداها أن الأمة أو الكيان العنصري بمفهومهما المحدد جغرافياً وسكانياً وتاريخياً (لكن الأخير يكون مشوشا وغير محدد) هي الوحدة المطلقة للتحليل والتقويم. وحينما يتحدثون عن "المجتمع" أو "النظام الاجتماعي" فإنهم يقصدون كيانهم ونظامهم القومي. بعضهم يذكرها صراحة منذ الصفحة الأولى، وآخرون لا يصرحون بها على أساس أنها أقوى الفروض الأساسية التي لا تحتاج أن تذكر. ويؤكد علم الاجتماع بجرأة على المقولة العنصرية لأنه يتعامل مباشرة مع المجتمع والنظام الاجتماعي. وعلى إثره يقفو علم السياسة. أما علم الجغرافيا والتاريخ الغربيين فلا يتصوران العالم إلا كتابع للغرب، عالم يدور حول بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا، التي هي بمثابة القلب والنواة له، وذلك حسب المؤلف ومكان النشر. أما علم الاقتصاد الغربي فقد كان في مراحله الأولى بعيداً عن الموضوعية العلمية بحيث ادعى لنفسه مكانة العلم العالمي. لكنه أعيد إلى مكانه كتحليل غربي لأمة غربية على أيدي النازيين وهم قادة الرومانتيكية والعنصرية في أوروبا. ونفس الدعاوى الفارغة التي أسبغها كارل ماركس على هذا العلم أنكرها لينين وخروشوف من خلال الممارسة العملية. لكن نظام حكمهم لم يسمح حتى الآن بإعلان أي شيء مكتوب بهذا الخصوص، وإن سمح بقدر معقول من الإعلانات العنصرية (المدعوة هنا بالاشتراكية – القومية) أن يدرج في الدستور (الجديد) للاتحاد السوفيتي عام 1978.

وأخيراً، فإن علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) يعتبر أجرأ هذه العلوم جميعاً. فالإنسانية في نظره تعني العنصرية، وأنهما منطقياً متكافئتان وقابلتان لتحل إحداهما محل الأخرى. وفي القرنين الأخيرين كان تأثير هذا العلم يسوق البشرية إلى سعار من الوعي بالعنصرية وذلك من خلال فرز مجموعات ثانوية واحدة بعد الأخرى وإقامة نظام من المبادئ والقيم لكل مستقى من الخصائص الذاتية لها أو مما لفقه دعاة هذا العلم وأعلنوا أنه ذاتي ومختص بتلك المجموعة العرقية. فبدلاً من إدراك الخصائص العالمية في الإنسان وتأكيدها، إذ بهذا العلم ينمي ويضخم بشكل كبير الجوانب الخصوصية.

اعترف الإسلام بالأسرة على أنها وحدة البناء في النظام الاجتماعي، ودعم صورتها الممتدة بالتشريعات المتعلقة بالإرث والإنفاق حتى يمكن أكبر عدد ممكن من أعضاء الأسرة أن يأكلوا من مطبخ واحد، وأن يتكافلوا، من ثم، اقتصادياً. والغاية هي أن يصبح أفراد الأسرة الممتدة، من خلال عيشهم في تقارب وكثيراً ما يكون ذلك تحت سقف واحد، متكاتفين في سبيل صحتهم العقلية والعاطفية والاجتماعية وصالحهم العام. أما فيما وراء الأسرة فإن الإسلام لا يعترف بالجماعة القومية أو العنصرية، وإنما بالإنسانية والنظام الاجتماعي العام. فلا شيء يقف بين دائرتي الأسرة والإنسانية. وهما معاً يكونان كل شيء في النظام الاجتماعي. وعضوية الإنسان في هذا النظام هي ما يهتم به الإسلام في العلوم الاجتماعية. أما سائر التقسيمات للبشر بين دائرتي الأسرة والإنسانية، كالقطر والإقليم والشعب والأمة، فإن الإسلام يعتبرها وحدات إدارية بحتة لا علاقة لها بالمرة بتحديد الخير والشر ولا بفهم الشريعة أو تطبيقها. وعليه، فإن ما عند الغرب الحديث من فنون وعلوم إنسانية واجتماعية يجب أن تعاد صياغتها برمتها، وأن تقوم قواعدها الأولية على أساس جديد يتطابق مع عالمية الإسلام. كما ينبغي أن يمدها المفكرون المسلمون بقيم جديدة، أعني بقيم وغايات إسلامية، لتكون بمثابة أهداف عليا لترشيد البحوث الاجتماعية.

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com