untitled
viviti

تطبيق منهجية التأصيل الإسلامي في دراسة قضية "الطبيعة البشرية"

 

       لا يخفى علينا أن الحديث عن أي "تطبيقات" محددة "لمنهجية" التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية في دراسة أي موضوع بعينه من الموضوعات التي تندرج في إطار تلك العلوم في هذه المرحلة يعتبر أمرا سابقا لأوانه إلى حد ما، ذلك أن أخص ما يتميز به "المنهج" إنما يتمثل في الاتساق والتتابع والانتظام ... الأمر الذي يستحيل معه القفز فوق أي مرحلة من المراحل إلى ما يليها دون مبررات علمية أو منطقية كافية ... لكن مراجعة الصورة الكلية لتقدّم المشروع من الناحية "العملية" قد توجد أحيانا ظروفا واقعية تبرر شيئا من التغاضي عن بعض متطلبات حركة الفكر المنهجية استجابة لمتطلبات حركة المشاركين بالفكر من الناحية البشرية.... فنحن نواجه اليوم موقفا قد أصبح فيه الكثيرون من المشاركين في مشروع التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية  يتساءلون وماذا بعد؟ لقد انتهينا إلى الاقتناع التام بالمبررات  العلمية التي يقوم عليها هذا التوجه الكريم، كما تبين لنا بوضوح أن جوهر هذا المفهوم إنما يكمن في التكامل بين معطيات الوحي ومنجزات الخبرة الإنسانية، ثم إننا ندرك أن هناك تصورات مطروحة بالفعل تقدم خطوطا عريضة لمنهجية  يمكن أن يتحقق بها هذا التكامل بين هذين النوعين من العلوم، ولكن هذه الإنجازات جميعا تبدو للكثيرين معلقة في فضاء التنظير مالم يتم تطبيق هذه المنهجية بشكل محدد ملموس، تتبين معه معالم هذه العملية المستمرة التي نأمل أن تنتهي بنا إلى تجاوز الفصل التعسفي الذي لازال قائما بين ما يسمى بالعلوم الشرعية و العلوم  الاجتماعية  والذي لم يعد له ما يبرره.

        والواقع أن من يطالبون بنتائج تطبيقية ملموسة للمنهجية التي تجسد الأطر التصورية العامة للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية قد يكون لهم بعض العذر ، ذلك أنهم يرون أنه لم يحدث تقدم كبير على صعيد الانتقال إلى مرحلة البحوث التطبيقية المنظمة ، التي يمكن أن تكون يدورها بمثابة النواة التي يكون لها من إمكانات التراكم حولها ما يسمح لكل باحث أن يبدأ من حيث انتهى إخوانه على الوجه المألوف في مسيرة العلم .

       والمشاركون في جهود التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية يدركون أنها في جوهرها عملية بحثية طويلة الأمد، تحتاج وقتا كافيا لظهور ثمارها، ولكنهم يشعرون أيضا أن هذا أمر يمكن فهمه ولكن بشرط واحد : أن يستشعر المشاركون في المشروع أن هناك بالفعل تقدما يذكر (مهما كان بطيئا) وبشكل مضطرد وفي طريق راشد يمكن أن يجتمع حوله الباحثون عن الحق.

        ومن هنا فإن الهدف من هذه الورقة -في ضوء ما تقدم- ليس إلا مجرد استجابة لتلك الحاجة المحددة، وذلك بتقديم  بيان عملي ملموس نحاول فيه تطبيق الإجراءات المنهجـية للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية (في أحد أوجهها فقط: أقصد مرحلة التنظير المبدئي المتكامل، وليس مرحلة البحوث لاختبار التنظير) في دراسة أحد الموضوعات الذي نظن أنه يمكن أن يمثل قاعدة أساسية يشترك في الاهتمام بها كل المتخصصين في العلوم الاجتماعية والسلوكية ألا وهي قضية "الطبيعة البشرية" التي تعتبر أحد مكونات "البنية الأساسية" للبحوث والتنظير في هذه العلوم،  وحتى بالنسبة لهذا الهدف المحدود فإنه من الضروري أن نشير إلى أنه لم يكن بالإمكان استيفاء متطلبات كل جانب من الجوانب المنهجية على الوجه المرغوب، فاقتصرت المحاولة هنا على ما يشبه اللمحات التي تشير إلى ما يمكن أن يقوم به أي باحث في كل خطوة من الخطوات، أكثر من أن يكون استقصاء للموضوع ذاته بأي حال من الأحوال.

 

العلوم الاجتماعية والسلوكية  "الحديثة" و تصوُّرها لماهية الإنسان

    لو أننا قمنا بتحليل الافتراضات الأساسية التي  تقوم عليها نظريات علم النفس الحديث فيما يتصل بالطبيعة البشرية لوجدنا مع كارل روجرز أن "لكل تيار في  علم النفس فلسفته الضمنية الخاصة به عن الإنسان ، وهذه الفلسفات وإن كانت في  الأغلب لا تُطرح بصراحة (فإنها ) تمارس نفوذها بأساليب خفية .. فالإنسان عند السلوكي مجرد آلة ، آلة معقدة ولكنها مع ذلك قابلة للفهم (كآلة ) ، وفي  وسعنا أن نتعلم كيف نؤثر فيه .. ليفكر .. ويتحرك ... ويتصرف بالطرائق التي  نختارها له ، والإنسان عند الفرويديين كائن غير عقلاني ، رهين ماضيه بلا فكاك ، وحصيلة لذلك الماضي ، أي (حصيلة) عقله اللاواعي .." ، ويضيف أجروس وستانسيو إلى هذا النقل عن روجرز قولهم بأن نظريات علم النفس تنظر للإنسان على أنه "مجرد كائن مادي" .. ،  حيث ترى السلوكية مثلا أن "جسم الإنسان هو الحقيقة الإنسانية الوحيدة" ، أما فرويد فإنه "يبدأ دراسته مفترضا أنه " لا وجود إلا للمادة " (79-84 ، 120).

     وبطبيعة الحال فإن الفرويديين والسلوكيين هم في الأساس داروينيون متزمتون في نظرتهم للإنسان والطبيعة البشرية ، يقول فرانك جوبل "... لقد كان فرويد شديد التأثر بداروين ، وكانت نقطة الانطلاق الأساسية عنده أن البشر إنما هم نتاج لصدفة تطورية عارضة ... فالإنسان عنده هو مجرد حيوان وليس إلا حيوانا ..."  ، ثم ينقل عن فرويد نصا يفيد بأن الإنسان قد تولّد كغيره من الحيوانات نتيجة لتأثير قوى طبيعية في المادة غير العضوية ،  إلا أن الإنسان يأبى إلا أن يباعد بين نفسه وبين رفاقه من الحيوانات بأن يعزو لنفسه "...روحا خالدة" وأن يدعي بأن له "خالقا مقدسا" إلى أن جاء داروين لكي يضع حدا لهذه المفتريات التي ابتدعها البشر ... ويؤكد فرويد أن "...الإنسان ليس كائنا مختلفا عن الحيوانات ولا هو أرفع منها مقاما..." (Goble, 2004 : 12-13)  ، ويشير جوبل إلى أن السلوكيين -رغم اختلافاتهم النظرية الأخرى مع الفرويديين- إلا أنهم لم يكونوا أيضا يرون في الإنسان إلا أنه مجرد حيوان آخر، لا يختلف عن غيره من الحيوانات بأي وجه أساسي، ويضيف مستشهدا بمقولة واطسون - أحد رواد السلوكية "لقد كنا نعتقد في الماضي –كما نعتقد الآن- أن الإنسان حيوان مثل بقية الحيوانات لا يختلف عنها إلا في أنواع السلوك التي تظهر عليه..." ثم يستشهد بمقولة سكينر – أحد كبار قيادات السلوكية المعاصرين "...إن الفروق الوحيدة التي أتوقع أن أراها تتكشف بين الفئران و البشر (إضافة إلى الاختلافات الكبيرة في درجة التعقيد) إنما  تكمن في مجال السلوك اللغوي" (p. 18).

     ومن الطبيعي أن من يسلمون بمثل هذه الافتراضات المختزلة حول الطبيعة الإنسانية، والتي  لا ترى في  الإنسانية أكثر من مجرد آلة أو حيوان مدفوع بدوافع مادية ( ولم يطلعونا -بالمناسبة- هل لديهم بذلك من سلطان أو أثارة من علم !) لابد واصلون إلى تفسيرات للسلوك الإنساني تختلف عن تلك التي يسلم بها حتى غيرهم من أصحاب النظريات المعارضة لهم والأحدث نسبيا كأصحاب الاتجاه الإنساني Humanistic Approach (القوة الثالثة في علم النفس)، الذين يرفضون الافتراضات الأساسية للسلوكيين والفرويديين التي لم يقم عليها أي دليل علمي محقق بأن الإنسان مجرد آلة مادية أو أنه حيوان تسيره غرائزه، والذين يطالبون "بأنسنة" علم النفس بحيث يتم الاعتراف إلى جانب تلك العناصر المادية في الإنسان بأولوية تأثير الجوانب العقلية والروحية فيه ، وأخيرا فإن (القوة الرابعة) في علم النفس والمتمثلة في اتجاه تجاوز-الذاتTranspersonal Psychology  فإنها وإن بدأت في السنوات الأخيرة تعالج الموقف بصورة أكثر عمقا وأصالة بتركيزها الواضح على الدور المحوري للعوامل "الروحية" مما يقترب أكثر وأكثر من الفهم الصحيح للنفس الإنسانية إلا أنها تتناول هذا المفهوم بطريقة شديدة العمومية. ويلاحظ أن الكثيرين من أصحاب هذه التوجهات الأحدث يستخدمون هذا الاصطلاح الأخير -أقصد الجوانب الروحية- أحيانا بمعنى الجوانب الأخلاقية والجمالية كسمات منبثقة "تطوريا" عن الجوانب الفيزيقية و البيولوجية، ولا يزالون هم أيضا متحرجين -لأسباب لا تخفى- من الاعتراف بأن للروح وجودا حقيقيا واقعيا كاملا وإن كان يختلف عن الوجود المادي للبدن بأنه غير مقيد بقيود الزمان والمكان، كما يتحرجون من الاعتراف بأن الروح هي مستقر "معرفة" الله عز وجل، وبأنها هي وعاء الصلة به (راجع : رجب، 2000 لمزيد من التفصيل).

  

        ومن الواضح أن التصور الإسلامي للطبيعة البشرية يستند إلى افتراضات تختلف اختلافا جوهريا عن الافتراضات السابقة جميعا ، وإن استوعبت جوانب الحق فيها كما سنرى ، وبديهي أن هذا التصور لابد أن يقودنا بالضرورة إلى تفسيرات للسلوك تختلف اختلافا جوهريا عن التفسيرات التي  تقودنا إليها التصورات الوضعية المختزلة التي  أشرنا إليها فيما سبق ، ورغم أن محاولة توصيف التصور الإسلامي للطبيعة البشرية تفصيلا تستحق عملا قائما بذاته ، إلا أننا سنشير فيما يلي فقط إلى بعض عناصر هذا التصور لغرض المقارنة بالمسلمات والافتراضات التي  وجدناها عند رجال علم النفس الحديث .

 

التصور الإسلامي لماهية الإنسان

    إذا بدأنا بتعريف الإنسان في  كتابات الإسلاميين لوجدنا أن الراغب الأصفهاني مثلا يميز في  هذا الصدد بين مفهومين للإنسان : مفهوم عام، ومفهوم خاص ، فالإنسان بالمعنى العام هو "كل منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم"،  وأما بالمعنى الخاص فالإنسان هو "كل من عرف الحق فاعتقده ، و[عرف] الخير فعمله بحسب وسعه"، والناس يتفاضلون بهذا المعنى، وبحسب تحصيل هذا المعنى  تُستحق الإنسانية ، التي  تعنى فعل ماهو مختص بالإنسان ، فتحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي  لأجلها خلق (الدباغ  ،1994)، و ينبغي أن نلاحظ هنا أن الفروق بين المفهومين شاسعة حقا، وأن لها آثاره العميقة على سلوك الإنسان وحياة المجتمعات.

     ولعلنا لا نكون قد ابتعدنا عن الحقيقة كثيرا إذا قلنا أن التصور الإسلامي للطبيعة البشرية على هذا الأساس يقوم على الافتراضات الأساسية التالية - أو على ما هو قريب منها :

 (1) الإنسان في التصور الإسلامي "كائن فريد" خلقه الله سبحانه وتعالي -مبدع هذا الكون وصاحب التصرف المطلق فيه- وفضَّله على كثير من خلقه تفضيلا ، وقد اقتضت مشيئته تعالي خلق الإنسان لغاية أو لوظيفة رئيسة تتمثل في  "عبادة الله " المتضمنة لمعرفته وتعظيمه وطاعة أمره ، والقيام بما شرع لعمارة الأرض التي  استخلفه فيها.

(2) الإنسان مخلوق من عنصرين "جسد" من طين ، و "روح" نورانية من أمر الله ، تحل في  الجسد فتحييه ، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون ٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ  (الحجر28- 29) ، وأيضا  (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالإبْصَارَ والأفئدة قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (السجدة 7-9) ،  وينتج عن اندماج الروح والبدن "نفس" تدبر هذا المخلوق وتعطيه وحدته وتكامله .

(3) يترتب على الطبيعة المادية الطينية للجسد وجود ميل طبيعي في  النفس للإفراط وتجاوز الحدود ، وذلك لغرض محدد يستهدفه الإنسان  يتمثل في المحافظة على بقائه واستمرار وجوده حيا ، مما ينتج في  النفس الإنسانية صفات تجاوزية " كنفاذ الصبر والاستعجال" لما ليس عندها، " والشح والبخل" بما عندها ، "والبطر والفرح والعُجب" بما تراها تميزت به عن الآخرين ، " والجزع واليأس والهلع " عندما تفقده ،  "والمراء و اللدد في  الخصومة" إن تنازعته مع الغير وهكذا.

(4) إذا تُرك لتلك الصفات التجاوزية الفرصة لأن تعبر عن نفسها تعبيرا حرا غير مقيد فإنها تصبح غير وظيفية dysfunctional  ، بمعنى أن تَبَنِّي تلك الصفات على نطاق واسع وبشكل مضطرد يتعارض مع متطلبات بقاء الإنسان في  حياة اجتماعية تعاونية منظمة، مع أن استمرار تلك الحياة الاجتماعية لازم لإشباع حاجاته المتعددة ، لأنه لم يخلق قادرا على إشباعها منفردا أبدا.

(5) هنا يأتي دور الطبيعة "الروحية" للإنسان ، والتي  تمثل عنصر ارتباط الإنسان بربه وخالقه ، والتي  تقوم بمعادلة أو موازنة offset تلك الاتجاهات التجاوزية ، بما يعطى الإنسان قيمته الحقيقية كإنسان ، ويتجلى هذا الدور من خلال ما يلي:

1- يتصف الله -خالق الإنسان والكون- بكل صفات الجلال والكمال ، فهو سبحانه القوى القادر العليم الحكيم المنتقم الجبار ، الرءوف الرحيم الغفور الودود .

2- عرَّف الله سبحانه وتعالي خلقه به وهم في  عالم سابق على وجودهم في هذه الدنيا ، فأشهدهم على ربوبيته ووحدانيته وهم في  عالم الذر ، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) ( الأعراف : 172) كيلا يحتج أحد بعد ذلك بأنه كان عن هذا من الغافلين ، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (…جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ…) وفي رواية أخرى لأحمد أيضا (…أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلا قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا…) (انفرد به الإمام أحمد) .

3- ثم إنه سبحانه - إيقاظا وتدعيما لما أودعه كامنا في  هذه الفطرة - قد أرسل الرسل مذكرين ومبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ... فمن حافظ على صفاء فطرته ونقاء سريرته فإنه يسارع عند سماع الرسل بالتصديق والانضمام إلى أهل الإيمان ، وأما من التَوَتْ فطرته فإنه يلتصق بالأرض وينضم إلى أهل التكذيب والضلال ، وهذا هو جوهر "الاختبار الإنساني" في  هذه الحياة ، وهو أيضا المحك الذي في  ضوئه تتحدد "نوعية حياة" الإنسان .

4- فأما من آمن برسالات ربه ، ثم اهتدى بإرشاد الرسل ، فوعى رسالته ووظيفته في  هذه الحياة ، وعرف حق ربه ، فوقف عند أمره ونهيه ، فإن ثمرة ذلك تتمثل في  ضبط تلك الصفات التجاوزية البدنية وكبح جماحها في حياته الدنيا بين الناس (إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) (المعارج : 19: 27) ، وذلك إضافة إلى النجاة من عذاب الله وتحقيق الفلاح في  الآخرة (فَأَمَّا مَنْ طَغَى ، وَءَاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات : 37 - 41) .

(6) ثم إن الله جل وعلا راد الناس إلى معاد ، ومحاسبهم على ما استخلفهم فيه فمجازيهم  على أعمالهم  في  حياة أخرى هي في  التصور الإسلامي "الحياة" الحقيقية ، أما الدنيا بكل ما فيها فإنها دار ابتلاء واختبار في  مدى ودرجة الالتزام بواجبات العبودية الحقة لله ، "فالإنسان الذي يقوم بالعبادة - التي  من أجلها خلق - حق القيام فقد استكمل الإنسانية ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا ودون الحيوان ، كما وصف الله الكفار ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) (الفرقان : 44)".

 (7) من هذا يتبين أنه لا يمكن بأي حال فهم "الإنسان" أو تفسير سلوكه في حياته الفردية أو الاجتماعية إلا في  ضوء ذلك البعد الروحي المتصل "بوعي" الإنسان بوجود ربه ومليكه ، و "معرفته" بصفات الخالق وأسمائه وكمالاته ، وما يترتب على ذلك من نوع "صلته" وصفة ارتباطه بالله عز وجل ، ودرجة استعداده لملاقاته في " اليوم الآخر" يوم البعث والجزاء . فهذا البعد الروحي هو الذي يعطى حياة الإنسان معناها الحقيقي ،  وهو ما يميز التصور الإسلامي بوضوح ويباعد بينه وبين غيره من التصورات البشرية المادية التي  تقف عند حدود الحياة الدنيا، ( ذلك مبلغهم من العلم)(النجم: 30). فالتصور الإسلامي إذن يؤكد فكرة المحافظة على نقاء الفطرة وسلامتها ، على أساس أنها هي التي تحفظ على الإنسان سلامة قلبه ، وعلينا أن ننتبه هنا إلى أن نوع الحياة المنطلقة من مثل ذلك " القلب السليم" تختلف اختلافا يكاد يكون كليا عن نوع الحياة التي  طُمس فيها على القلب ، فالإنسان الذي صفا قلبه واستقامت فطرته يكون توكله على الله -لا على نفسه أو الآخرين، ويكون ُأنسه بالله ووحشته من الناس ، فيعيش حياة مختلفة وجوديا عن غيره من مرضى القلوب، فحياته الداخلية مطمئنة هادئة ... لا تفجعه الفواجع ... ولا تطغيه النعم ... وإنما هو يعيش بين الصبر والشكر على مستوى يستحيل أن يتوفر لغيره ممن كبرت الدنيا في عينه، وأصبحت أكبر همه... ممن يصاب بالجزع والنكد إذا فقد من دنياه شيئا ولو قليلا ، ولا يأبه بضياع أخراه  بكليتها، أنسه بالناس وبما في يده من أعراض زائلة ... ووحشته من الله ومن كل ما يذكره به.

(8)  يحتل مفهوم "مجاهدة النفس" مكانا محوريا في  الحياة الداخلية للإنسان المسلم ، فالنفس (المتمثلة في  تيار الوعي الإنساني) تتنازعها قوتان : الدوافع المادية البدنية الأرضية التي  تلح على الإشباع المباشر ، وتنـزع إلى الظلم والتجاوز في ذلك ، والنوازع الروحية التي  تتوق إلى القرب من خالقها وإرضاء بارئها الذي تستشعر حبه وتشفق من غضبه وعقابه ، والتي  ترتفع بالإنسان إلى آفاق تضمحل معها قيمة إشباع الحاجات الدنيا إلى حد كبير ... آفاق تصل إلى حد استعذاب الاستشهاد في  سبيل الله (رغم أنه يعنى زوال النفس الواعية المكونة من البدن والروح كما يعنى فناء البدن)، على أساس أن هذا يعني صعود الروح الباقية إلى حياة الخلود في  النعيم والرضوان من رب العالمين.

 (9) بالقدْر الذي تسود به الفطرة السليمة العارفة بربها والمتصلة به يكون التوافق بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين خلق الله، بل بينه وبين الوجود كله ، وبينه وبين ربه ، ويتنـزل الدعم والتأييد على الإنسان من "ملائكة" الرحمن (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي  كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي  الآخرة) (فصلت: 30-31).

(10) وبالقدر الذي تسود فيه دفعات الغرائز الدنيا وتكبت فيه الفطرة السليمة يكون اضطراب الإنسان داخليا، ويكون شعوره بعدم التوافق مع الخلق، وبالتنافر مع هذا الوجود، وتتنـزل عليه "الشياطين" بالتحريض والتزيين، لضمان استمرار الإنسان في هذا الطريق المهلك (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) (مريم:83) أي تهزهم وتستفزهم باطنيا (الطيب بن عاشور ،1984).

 

      فإذا قارنا بين المسلمات التي  تقوم عليها العلوم الاجتماعية والسلوكية المعاصرة وبين تلك المسلمات المنطلقة من هذا التصور الإسلامي لوجدناه كالفرق بين الثرى والثريا، فتلك العلوم "الحديثة" تقدم لنا صورة جزئية منقطعة عن سياقها لكائن مادي معزول، كأنه وجد من فراغ وكأنه يعيش في  فراغ، لا صلة له بالكون الذي هو جزء منه ، ولا بموجد الكون الذي خلقه وصوره ، مع تجاهل كامل لما كان قبل وجود الإنسان في  هذه الدنيا (كالإشهاد على الوحدانية في  عالم الذَّر ) ولا لما يكون بعد انقضاء هذا الوجود (كالبعث والجزاء) ، ويترتب على هذا كله إهمال الجوانب الروحية المتصلة بمعرفة الله سبحانه وتعالي ، وإهمال العمل وفقا لمتطلبات تلك المعرفة، مع أن هذا الجانب بالذات قد يكون هو البُعد الحاكم على كل ألوان سلوك الإنسان والموجه لها ... غير أننا من جهة أخرى نجد أن التصور الإسلامي مبني على رؤية شاملة ومتوازنة، لا تغفل ما عكفت تلك العلوم الحديثة بل اقتصرت على دراسته من الأبعاد المادية البدنية الطينيبة في الإنسان، ولكن  تلك الرؤية الشاملة المتوازنة لا تتوقف عندها ، فهي في الإسلام جزء لا يتجزأ من الحقيقة الواقعية ولكنها ليست الجزء الوحيد ولا الأهم.

 

     وإن أي نظرية تستبعد من افتراضاتها الأساسية حول طبيعة الإنسان جوانبه الروحية بدءا من الإشهاد على الوحدانية المغروس في الفطرة، إلى الإيمان بالله واليوم الآخر المتضمَّن في رسالات الرسل ، إلى الآثار المترتبة على تقوى الله العظيم أو على عصيانه ... لا يمكن إلا أن توصلنا إلى نتائج خاطئة تماما أو مبتورة على الأقل فيما يتصل بتفسير السلوك الإنساني والتنبؤ به، ومن هنا فإن من أول واجبات المهتمين بالإسهام في جهود التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية استجلاء هذا البعد الهام المتصل بالطبيعة البشرية في مختلف جوانبه باعتباره الأساس الذي تبنى عليه بقية الأبعاد المتصلة بالسلوك الفردي و الاجتماعي للإنسان، مع احتواء و استيعاب تأثير تلك العوامل المادية التي أسرفت العلوم الحديثة في  تقدير أهميتها، ووضعها موضعها الصحيح، في  تكامل واتساق مع حقائق هذا الوجود المشاهدة التي  لا يمكن إنكارها.

 

    ونؤكد هنا مرة أخرى أن التصور المطروح إنما يتمثل في تقديم "إطار تصوري مبدئي" يجمع بين ما صح من ثمار الخبرة الإنسانية مع ما أمكن استخلاصه -كقطرة من بحر- بصائر الكتاب والسنة وإسهامات علماء المسلمين، في حدود ما سمحت به ظروف الوقت المتاح، وهو جهد ينتظر الاختبار في أرض الواقع بمعناه الشامل، لكي يمكن التحقق من صحة ذلك الإطار التصوري المبدئي، ولكي يمكن من جهة أخرى تطويره وبلورة التفصيلات المترتبة عليه أو تعديله وفقا لشهادة الواقع.

 

المراجع المشار إليها

 

ابن عاشور ، الطاهر (1984) تفسير التحرير والتنوير (تونس : الدار التونسية للنشر).

 

أغروس، روبرت ، جورج ستانسيو ( ت 1989، 1984) العلم في منظوره الجديد، ترجمة كمال خلايلي (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت).

 

الدباغ، عفاف إبراهيم (1994) المنظور الإسلامي لممارسة الخدمة الاجتماعية (الرياض: مكتبة المؤيد).

 

رجب، إبراهيم عبد الرحمن (2000) اتجاهات حديثة في الخدمة الاجتماعية الأمريكية (القاهرة : الثقافة المصرية للطباعة والنشر).

 

Goble, Frank G. (2004) The Third Force : The Psychology of Abraham Maslow (Jefferson Center for Character Education)

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com