untitled
viviti

الفصل الرابع

خطــة العــمل

 

تتمثل أهداف خطة العمل فيما يلي:-

1- إتقان العلوم الحديثة.

2- التمكن من التراث الإسلامي.

3- إقامة العلاقة المناسبة بين التصور الإسلامي وبين كل مجال من مجالات المعرفة الحديثة.

4- الربط الخلاق بين التراث الإسلامي والمعرفة الحديثة.

5- الانطلاق بالفكر الإسلامي في المسار الذي يقوده إلى تحقيق سنن الله سبحانه وتعالي على أرضه.

 

وإذا أردنا تحقيق هذه الأهداف فعلينا السير في عدد من الخطوات المرتبة ترتيباً منطقياً يحدد  الأولوية  الملائمة لكل خطوة منها ... وفيما يلي نسوق الخطوات الضرورية لأسلمة المعرفة.

 

الخطوة الأولى: إتقان العلوم الحديثة وتقسيمها إلى فئات:

من الواجب أن تقسم العلوم الحديثة في صورتها الراهنة وفي أعلى مستويات تقدمها في الغرب إلى أنواع وقواعد ومنهجيات ومشكلات وموضوعات .وهذا التقسيم يجب أن يعكس قائمة المحتويات لأي كتاب دراسي جامعي  يغطي مناهج هذا الفرع ومجالاته، وبمعني آخر، يمثل محتوى مقرر دراسي في هذا الفرع لا يستغني طلاب الدراسات العليا في هذا التخصص عن دراسته واستيعابه. مثل هذا التوصيف للمقرر لا يكفي أن يصب في تعبيرات اصطلاحية وعناوين لأبواب وفصول، بل لابد أن يكون على شكل جمل معبرة توضح معاني المصطلحات وتفسر الأبواب والقواعد والمسائل والمواضيع الكلية لهذا الفرع الدراسي في أكمل شكل غربي له.

 

الخطوة الثانية: المسح الشامل للفروع أو التخصصات العلمية:

يجب أن تتم عملية مسح شامل لأدبيات كل علم من العلوم ، وأن تكتب عنه المقالات لتبين الخطوط العريضة لنشأته وتطوره التاريخي ونمو مناهجه واتساع ميدان رؤيته ، والإضافات الأساسية التي أسهم بها المتخصصون فيه. كما يجب أن يلحق بكل مسح منها قائمة ببليوجرافية شارحة تعرف بأهم مراجع هذا العلم ؛ فتضم بشكل مبوب منظم أهم الكتب والمقالات التي تقوم على أساسها مادة هذا الفرع والتي بدونها لا يمكن الوصول إلى إتقانه.

إن من أهداف هذه الخطوة أن يتم التأكد من أن المسلمين قد توصلوا إلى فهم شامل لهذا العلم واستوعبوه بكل مراحل تطوره في الغرب. فإذا ما تحقق هذا المسح للعلم بشكل جيد ودُعم بالشروح والهوامش الشافية فإنه سيقدم للمتخصصين فيه أساساً لفهم مشترك لهذا العلم الذي ينتظر منهم أن يعيدوا صياغته في ضوء التصور الإسلامي. ولما كانت فروع العلم اليوم قد أصبحت في الغرب متعددة الجوانب بسبب انفجار المعرفة، فقد بات من الضروري للعلماء المسلمين ممن يتناولون هذا الفرع أن يقفوا على أساسه وأن يتفقوا فيما بينهم على الموضوع الذي سيبذلون جهودهم في "أسلمته" من حيث طبيعته وتاريخه وخصائصه وحدوده.

 

الخطوة الثالثة: التمكن من التراث الإسلامي: المختارات:

قبل الدخول في تفاصيل نوع العلاقة و درجة الملاءمة بين الإسلام و بين علم معين يجب أن نكتشف ماذا في تراث الإسلام مما يتصل بهذا الفرع من فروع العلم... إن تراث أسلافنا يجب أن يظل بالنسبة لنا نقطة الانطلاق لتحديد مدى الارتباط بالإسلام. وإن أسلمتنا للعلوم ستكون ضحلة جدا إذا لم نأخذ تراثنا في الحسبان وإذا لم ننتفع بنظرات أسلافنا الثاقبة. ولكن مساهمة التراث في تخصص ما كثيرا ما لا تكون ميسرة للباحث الحديث حتى يصل إليها ويقرأها ويفهمها؛ بل إن الباحث الحديث ليس مؤهلاً حتى للبحث في التراث عن مساهمات الإسلام في تخصصه. والسبب هو أن تصنيفات العلم الحديث لا توجد، ولا حتى أسماؤها، في التراث على هذا النحو. كذلك، فإن التراث قد يحتوي على معلومات قيمة لا يمكن تصنيفها طبقاً لأي تصنيف حديث ولا ربطها به. وإن العالم المسلم الذي تدرب في الغرب كثيراً ما ينهزم أمام استغلاق التراث الأمر الذي يدفعه بقوة إلى الإعراض واليأس والحكم بأن ليس في التراث شيء حول موضوع البحث، مع أن الحقيقة أنه هو الذي لا خبرة له بتصنيفات التراث التي تندرج تحتها مثل تلك المادة الملائمة لموضوعه. وفوق هذا، فإن العالم المسلم الذي تدرب في الغرب لا يمتلك الأوقات ولا الحيوية المطلوبة للقيام باستطلاع ناجح للمؤلفات الضخمة والكثيرة التي تضم تراث العلم الإسلامي.

من ناحية أخرى فإن أساتذة التراث الإسلامي التقليديين – على الرغم من خبرتهم به – لا يمكنهم أن يكتشفوا ولا أن يحددوا جوانب الملاءمة بين هذا التراث والعلوم الحديثة نظراً لجهلهم بتلك العلوم، وعدم درايتهم بموضوعاتها ومسائلها وقضاياها. ومن هنا يتوجب أن نعرفهم بما نحتاج إليه ثم نتركهم ينطلقون إلى التراث في حرية ليستخرجوا منه ما هو مناسب. ولهذا كان ما تنتهي إليه الخطوتان الأولي والثانية يخدم هذه الغاية من خلال تعريف الخبراء بالعلوم الحديثة وإمدادهم على هذا النحو بمعايير التلاؤم التي يستطيعون استخدامها في بحوثهم.

وتتضمن هذه الخطوة إعداد عدة مجلدات من مختارات التراث تضم ما له صلة بالعلوم الحديثة ، على أن تكون مرتبة طبقا لمنهج التصنيف الحديث لكل علم. هذه المختارات ستضع أمام العالم المسلم الحديث طريقا ممهدة إلى التراث في مجال تخصصه، إذ ستقدم له – في منهج موضوعي مألوف لديه – أفضل ما ساهم به التراث في مجموعة القضايا التي تشكل الموضوعات الرئيسية لمجال دراسته. وما دام المتخصص المسلم الحديث لا يمتلك من الوقت ولا الخبرة للوصول بنفسه إلى التراث (بل إنه في معظم الأحوال لا يعرف حتى لغة التراث) فليس من الممكن له، بدون هذه المختارات، أن يصبح على إلف بالتراث، فما بالك بالتمكن منه؟!

 

الخطوة الرابعة: التمكن من التراث: التحليل:

لكي نقرب منجزات التراث الإسلامي من فهم العالم المسلم الذي تربى في الغرب، فمن الضروري ألا نكتفي بأن نقدم له صفحات من التراث على شكل مختارات مادة علمية تتصل بموضوع معين. لقد قام الأسلاف بواجبهم في ربط المشكلات التي واجهتهم بالمنظور الإسلامي والرؤية الإسلامية. وقد فعلوا ذلك تحت تأثير شتى العوامل والقوى التي دفعتهم إلى التيقظ. وعلينا – كي نفهم طريقتهم في بلورة الرؤية الإسلامية – أن محلل كتاباتهم في ضوء الخلفية التاريخية التي ظهرت فيها ، وأن نتبين ونبرز علاقات المشكلات القائمة في عصرهم بالقطاعات الأخرى من الحياة والفكر. هذا التحليل التاريخي لمساهمات التراث سيكشف ولا ريب مناطق عديدة من الرؤية الإسلامية ذاتها. مما يقودنا إلى فهم أفضل لهذه الرؤية نتعلم منه كيف فهمها الأسلاف وكيف حركتهم ، وكيف ترجموها إلى مناهج تطبيقية في الأفعال والسلوك، وكيف أعانتهم على حل ما واجهوه من مشكلات وصعوبات خاصة.

مثل هذه الأنماط من التحليل لمساهمات التراث الإسلامي لا يمكن أن تتم اعتباطاً. بل يجب أن يقام نظام متدرج من الأولويات وأن يدعى العلماء الإسلاميون لتنفيذه بصورة منظمة. فبالإضافة إلى المبادئ الأساسية والمشكلات الكبرى والقضايا المستمرة، فإن المسائل التي يظهر أن لها علاقة بمشكلاتنا الحاضرة ينبغي أن تكون موضوع الاستراتيجية الإسلامية في التعليم والبحث.

 

الخطوة الخامسة: تأسيس مدى الملاءمة بين الإسلام وفروع العلوم الحديثة:

تنتهي الخطوات الأربع السابقة إلى وضع المشكلة في صورتها الكاملة أمام المفكر المسلم، فهي تلخص له كل التطورات التي توصل إليها هذا العلم مما فات المسلمين ففي فترات غفلتهم. وبالمثل، فإنها يجب أن تعرفه، في أوضح وأوثق صورة ممكنة، بمساهمات التراث الإسلامي في المجالات التي تتناولها هذه العلوم وبالأهداف العامة لكل علم. هذه المواد العلمية يجب أن توضع في صورة أكثر تحديداً وذلك بتحويلها إلى مبادئ على نحو تلتقي فيه مع العلم الحديث على مستوى العموميات أو التنظير أو المراجع أو التطبيق. وفي هذا الصدد يجب الربط بين التراث الإسلامي وطبيعة العلم الحديث ومناهجه الأساسية ومبادئه ومشكلاته وأغراضه وآماله وإنجازاته ونواحي النقص فيه؛ كما تستخلص من المساهمة العامة العلاقة الخاصة بين التراث وكل واحدة من تلك النواحي. هنالك ثلاثة أسئلة رئيسية يجب أن تطرح وأن نجد لها جواباً. الأول، ما هي مساهمة الإسلام ابتداء من القرآن الكريم وانتهاء بالتراث الذي توصل إليه المجددون المحدثون في جملة القضايا التي يثيرها هذا العلم؟ والثاني، كيف تتطابق أو تتعارض مساهمات التراث الإسلامي مع ما أنجزه هذا العلم؟ وأين وصل التراث في مستوى رؤية هذا العلم وآفاقه وأين قصر عنها أو تخطاها؟ والثالث، بعد معرفة المجالات والقضايا التي كانت مساهمة التراث الإسلامي فيها قليلة أو معدومة، في أي اتجاه يحسن أن تبذل جهود المسلمين مستقبلاً لكي تسد هذا النقص وتعيد صياغة المشكلة وتوسع مدى الرؤية؟.

 

الخطوة السادسة: التقييم النقدي للعلم الحديث: بيان واقع الفرع العلمي:

بعد استعراض كل من إسهامات العلم الحديث والتراث الإسلامي، والتعرف على مناهجهما ومبادئهما ومشكلاتهما وإنجازاتهما ومسحها وتحليلها، وبعد توضيح العلاقة الخاصة بين الإسلام والعلم وإقامة أسسها، يجب أن نخضع هذا العلم الحديث لتحليل نقدي من وجهة النظر الإسلامية . وهذه خطوة رئيسية من عملية "أسلمة المعرفة". وواضح أن الخطوات الخمس السابقة تقود إليها وتمهد لها. وفي مجال التطور التاريخي للتخصص العلمي يجب أن نميز ونظهر الملابسات التي جعلت هذا العلم يجئ على صورته الحالية هذه. ويجب أن نحلل ونختبر منهجيته – وأعني بها ما يتضمن تحديد مادته الأولية ومسائله الأساسية ، وتصنيفه وتبويبه، ونظريته ومبادئه التي على أساسها يحل مشكلاته – وذلك من أجل الاختصار والكفاية والمعقولية والانسجام مع "الوحدة" فيما يتصل بكل الأبعاد الخمسة التي يقررها الإسلام والتي شرحناها من قبل. كما يجب  تحليل مشكلات هذا العلم الغالبة وقضاياه المستمرة لنعرف ما وراءها من فروض وما لها من أهمية وعلاقة بالرؤية الأساسية له. ومن الواجب أن يكون الغرض النهائي للعلم ذا ارتباط محدد بمنهجيته وبأهدافه القريبة أيضا. فنتساءل : هل حقق التخصص رؤية مؤسسيه؟ وهل أدى دوره في عملية البحث عن المعرفة التي هي مطلب الإنسان؟ وهل حقق ما توقعه الناس منه كجزء من المطلب الإنساني العام؟ وهل حدد من أجل الفهم والتاريخ السنن الإلهية في الخلق التي قصد من ورائه تحديدها؟ وبالإجابة على هذه الأسئلة نصل إلى تقرير واضح وأصيل عن حالة هذا العلم، كما تتضح الجوانب التي تستلزم هذا الضرب أو ذاك من التصحيح الإسلامي أو التعديل أو الإضافة أو الحذف.

 

الخطوة السابعة: التقييم النقدي للتراث الإسلامي: بيان واقع التراث في أحدث صوره:

[المصادر الأصلية]  للتراث الإسلامي هي القرآن الكريم الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى، وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم... وهذان [المصدران الأصليان] ليسا موضوعاً للنقد أو التقويم، فالطبيعة الإلهية للقرآن والطبيعة المعيارية للسنة فوق كل تساؤل. أما فهم المسلمين لهذين المصدرين فليس كذلك. بل إنه يخضع للتعديل والنقد في ضوء المبادئ التي يقدمها هذان المصدران الوحييّان. وينطبق هذا على كل الأشياء الأخرى في التراث والتي قد تكون مستقاة من أي من المصدرين الأصليين عن طريق الجهد العقلي البشري. إن هذا العنصر البشري بحاجة إلى إعادة النظر لأنه لم يعد يقوم بالدور الحيوي المحرك في حياة المسلمين كما فعل من قبل وكما يفترض أن يفعل دائماً. إن ربط فهمنا البشري للوحي بمختلف المشكلات الحاضرة يجب أن يخضع للنقد المستمد من ثلاثة مصادر:

 الأول: الرؤية الإسلامية كما تستخلص بوضوح من مصادر الوحي مباشرة ومن تحقيقها تاريخياً على يد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين رضي الله عنهم.

 الثاني: ما تحتاجه "الأمة" في الوقت الحاضر في كل مكان من العالم.

 الثالث: مجموع المعارف الحديثة التي يمثلها هذا الفرع من العلم.

 فإذا وجدنا أن التراث [الذي توصلنا إليه باجتهادنا] به نقص أو خطأ وجب تصحيحه بالجهود المعاصرة. أما إن وجدنا أنه لا بأس به، فيلزم، من أجل المستقبل، العمل على مزيد من تطويره وبلورته من جديد وبشكل مبدع. ذلك أنه في كل الأحوال فلن يصلح أمر من أمور الأمة الإسلامية اليوم إلا من خلال ربطه بتراث الإسلام. ولإنجاز ذلك الربط على هذا النحو فيجب أن يتم العمل على أساس من الدراية الكاملة بالتراث من حيث نواحي القوة والضعف فيه. وفي كل الأحوال أيضا فإن أي موقف يمر به العالم الإسلامي في الحاضر أوفي المستقبل يجب أن يستصحب   للتراث دائماً ولا يخالفه بأي صورة جذرية.

إن مهمة تقويم ما ساهم به التراث الإسلامي في كل ميدان من ميادين النشاط الإنساني تقع على عاتق الخبراء في هذا النشاط. إنهم ميزان لما يحتاجه المسلمون في هذا الميدان، كما أنهم حذاق العلم الحديث الذي يدرس هذا النشاط. ومن المؤكد أنهم سيكونون في حاجة إلى مساعدة خبراء التراث كي نضمن فهمهم له على  أعلى مستوى من الصواب والكفاءة.

 

الخطوة الثامنة: تحديد أهم مشكلات "الأمة":

تواجه الأمة اليوم، وقد انتبهت من رقادها، مشكلات هائلة على كل الجبهات. إن مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهى مشكلات مستعصية بكل المقاييس – ليست سوى الجوانب اليسيرة الظاهرة من مرضها الكامن في ناحيتي الفكر والأخلاق. وإن المشكلات الكبرى برمتها، و أسبابها ولظاهر المتفاعلة مع سواها من الظواهر والآثار المتصلة بمشكلات الأمة لتتطلب مسحاً علمياً وتحليلاً نقدياً. إن حكمة التخصص العلمي يجب أن توجه لتسهم في حل مشكلات الأمة، أعني أن تمكن المسلمين من أن يفهموا هذه المشكلات فهماً صحيحاً وأن يحددوا بدقة نوع تأثيرها على حياة الأمة وعلى قضية الإسلام في العالم. فليس لمسلم من أهل التخصص أن يتابع تخصصه العلمي لمجرد الترف العلمي لخالص المعتزل في برج عاجي كما لو كان لا علاقة له بواقع الأمة وآمالها وطموحاتها. وعلينا أن نطبق على مجالات تخصصاتنا ذلك الدعاء الذي نسأل الله فيه أن يمنحنا "علماً نافعاً"، وذلك بأن يوجه أنظارنا في قوة إلى مشكلاتنا القائمة. وقبل هذا كله وبعده تأتي مشكلة إصرار التخصصات العلمية والمؤسسات التعليمية على التباعد عن الإسلام في مواجهة جهودنا لإعادة أسلمتها. وفي الوقت نفسه فإن اهتماماتنا يجب أن تكرس للقضايا الرئيسية التي تؤثر على مشكلات الأمة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية والأخلاقية والروحية، وفي كل قطاع من قطاعات الجهد الإنساني.

 

الخطوة التاسعة: تحديد مشكلات الإنسانية:

إن حمل أمانة المسؤولية لما مصلحة الجنس البشري كله وليس مصلحة الأمة الإسلامية وحدها لهو جزء لايتجزأ من الرؤية الإسلامية. إن "أمة" الله سبحانه وتعالى تشمل الكون كله ويجب أن تتطابق مسؤولية الإنسان مع نطاقها كله... حقاً، إن "الأمة الإسلامية" تعتبر من بعض النواحي متخلفة وغير متقدمة إذا قيست بسواها من الأمم. ولكن هذه الأمة لا يسبقها أحد في مجال حيازتها للحقيقة والتعبير الأيديولوجي عنها على الوجه الأمثل الذي يضمن تحقيق الازدهار والرقي الديني والخلقي والمادي في الوقت نفسه. ذلك أن "الأمة" بإسلامها تمتلك وحدها الرؤية التي هي شرط ضروري كي تسعد البشرية كلها ليجيء تاريخها على النحو الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى.

من هنا كان المفكر مطالباً بالتصدي للمشكلات التي تواجه العالم اليوم والبحث عن حلول لها طبقاً للرؤية الإسلامية. إن الأمة بحكم رؤيتها الإسلامية تعتبر اليوم هي المتحدث الحق والوحيد على ظهر الأرض اليوم باسم شعوب البشرية التي ضاعت قضيتها بين الاستعماريين والثوريين وهي تسعى للتخلص من نيرهم. إن التمركز-حول-العنصر يدمر العلاقات التي تربط البشر بعضها ببعضهم في كل مكان في العالم . أما البقية الباقية من الخير فقد تكفل بالقضاء عليها تعاطي الخمور والمخدرات وفوضى العلاقات الجنسية وتدهور أخلاقيات الأسرة والأمية والخمول وحكم العسكر وتكديس الأسلحة والعدوان الظالم على الطبيعة وتهديد التوازن البيئي على الأرض، وكل ذلك وغيره يستمر دون ما رادع فعال من أي مصدر كان. ومن المؤكد أن هذه المشكلات تمثل مجالا آخر من المجالات ينبغي أن يوجه الفكر الإسلامي بل والتخطيط والتنفيذ نحو مواجهتها إذ أن في ذلك سعادة "الأمة" وسعادة البشرية أيضا. وإن حل هذه المشكلات والسير بالبشرية إلى السعادة والازدهار في إطار من العدل والكرامة لهو جزء لا يتجزأ من أهداف الإسلام.

 

الخطوة العاشرة: التحليلات والتركيبات المبدعة:

بعد فهم العلوم الحديثة والتمكن منها ، وفهم التراث الإسلامي وهضمه وتقدير جوانب القوة والضعف فيهما ، وتحديد مايقوله الإسلام في كل ميدان من ميادين البحث المتخصصة في كل العلوم؛ وبعد التشخيص الجيد وفهم المشكلات التي واجهت الأمة من  في مسيرتها التاريخية  في خلافتها عن الله في الأرض، وبعد فهم مشكلات البشرية من وجهة النظر الإسلامية التي تفرض على المسلمين أن كونوا "شهداء على الناس" عبر التاريخ الإنساني... بعد هذا كله يصبح المسرح الآن مهيأ أمام العقل المسلم ليتحرك حركته القوية الخلاقة ، بحيث نمهد طريقاً جديدة أمام الإسلام في هذا القرن الخامس عشر إذا كنا نريد له أن يستأنف قيادته للعالم، وأن يتابع دوره الإصلاحي والحضاري في حياة البشرية.

إن واجبنا عندئذ يتمثل في إيجاد تركيبة مبدعة تجمع بين التراث الإسلامي [وما صح] من العلوم الحديثة ...تركيبة قادرة على ردم فجوة التخلف التي امتدت عبر قرون . ولابد للتراث العلمي الإسلام أن يتواصل عطاؤه  على الدوام في دفع المعارف والعلوم إلى حدود وآفاق أبعد مما تصورته العلوم الحديثة. وتلك التركيبة يجب أن تحافظ على صلتها الوثيقة بواقع الأمة الإسلامية. وذلك بالاشتغال بمشكلاتها التي تم التعرف عليها وتحديدها. إن عليها أن تهيئ الحلول الفعالة لمشكلات العالم كله بالإضافة إلى الاهتمام بالقضايا التي تتولد من خلال الآمال الإسلامية، ولكن علينا أن تتساءل ما هي بالتحديد محتويات تلك الآمال التي يلهمنا الإسلام إياها لخير البشرية في كل قطاع من حياة الإنسان؟ وكيف نضع هذه الآمال موضعها لتتحقق؟.

فإذا عرفنا بالتحديد ما يمليه التراث بالنسبة لموضوع أو مشكلة ما وعرفنا الطبيعة الخاصة للقضية التي تشغلنا، فأي الخيارات ينبغي اعتباره الخيار الصحيح الذي يجب أن يسير المسلم فيه؟ كما أنه ولا شك فإن عدداً كبيراً من الخيارات يكون مطروحاً في كل حالة ، فأيها أقرب إلى المثال الإسلامي وأيها أبعد عنه؟ أيها أكثر أو أقل فعالية؟ أيها يدفع بالحركة الإسلامية نحو الأهداف العليا للإسلام أو يعوقها؟ وأي هذه الخيارات ممكن وأيها ضروري وأيها لا مفر منه وأيها مرغوب فيه ؟ ما هي المعايير التي يمكن أن نؤكد بها أن الإسلام (شريعته وأخلاقه وثقافته وروحه) يلائم تماماً المشكلة التي نعالجها؟ وما هي الطرق التي يمكن أن نقيس بها مدى كفاءة الحلول المقترحة؟ وما هي المبادئ التي في ضوئها يمكن  أن نبرز مساهمة "التركيبة" الإسلامية المبدعة وأن نقيسها ونقومها؛ أو التي يمكن في ضوئها أن ندخل عليها التعديلات والتصحيحات الملائمة وأن نوجهها ونقومها؟.

 

الخطوة الحادية عشرة: إعادة صياغة العلوم في إطار الإسلام الكتب الدراسية الجامعية:

من الطبيعي أن العقول الملتزمة بالإسلام لن تصل كلها إلى نفس الحلول أو تختار نفس الخيارات وهي تحدد مقولات الإسلام فيما يتعلق بقضايا وهموم "الأمة" حاضراً ومستقبلاً. ومثل هذا الاختلاف لن يكون  أمرا غير مرغوب فيه، بل سيكون أمراً مطلوباً بقوة. إننا بحاجة إلى العديد من التحليلات النقدية المتنوعة التي يقوم بها الملتزمون بالإسلام من أهل التخصصات الحديثة، وذلك لكي نثري وعي " الأمة" بأمانيها وأهدافها. فالحق أن أمتنا لا يمكن أن نقول إنها قد استعادت فاعليتها وحيويتها التي كانت لها في القرون الهجرية الأولي ما لم يصبح الإسلام نفسه بالنسبة للمسلمين مرجلا دائم التدفق بالجديد من الأفكار التي تجسد سنن الله في الخلق ونبعاً يفيض بالخيارات الأخلاقية الخلاقة التي تتجسد بها القيم والأوامر الإلهية وتصبح تاريخاً واقعاً.

إن الكتاب الجامعي أو المدرسي المنشود في أي تخصص علمي  يمكن إعداده بفضل الخصب الذي تتميز به مثل هذه النظرات الثاقبة والمتبصرة في مفاهيم الإسلام، والخيارات المبدعة لتحقيق تلك المفاهيم. إننا بحاجة إلى الاستكثار من المقالات والبحوث التي تمثل اختراقات فردية متعمقة في أي موضوع أو فرع أو مشكلة كي تكون بمثابة "رؤية خلفية" أو "ميدان مواءمة" يمكن تنبع منها الرؤية الإسلامية في أي تخصص أو فرع علمي.

إن أسلمة علم ما لا تتم بتأليف كتاب واحد فيه، حتى ولو تحققت فيه كافة المواصفات المطلوبة. لابد من وجود عشرات الكتب الدراسية من أجل تنمية المقدرة الذهنية للعقول المسلمة. أضف إلى هذا، أننا بحاجة ماسة إلى العديد من الكتب التي تغطي الحاجات التربوية للمستويات الجامعية المختلفة (بدءاً من طلاب مرحلة البكالوريوس إلى طلاب الدراسات العليا)، كما أن ثمة حاجة إلى مزيد من الكتب التي تشبع حاجات المسلمين وهي غير محدودة، ولك التي تبرز وتبلور التصور الإسلامي وهي غير محدودة كذلك. لكن نظام الأولويات يفرض علينا أن نعبئ جهودنا في البداية لإعداد كتب دراسية نمطية لكل من التخصصات العلمية بحيث تبرز فيها بشكل حاسم علاقة التصور الإسلامي بهذا التخصص، وتصبح بمثابة الدليل الذي تسير على نهجه العقول الإسلامية في المستقبل. ولست في حاجة إلى القول بأن أية محاولة لتعجيل إنتاج الكتاب الدراسي الجامعي على حساب الالتزام بالخطوات المشار إليها سابقاً لا يمكن أن تنتج إلا شيئاً هزيلاً.

لقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عملنا عملاً أن نتقنه. والحق أن الكتاب الدراسي الجامعي هو الهدف النهائي لكل الإجراءات الطويلة التي تؤدي إلى عملية "أسلمة" العلوم. إنه العمل الذي يتوج البحوث الطويلة في الخطوات السابقة.

 

الخطوة الثانية عشرة: نشر المعرفة "المؤسلمة":

لو تم إنتاج كل هذه الأعمال بأيدي الأساتذة المسلمين ثم بقيت مخزونة في حدود ملكيتهم الخاصة لكان ذلك عبثاً مهما كانت قيمة الأعمال عظيمة في ذاته. كما أنه سيكون أمراً مؤسفاً للغاية لو بقيت تلك الذخائر محصورة في نطاق دائرة محدودة من أصدقاء المؤلفين ومعارفهم، أو اقتصر الانتفاع بها على المؤسسات التربوية في دولهم أو الدول المجاورة وحدها.. إن كل عمل يتم لوجه الله تعالى يصبح ملكاً للأمة الإسلامية كلها، ولن يبارك الله فيه ويتقبله ما لم ييسر طريق الانتفاع به لأكبر عدد من خلق الله. مع أن من حق المسلم، بل من الواجب، أن يكافأ مادياً على جهوده الفكرية، إلا أن الأعمال الفكرية في الإسلام ينبغي أن تنتشر وألا يحتكرها صاحبها سعياً وراء الربح المادي. إن القيام بالعمل لوجه الله تعالى يفرض على صاحبه أن يجعله متاحاً لكل من يرغب في أن يفيد منه وينقل ما فيه من علم بأي وسيلة كانت.

وأمر آخر؛ إن مثل هذا العمل الفكري الذي يأتي نتيجة للخطوات المذكورة سابقاً إنما قصد به أن يحقق اليقظة والتنوير والثراء الفكري لا للمسلمين في العالم وحدهم، بل للناس كافة. هؤلاء إذن هم القراء أو قل هم "المستهلكون" لهذه السلعة. إن العمل الذي يحمل صفة "إسلامي" والذي أنجز لوجه الله تعالى ويحمل في طياته رؤية الإسلام نفسه له غاية أسمى من مجرد نقل المعلومات. إن وعي الإنسانية كلها يمكن، أمام انبلاج التصور الإسلامي الحق، أن يفقد توازنه القديم ويموج بالحركة مولداً من الطاقات الجديدة ما لم تعرفه البشرية من قبل. فتحت تأثير هذا التصور  يتوقع لهذا الموضوع العلمي أن يصبح وسيلة للإرادة الإلهية وأداة دفع إلى الأمام وأن ينجز باسم الله ما لم يحلم بإنجازه من قبل.

ومن هنا كان من أهداف خطة العمل أن نضع كل عمل ينجز وفقا للخطوات السابقة تحت تصرف كل باحث جامعي مسلم دون مقابل مادي. إن كل مقالة أو بحث أو نشرة أو كتاب المنتخبات  يقدم إلى مثل هذا الباحث فإنما هو بمثابة دعوة شخصية تدعوه إلى الانضمام إلى هذا العمل وإلى أن يصبح "منتجا" لأعمال أفضل نتيجة لتمكنه من المؤلفات المتاحة. وبالمثل، فإن وضع تلك المؤلفات بين أيدي المفكرين المسلمين لهو أعظم مكافأة يمكن الحصول عليها في هذه الدنيا. إن هذا لا يعني استبعاد المكافأة المادية للمؤلف، وإنما نعني أن العالم الملتزم بالتصور الإسلامي، والذي ابتغى بعمله وجه الله تعالى، لا يرى أن ثمة مكافأة أعظم من أن يتمكن من غرس هذا التصور في عقل إنسان آخر وقلبه، ولا يرى واجباً أكبر من أن يربي على هذا التصور وعي المسلمين في العالم.

أمر ثالث، إن إنتاج هذه الخطة يجب أن يتم إهداؤه رسمياً إلى جامعات العالم الإسلامي ومعاهده مع حثها أن تنظر في إمكانية تبنيها كقراءات تتطلبها المقررات المناسبة في منهج الدراسة. ومن الطبيعي أن تترجم، ولابد، إلى لغة التدريس في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com