|
|
|
|
الندوة العالمية للشباب الإسلامي

لجنة
التأصيل الإسلامي للعلوم
سلسلة
الندوات و المحاضرات
( 1 )
التأصيل الإسلامي للعلوم :
المفهوم و المنهج
أ.د. إبراهيم بن عبد الرحمن رجب
الأستاذ بقسم الدراسات
الاجتماعية
بكلية الآداب بجامعة الملك
سعود بالرياض
أ.د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي
أستاذ الثقافة الإسلامية
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
نــدوة التأصيل الإسلامي
للعلوم : المفهوم والمنهج
تقديم من مدير الندوة ورئيس لجنة التأصيل الإسلامي للعلوم أ. د. راشد بن حمد الكثيري
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ... أما بعد
فباسم
الندوة العالمية للشباب الإسلامي ولجنة التأصيل الإسلامي للعلوم المنبثقة من
الندوة يطيب لي أن أرحب بكم في هذه الأمسية المباركة وفي باكورة نشاط لجنة التأصيل
الإسلامي للعلوم ، واستشعاراً من أهمية قضية تأصيل العلوم فقد حرصت الندوة
العالمية للشباب الإسلامي على أن تشكل لجنة للاهتمام بهذا الموضوع ، وقد بدأت هذه
اللجنة منذ فترة قصيرة ، ورسمت لها عدداً من الأنشطة ، ومن هذه الأنشطة عقد لقاءات
ثقافية دورية ، تبدأ في هذه الأمسية بقضية "التأصيل الإسلامي للعلوم :المفهوم
والمنهج" .
وسيتحدث في هذا الموضوع كل من الأستاذ /
الدكتور إبراهيم بن عبد الرحمن رجب والأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي ،
وكلاهما من الذين لهم باع طويل في هذا المجال،
ولهم اهتمامات كبيرة بهذه القضية المهمة ، سنعطي كل واحد منهما يتحدث نصف
ساعة للحديث ثم نتيح الفرصة للحوار والمناقشة ، ونحن نؤمن بأهمية الحوار وأهمية
التعقيبات والتعليقات لأنها هي التي ستثري الموضوع ، خاصة وأننا لازلنا في بداية
الطريق ، وكما قلنا القضية هي المفهوم والمنهج ، ومن المهم أن نسمع الآراء
المتباينة لكي نجمع أو نحاول أن نستخلص مفهوماً ومنهجا واضحاً لعمل اللجنـة إن شاء
الله.
الأستاذ
الدكتور إبراهيم عبد الرحمن رجب أستاذ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود ، و هو حاصل
على الدكتوراه في الخدمة الاجتماعية بجامعة كيس وسترن رزيرف بكليفلاند ، أوهايو ،
وهو أستاذ ورئيس قسم الخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في
الرياض سابقاً ، والآن يعمل في جامعة الملك
سعود ، و قد عمل في مؤسسات كثيرة وجامعات
عدة في العالم الإسلامي ، وله مجموعة من الدراسات والبحوث والأعمال المتميزة .
الأستاذ
/ عبد الرحمن بن زيد الزنيدي أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية ... والأستاذ الدكتور عبد الرحمن علم من الأعلام ، وهو من
المفكرين السعوديين الذين لهم رأى واضح وعبارة سلسلة وإنجازات جيدة ، والحقيقة أنه
قد بخل علىّ بأن يترك لي أن أعرّفه بما اعرفه عنه ، لكنى أقدمه ببعض ما أعرف عنه ،
فهو كما قلت من الكفاءات السعودية المتميزة في هذا المجال ، ولعل رسالة الدكتوراه
التي أنجزها توحي بجهده في هذا المجال ، وأنا لا أريد أن آخذ من الوقت أكثر مما
يجب ولذا اترك المجال للأستاذ إبراهيم عبد الرحمن رجب ليلقى بعض ما لديه من أفكار
يتلوه بعد ذلك الأستاذ الدكتور عبد الرحمن ثم نتيح الفرصة للمناقشة .
شكرا لحضوركم ونرجو أن نستمتع بما نسمع من الإخوين ونسأل الله أن يوفقهم لما
فيه الخير والصواب . والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته .
كلمات المتحدثين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله
رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما
بعد ...
هذه ليلة أراها ليلة غير عادية حقيقة ... لأنها إن شاء الله تعد شرارة
الانطلاق في عمل لجنة التأصيل الإسلامي للعلوم بالندوة ، وهي باكورة الندوات ،
ولذلك فقد رأى الزملاء أن يكون الموضوع الأول الذي نبدأ به هو طرح للتصور عن
المفهوم والمنهج أي :
1 ـ مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم
.
2 ـ ومنهج التأصيل الإسلامي للعلوم
.
طبعاً حدود الوقت تفرض في بعض
الأحيان نوعاً من الاختصار المخل ، لأني في الحقيقة أجد أنه إذا زاد الإنسان عن
الوقت المفروض له فإن هذا أمر لا يحبه من هو في هذا الموقف ولا من يسمعونه ، لذلك سأحاول أن أكون مختصرا
في حدود الوقت إن شاء الله .
قبل المفهوم والمنهج في
الحقيقة هناك أرضيات للقضية ، أرضيات لا تخفى على الحاضرين ، هذه الأرضيات تتصل
بالطريقة التي ظهرت ونمت بها وتطورت بها العلوم الحديثة ـ وكيف نمت تلك العلوم
المنطلقة من أرضيات معرفية ووجودية أو كما يقولون إبستمولوجية وأنطولوجية تختلف عن
أرضيتنا المعرفية والوجودية ، ونحن نعرف أنه لا يوجد علم و لا منهج إلا أن
يكون هذا العلم والمنهج مبنيا أو منطلقا
من أرضية معرفية أو إبستمولوجية ، وهذه بدورها تنطلق من رؤية في الوجود وتصور لهذا
الوجود الذي نحن جزء منه ، لكن للأسف الشديد نحن خلال عقود متطاولة قد اقتصرنا على
اقتطاف ثمار هذه العلوم والمنهج العلمي للبحث ولم نلتفت إلى الأرضيات المعرفية
والوجودية التي انطلقت منها تلك العلوم الحديثة .
فالمشكلة الكبرى عندنا أن تلك العلوم الحديثة سواء كانت علوما طبيعية أو
تسمى بالطبيعية أو علوما اجتماعية إنما نمت ونبتت في ديارنا مرتبطة بأصولها
المعرفية والوجودية التي تختلف عن أرضيتنا المعرفية والوجودية، ومن هنا كما تعلمون
أنه ـ نتيجة لانطلاق علومنا من تلك الأصول فلم يحدث أبدا أن ارتبطنا ، خصوصاً في
العلوم الاجتماعية ، فالأمر بالنسبة للعلوم المسماة بالطبيعية أهون لأننا
هناك نتعامل مع مادة ، لكن بالنسبة للعلوم
الإنسانية والعلوم الاجتماعية بوجه خاص فإن قضيتنا قضية أبعد شأوا وأكثر خطورة ،
لأن هذه العلوم الاجتماعية تشكل المجتمعات على صورتها ، منها يتخرج المعلمون الذين
يعلمون أولادنا ، والإعلاميون الذين يوجهون الآن كما ترون حياتنا ، وعلماء النفس الذين يفترض أنهم يساعدوننا في حل
مشكلاتنا ، والمربون الذين يفترض أنهم يقومون بدور خطير في حياتنا .
نتيجة لهذا كله ... وسأقول هنا كلمة فقط هي مجرد عنوان ... أنه نتيجة لهذا
الشعور بعدم التوافق بين منطلقات تلك العلوم وبين رؤيتنا للوجود من جهة ، ونتيجة
لتطورات كبرى في العلوم الطبيعية وخصوصا بدءاً من النظرية النسبية على يدي
اينشتاين ثم مبدأ عدم التيقن على أيدي هايزنبرج
، ثم التطورات في علوم الأعصاب على يدي روجر سبيرى ، ثم في علم النفس في نظرية تجاوز الذات على أيدي ماسلو ويونج وغيرهم
... هذه مجرد عناوين ... لأننا طبعا لا مجال أمامنا لتفصيل هذا كله مع أنه مهم
غاية الأهمية ...أقول ...أنه لهذين
السببين ... السبب الأول شعورنا بعدم
التوافق والاتساق بين الأرضية التي تنطلق منها هذه العلوم وبين أرضيتنا ومعتقداتنا
.. هذا أولا ...
ثم ثانيا ... أنه حتى عند مصدري هذه
العلوم ومنتجيها ، فإن كبار فلاسفة العلم
ومؤرخي العلم في الغرب هم أنفسهم في ضوء تلك النتائج التي توصلت إليها العلوم
الطبيعية قد بدءوا بمراجعات كبرى عندهم
فيما يتصل بالنظرة إلى العلم والمنهج العلمي للبحث ناقضت الكثير مما كان ينظر إليه
كمسلمات في الماضي.... نتيجة لهذين
العاملين إذن فقد أخذت قضية التأصيل الإسلامي للعلوم قوة دفع كبرى ، الحقيقة منذ
أواخر السبعينات في القرن الماضي وأوائل الثمانينات ...هذا أقصى ما يمكن أن يقال في
التقديم للموضوع حتى لا نتجاوز الوقت .
كيف يمكن إصلاح هذا الموقف
؟ كيف يمكن لنا أن نعيد النظر في هذه
العلوم خصوصا العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ كيف يمكن لنا أن نعيد النظر فيها بحيث
تتلاقي أصوله المعرفية والوجودية مع أصولنا المنطلقة من عقيدتنا والتي بنيت عليها
مجتمعاتنا .
من هنا تأتي المحاولة البسيطة التي قدمها البعض وهذا موجود أمام حضاراتكم في
ورقة العمل (في أربع ورقات ملحقة في آخر حديثي ) التي هي معنونة "التأصيل
الإسلامي المفهوم والمنهج" فنحن الآن في الصفحة الأولى التي هي مفهوم التأصيل
الإسلامي للعلوم .
البعض
عرّف أسلمة العلوم أو التأصيل الإسلامي
للعلوم على أنها "إعادة صياغة العلوم
في ضوء الإسلام" ... هذا هو المعنى الذي أشرت إليه قبل قليل ..فقد ذكروا أن
هذا يمكن أن يتحقق من خلال ثلاثة أمور أساسية إذا أردنا أن تتم عملية إعادة النظر
بطريقة منهجية صحيحة ..
فأولا لدينا "فهم واستيعاب
العلوم الحديثة" سواء كانت علوما طبيعية أو اجتماعية ، وكما ذكرت فإن العلوم
الاجتماعية مشكلاتها أخطر بكثير جدا ، وقد
يكون هناك مجال لبيان الفرق بين العلوم المسماة بالعلوم الطبيعية والاجتماعية وما
يتصل بقضية التأصيل الإسلامي للعلوم ... إذن أولا واجبنا فهم واستيعاب العلوم
الحديثة في أرقى حالات تطورها ... وهذه دعوة لعدم الكسل لأن البعض قد يتصور أنه إن
قلنا التأصيل الإسلامي للعلوم فقد يعن للبعض أن يتساءل قائلا ما الذي يعود علينا من دراسة مناهج ونظريات
العلوم الحديثة ، فلنتركها جانباً ! ...لا
.. لأنه إن كان هذا تراثا إنسانيا موجودا فأولى بنا أولا إذا انتقدنا أن ننتقد على
نور وعلى بينة ، و أن نحترم تراث الآخرين
، لكن احترامنا لتراث الآخرين لا يعنى بأي
حال من الأحوال عبوديتنا لذلك التراث بصرف النظر عما له وما عليه .
إذا أولا علينا "فهم
واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير
جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام" ... هذا بالنسبة لتلك العلوم
... واجبنا إذا نحن كلنا كمتخصصين معظمنا في هذه العلوم الحديثة ... واجبنا أن
نكون ممن استطاعوا أن يتعمقوا فيها للدرجة التي يستطيعون أن يقوموا بنقدها ... لكن
بالطبع الذي يدرس لكي يحصل على مجرد مؤهل ، يستحيل أن يكون قادراً على أن يعيد
النظر في شيء ، وإذا طالبته بإعادة النظر يصاب بما يشبه الرجفة ، لأنه سيسائل نفسه
... أنا ما كدت بالكاد أعرف الكلمتين اللتين أقوم بتدريسهما ... وأنت تأتي لتقول
لي انتقد علومك ... هذا أمر بعيد عما يبدو
تصوره أنه في الإمكان .
النقطة
الثانية : "فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب
والسنة" ، لأن الكتاب والسنة قد خُدِموا فيما يتعلق بفهم البصائر التي قدموها
في مختلف جوانب الحياة ، وهناك تراث عظيم
مبنى على ما في الكتاب والسنة ... فلابد لمن يتصدى للتأصيل الإسلامي للعلوم من أن
يقوم بفهم واستيعاب إسهامات هذا التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في
مختلف العصور وأيضاً تقدير جوانب القوة والضعف في ذلك التراث في ضوء حاجات
المسلمين في الوقت الحاضر وفي ضوء المعارف الحديثة .
وأخطر نقطة هي الثالثة :
"القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة أو توليفة
تتكامل فيها معطيات هذه العلوم الشرعية من جهة ونتائج العلوم العصرية التي تمت
غربلتها بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا" .
طبعا هذا يضع ما يشبه أن يكون إطارا عاما للقضية ، لكن أن شئنا تعريفاً
رسميا ... فالأكاديميون دائما عندهم
اهتمام خاص بالسعي لأن يكون عندهم تعريف
جامع مانع كما يقولون ... ولست أدرى أيكون تعريفنا جامعاً مانعاً أو لا يكون .
فهنا
تعريف يعنى Formal كما يقولون "التأصيل الإسلامي للعلوم عبارة
عن عملية إعادة بناء العلوم في ضوء التصور الإسلامي للإنسان والوجود
والمجتمع" ... هنا في الكلمات الثلاث نحن قد استحضرنا الأصول الوجودية أو
الأنطولوجية ، وننتقل بعد ذلك إلى الأصول المعرفية الإبستمولوجية .. "وفق
رؤية منهجية يتكامل فيها الوحي الصحيح مع الواقع المشاهد كمصادر للمعرفة" ...
هذا هو الجانب المعرفي الإبستمولوجي ... "ويتم في إطار هذه الرؤية استخدام
ذلك التصور الإسلامي في بناء النظريات في تلك العلوم" بمعنى أنه سيستخدم ذلك الإطار في بناء النظريات
"لكي يكون بمثابة الإطار التصوري الذي يفسر المشاهدات الجزئية" التي كانوا قديما يسمونها حقائق علمية ...
"يقوم بتفسير المشاهدات الجزئية المحققة والتعميمات الإمبيريقية أو الواقعية
وفقاً للأصول العلمية المستقرة التي تؤكد على خاصية التصحيح-الذاتي للعلم" .
هذا هو التعريف الذي يمكن أن نعتبره نقطة بداية للحوار والمناقشة والإضافة والنقد
وهكذا .
في ضوء هذا يأتي مباشرة موضوع
المنهج ... فبالنسبة للمنهج ستلاحظون أنكم لو وضعتم الخريطة الموجودة في الصفحة
الأخيرة من ورقة العمل أمامكم مقابل ما
يوجد في الورقتين الأخريين فسنلاحظ مباشرة أن منهجية التأصيل الإسلامي للعلوم هي
منهجية تحاول الجمع بين منهجين نبت كل
منهما في إطاره : منهجية العلوم الحديثة التي تقوم على أساس استقراء الواقع
المحسوس من جانب ، ثم منهجية العلوم الشرعية التي تقوم أساسا على الاستنباط من
النصوص فيما يعرف بأصول الفقه من جانب آخر
.
طبعا الحسم في هذا الموضوع –
الجمع بين المنهجيتين – سينطلق كما تلاحظون مما هو معروف ومتفق عليه من
"العلاقة الوثيقة بين التنظير والبحوث" .... فنحن دائما نشير إلى أن
العلم يقوم على علاقة ديالكتيكية أو علاقة
جدلية بين النظرية من ناحية والبحث من ناحية أخرى ... فالنظرية تقوم بتوجيه البحث
والبحوث تختبر النظرية ... هذا أساس مسلم به ونحن نجده مفيداً جداً بالنسبة
للمنهجية المقترحة ، ولذلك ستلاحظون في الكلام المكتوب أمامكم في ورقة العمل أن
لدينا مرحلتين لهذه المنهجية المقترحة ...منهجية التأصيل الإسلامي للعلوم : ـ
المرحلة
الأولى : هي
مرحلة بناء الإطار النظري المتكامل .
المرحلة
الثانية : هي مرحلة البحوث المنضبطة لاختبار
ذلك الإطار التصوري النظري المتكامل .
طبعا لو نظرنا في المرحلة
الأولى سنلاحظ فيها مباشرة انعكاسا للخطوات الثلاث التي جاءت في التعريف ولكن على
تفصيل في الأمر كما يقولون ... وبالمناسبة
فإن هذا الطرح يمكن أن ننظر إليه كأنه
دليل مقترح لأي باحث في العلوم خصوصاً الاجتماعية إذا أراد دراسة أي موضوع
.... فإذا كان لديك أي موضوع تريد دراسته لتأصيله إسلامياً فإن هذا هو ما تفعله
... إن لدينا مرحلتين أو وجهين أساسيين لهذه المنهجية : المرحلة الأولى هي مرحلة التنظير ، والمرحلة الثانية هي مرحلة البحوث ، ولكل مرحلة أساسية منهما مراحل فرعية وخطوات تتم من خلالها على الوجه التالي:
فلنبدأ أولا بالمرحلة الأساسية الأولى هي مرحلة التنظير ...وهذه تتضمن ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى... أول مرحلة هنا
هي "مرحلة بناء الإطار النظري
المتكامل" .. . وهذه تتضمن في داخلها ثلاث مراحل فرعية:
أولاً
بالنسبة للعلوم الحديثة :
علينا "مسح إسهامات الفروع العلمية
المعاصرة المتصلة بذلك الموضوع المراد تأصيله ، وذلك من خلال حصر النظريات
والمفاهيم والمشاهدات المحققة والتعميمات الإمبيريقية أو الواقعية المتصلة بذلك
الموضوع في الكتابات العلمية المتخصصة" سواء منها ما يمثل The Paradigm أو التوجه السائد ، أو ما يمثل الآراء المنشقة
عليها التي تعتبر Anomalies بالنسبة
للتوجه السائد . ثم إن علينا "إلقاء نظرة نقدية فاحصة على تلك الإسهامات في
ضوء التصور الإسلامي للإنسان والوجود والمجتمع ". وأخيرا فإننا نقوم
"باستبقاء المفاهيم والتعميمات والأطر النظرية التي صمدت للنقد والتي تتمشى
مع التصور الإسلامي ، واستبعاد ما بنى من تلك المفاهيم والنظريات على مسلمات
مجافية لذلك التصور الرباني المصدر ... هذه هي المرحلة الفرعية الأولى أو الخطوة
الأولى ... وقد لا تكون الأولى من ناحية الأهمية والترتيب لأننا نحن نخاطب
المشتغلين بهذه العلوم الحديثة فإذا خاطبت صاحب العلوم الحديثة ستبدأ من أرضيتة .
ثانيا بالنسبة لمصادر العلوم
الشرعية : علينا "حصر البصائر التي يتضمنها الكتاب والسنة والتراث
الإسلامي ذات الصلة بذلك الموضوع وذلك من خلال استقصاء كافة الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية الصحيحة المتصلة بذلك الموضوع في حدود الإمكان طبعا والكشف عن
معانيها في كتب التفسير والشروح المعتبرة "... بعد ذلك يأتي "حصر
إسهامات علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين بل والمعاصرين مما يرتبط بذلك
الموضوع مع تعريضها أيضا لنظرة نقدية فاحصة تضعها في إطار الظروف التي ظهرت تلك الإسهامات
في نطاقها" . ... ثم إن علينا القيام "بالجمع بين البصائر المختارة من
بين تلك المصادر جميعها من الآيات والأحاديث والشروح وكتب التفسير التي اخترناها ،
ثم ضم هذا كله ... و"الجمع بينها مما يطمئن إليه عقل الباحث وقلبه" ... وللعلم فإن كلمة "قلبه" هنا مقصودة
... لأنه في التصور المعاصر نحن نفترض أن العقل هذا مستقل ...وكما نرى الآن أن
الأمور كلها تصاغ كما لو كانت الأمور تسير بالعقل ونحن نعرف ما الذي وراء هذا كله
... إذن جمع هذا كله نحاول به أن "نتوصل إلى ما يشبه أن يمثل في نظر الباحث
التصور الإسلامي لموضوع الدراسة "... وهنا نكون قد وصلنا إلى نهاية المطاف
بالنسبة لهذه الخطوة المتصلة بالمصادر الشرعية.
ثالثا : الجمع بين البصائر
المختارة من بين تلك المصادر جميعها
والآن نصل إلى الخطوة الفرعية
الثالثة التي تقوم على ضم ما توصلنا إليه في الثانية مع باقي الأولى ... يعنى ضم
ما جاء في مسح الكتابات الحديثة وما وجدناه من الإسهامات في العلوم الشرعية ، نضم
هذا بما يتبلور معه "الإطار التصوري الجامع بين بصائر الوحي وبين ما صح من
ثمار الخبرة الإنسانية" ....كيف يتم ذلك ؟
نقوم بإعادة ترتيب المشاهدات
المحققة والتعميمات الواقعية التي تم التوصل إليها من خلال البحوث العلمية
المنضبطة ، وإعادة تفسيرها في ضوء الأطر النظرية المستمدة من معارف الوحي من جهة ،
وباستثمار الأطر النظرية المستبقاة من تراث العلوم الحديثة بعد ثبوت اتساقها مع
التصور الإسلامي من جهة أخرى ، ثم من خلال هذا كله نقوم بصياغة ذلك الإطار التصوري
المتكامل الجامع لبصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية في شكل أنساق
استنباطية - ولنتذكر هنا زيتربيرج على سبيل المثال - تسمح باستخلاص فروض يمكن
التحقق من صدقها في الواقع ، ولمعرفة مدى
اتساقها مع السنن الإلهية المشاهدة في الأنفس وفي الآفاق .
هذا كله يمثل المرحلة الأساسية
الأولى وهي مرحلة التنظير ... الكثيرون يقفون عند هذا للأسف ... فيكتب
الواحد منا كتابة فيها جمع بين ما يصح من علومنا الحديثة وبين ما اختاره الباحث من
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ... ويتوقف فيقول هذا هو ما يمثل رؤية الإسلام
... هذه هي الرؤية التأصيلية في الموضوع ... وهو في الحقيقة لا يقدم لنا أكثر من مجرد تأكيدات يطالبنا
بالتسليم بها على عهدته ... ويقول هذا هو .. اقبلوه .
طبعا في
العلم ... نحن نتكلم في "العلم" الآن ... نحن لا نتكلم في نشاط آخر ...
هناك أنشطة أخرى يمكن الاكتفاء فيها بمثل تلك التأكيدات ، لكن في مجال العلم نجد
أن الموقف يحتاج إلى فحص واختبار أي مزاعم ... وتعريض هذا كله للاختبار في الواقع
.
هنا
تأتي المرحلة الأساسية الثانية وهي مرحلة
البحوث المنضبطة لاختبار ذلك الإطار التصوري المتكامل وتطويره وتتضمن ما يلي : ـ
أولا : استنباط فروض مستمدة من الإطار
التصوري المتكامل الذي توصلنا إليه في المرحلة الأولى .
ثانيا : التحقق من صحة تلك الفروض
من خلال البحوث العلمية المنضبطة التي تجرى في الواقع. ... فإذا ثبتت صحة تلك
الفروض ... مثل الطريقة المتبعة في العلوم كلها ...إذا ثبتت صحة الفروض فإن ثقتنا
في الأطر التصورية المتكاملة التي بدأنا بها تزداد من جهة ... كما أن المحتوى
يزداد تفصيلا وتمايزاً وبالتالي يحدث
النمو من جهة أخرى .
لكن إذا لم تثبت صحة الفروض إذا فعندنا مشكلتان:
(1)
إما أن السبب يرجع إلى الإجراءات البحثية ... أي أخطاء في الإجراءات التي
استخدمناها ، وأظن أن كل من يناقش رسائل جامعية فعنده إن شاء الله قائمة لا تقل عن
مائة نقطة أو مفصل تحتاج نظرة فاحصة ... بدءاً من تحديد المفاهيم ، وطرق القياس ،
والأمور المتصلة بالعينة ، والاتساق المنهجي ، والقضايا المتصلة بالصدق الداخلي
للتصميمات ، والصدق الخارجي للتصميمات ، انتهاءاً بعمليات التفسير ، نراجع هذا كله
للتأكد من أن ما يشار إليه على أنه صحيح ثابت واقعياً .
(2) لكن إذا ما وجدنا فعلا أن
ما وصلنا إليه فيه درجة ثقة عالية فإن علينا إعادة النظر في الأطر التصورية
المتكاملة التي انطلقنا منها وتعديلها ، لأن معناه أن ما جمعناه نحن وما اخترناه
نحن ... لم يكن موفقا ... لأنه لابد وأن يتطابق ما يأتي من عند الله في الوحي مع ما خلقه الله في هذا الكون و لا يتناقض معه
، لأنه سبحانه هو المبدع هذا الكون وهو منزل الوحي .
إذن أخيراً نستمر في إجراء
البحوث على هذا المنوال ... تمهيداً لنشر النتائج في الدوريات العلمية على الصورة
المألوفة تماماً ... وبذلك تتعرض النتائج للنقد العلمي من جانب المجتمع العلمي
المتخصص ،وينتظر أن يؤدى هذا التنامي العلمي إلى التراكم الكمي والكيفي للنتائج
الصحيحة ، حيث تصب ثمار هذا كله في كتب جامعية رصينة مؤصلة إسلامياً وهذا هو الهدف
النهائي .
طبعا إن كنت قد أفلحت في
الدقائق الماضية في بيان وتوضيح هذا الإطار العام الذي بين أيديكم فلن نجد أية
صعوبة إلى أننا ننظر في هذا الشكل أو الخريطة في الصفحة الأخيرة ، ولنزيد الأمر
وضوحاً فلنلاحظ في الشكل الذي أمامنا أن العمل في التأصيل الإسلامي للعلوم
الاجتماعية أن يكون هناك ما يشبه المظلة ... هذه المظلة التي يتم العمل كله في
إطارها تنطلق من "التصور الإسلامي للإنسان والوجود والمجتمع" ... لكن
سنلاحظ أنه على اليمين عندنا مصدران هما
الكتاب والسنة والتراث الإسلامي ... هذا مصدر ، والمصدر الآخر على اليسار العلوم
الاجتماعية الحديثة ... سنجد فوراً ما شرحناه
فيما سبق ... أننا نحصر الآيات والأحاديث والتفاسير ونختار منها ، وأيضا
العكس على الجانب الآخر ، ولكن الذي يعنينا الآن في الحقيقة أن هذا يصب - في شكل
الرسم المعيّن أو رباعي الأضلاع الموجود عندنا - الذي يصب في الإطار التصوري
الجامع بين بصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية .
إذن .. هل سنتوقف عند هذا ..
أبداً تلاحظون السهم الذي على اليمين في
الشكل ... نبدأ نستنبط فروضا تستمد من ذلك الإطار التصوري المتكامل... والأسهم المنقطة على اليمين تعني أننا سنذهب وتختبر هذه الفروض في أرض الواقع بمعناه
الشامل الذي يتضمن ما هو إمبيريقي وما هو وراء الإمبيريقي ... فإن صح الفرض يصبح الخط متصلاً بدلا من المنقط ، ليوصلنا إلى
مشاهدات جزئية محققة ... هذه المشاهدات تنضم إلى بعضها بشكل تعميمات واقعية محققة
.
وهذه
الأطر تصب في الإطار النظري وتزيده قوة ، أما إن وجدنا أن الفروض لم تثبت صحتها
فإننا في هذه الحالة نعيد النظر على الوجه الذي بيناه ، و لكن عليّ التوقف الآن
لأنه أنا بالضبط أخذت نصف الساعة المقررة ، و جزاكم الله خيرا على حسن استماعكم ..
التأصيل
الإسلامي للعلوم : المفهوم والمنهج
د. إبراهيم عبد الرحمن رجب
الأستاذ
بجامعة الملك سعود بالرياض
لقد عرَّف البعض أسلمة العلوم
إجمالاً بأنها " إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام " … وبأن هذا يتحقق من خلال :
أ- فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى
حالات تطورها، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة
نظر الإسلام.
ب- فهم واستيعاب إسهامات التراث
المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب القوة
والضعف في ذلك التراث في ضوء حاجات المسلمين في الوقت الحاضر وفي ضوء المعارف
الحديثة.
ج- القيام بتلك القفزة الابتكارية
الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة ( توليفة) تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين
نتائج العلوم العصرية بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا.
ومن
الناحية المعرفة (الإبستمولوجية) فلقد يكون من الممكن في ضوء ذلك المفهوم العام
تعريف التأصيل الإسلامي للعلوم على النحو التالي :
" التأصيل الإسلامي للعلوم عبارة عن عملية إعادة بناء العلوم في ضوء
التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود، وفق رؤية منهجية يتكامل فيها الوحي
الصحيح مع الواقع المشاهد كمصادر للمعرفة، ويتم في إطارها استخدام ذلك التصور
الإسلامي في بناء النظريات في تلك العلوم ليكون بمثابة الإطار التصوري الذي يقوم
بتفسير المشاهدات الجزئية المحققة والتعميمات الإمبيريقية ( الواقعية)، وفقاً
للأصول العلمية المستقرة التي تؤكد خاصية التصحيح ـ الذاتي للعلم".
يمكن تقسيم المراحل المنهجية للتأصيل الإسلامي
للعلوم إلى مرحلتين أساسيتين : المرحلة الأولى مرحلة التنظير، والمرحلة الثانية مرحلة البحوث، ولكل مرحلة منهما خطوات تتم من
خلالها على الوجه التالي :
المرحلة الأولى : مرحلة بناء
الإطار النظري المتكامل، وتتضمن :
أولاً : مسح إسهامات
الفروع العلمية المعاصرة المتصلة بالموضوع وذلك عن طريق :
د- حصر النظريات والمفاهيم والمشاهدات
المحققة والتعميمات الإمبيريقية ( الواقعية) المتصلة بالموضوع في الكتابات العلمية
في التخصص، سواء منها تلك التي تمثل الوجهة السائدة في فهم الموضوع The Paradigm أو تلك الآراء المنشقة عليها ( بوجه خاص ).
ه- إلقاء نظرة نقدية فاحصة على تلك
الإسهامات ( بنوعيها) في ضوء التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود.
و- استبقاء المفاهيم والتعميمات
والأطر النظرية التي صمدت للنقد والتي تتمشى مع التصور الإسلامي، واستبعاد ما بني
من تلك المفاهيم والنظريات على مسلمات مجافية لذلك التصور الرباني المصدر.
ثانياً : حصر البصائر
التي يتضمنها الكتاب والسنة والتراث الإسلامي ذات الصلة بالموضوع وذلك من خلال :
ز-
1- استقصاء كافة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة المتصلة
بالموضوع في حدود الإمكان، والكشف عن معانيها في كتب التفسير والشروح المعتبرة.
ح-
2- حصر إسهامات علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين مما
يرتبط بالموضوع، مع تعريضها لنظرة نقدية فاحصة تضعها في إطار الظروف التي ظهرت تلك
الإسهامات في نطاقها.
ط-
3- الجمع بين البصائر المختارة من بين تلك المصادر جميعها مما يطمئن إليه
عقل البـاحث وقلبه … توصلاً إلى ما يشبه أن
يمثل في نظره التصور الإسلامي لموضوع الدراسة.
ثالثا : بلورة الإطار
التصوري الجامع بين بصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية:
ي- 1- إعادة ترتيب المشاهدات المحققة
والتعميمات الإمبيريقية التي تم التوصل إليها من خلال البحوث العلمية المنضبطة،
وإعادة تفسيرها في ضوء الأطر النظرية المستمدة من معارف الوحي من جهة، وباستثمار
الأطر النظرية المستبقاة من تراث العلوم الاجتماعية بعد ثبوت اتساقها مع التصور
الإسلامي من جهة أخرى.
ك- 2- صياغة ذلك الإطار التصوري
المتكامل ( الجامع لبصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية) في شكل أتساق
استنباطية تسمح باستخلاص فروض يمكن التحقق من صدقها في الواقع ولمعرفة مدى اتساقها
مع السنن الإلهية المشاهدة في الأنفس وفي الآفاق.
ل-
المرحلة الثانية : مرحلة البحوث المنضبطة لاختبار
الإطار التصوري المتكامل وتطويره ، وتتضمن ما يلي :
أولاً : استنباط فروض مستمدة من الإطار
التصوري (النظري) المتكامل الذي تم التوصل إليها في نهاية المرحلة الأولى، ثم
التحقق من صحة تلك الفروض من خلال البحوث العلمية المنضبطة التي تجرى في الواقع.
ثانياً : إذا ثبتت صحة تلك الفروض فإن
ثقتنا في الأطر التصورية المتكاملة التي بدأنا بها تزداد من جهة، كما أن محتواها
يزداد تفصيلاً وتمايزاً من جهة أخرى.
ثالثاً : إذا لم تثبت صحة الفروض، فإنه يتم
القيام بمراجعة كافة الإجراءات المنهجية للبحوث في مختلف مفاصلها لإعادة التأكد من
سلامتها، أو إعادة النظر في الأطر التصورية المتكاملة التي انطلقنا منها وتعديلها
في ضوء المشاهدات المحققة.
رابعاً : يستمر إجراء البحوث على هذا
المنوال، ويتم نشر نتائجها في الدوريات العلمية، وبذلك تتعرض للنقد العلمي من جانب
المجتمع العلمي المتخصص، وينتظر أن يؤدي هذا التنامي العلمي إلى التراكم الكمي
والكيفي للنتائج الصحيحة، حيث تصب ثمار هذا كله في كتب جامعية رصينة مؤصلة
إسلامياً .
![]()
![]()

مدير
الندوة أ. د. راشد الكثيري :
شكراً للأستاذ الدكتور إبراهيم رجب على ما قدم
من نقاط ، وننقل الحديث للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الزنيدي ، وأشكر الدكتور إبراهيم على انضباطه في الوقت ، حيث استغرق 28 أو 29 دقيقة ووفر لنا بعض الدقائق .
كلمة الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الزنيدي
بسم الله الرحمن الرحيم ،
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله
وصحابته أجمعين .
في
الحقيقة أن حكايتي مع هذه الندوة عجب ! فقد طلب مني أن أشارك في ندوة في اللجنة
المهتمة بالتأصيل في الندوة العالمية ، وأوحي إلى أن الأمر بسيط وأنها مجرد مسيار
منى لهذه اللجنة !... فأخذت الأمر بهذه
البساطة ، وقيل لي أن الذي سيشارك هو الدكتور إبراهيم رجب وهو متعمق في التأصيل ،
وكاتب فيه ، وعضو في اللجنة ، فقلت سأجعل الخواطر التي اكتبها ... سأجعلها تساؤلات
من إنسان خارج دائرة التأصيل وخارج دائرة اللجنة موجة إلى اللجنة ... ومن هنا جرى قلمي بهذه النقاط التي قد لا تأخذ
الوقت المحدد لي ... وقد يبدو بعضها
بسيطاً أو خارجاً أحيانا بالنسبة للمتخصصين فيها ، ولكني كما قلت أنا كتبتها
بعفوية من شخص غير متعمق ، وزاد من معرفتي بنفسي وأنني لست من أهل التأصيل العرض
التنظيري الحاد الذي ذكره الدكتور الآن.
تأصيل العلوم إسلامياً أو أسلمة المعرفة
يعد في عصرنا الحاضر أحد مظاهر الصحوة الإسلامية التي تترقى من العودة الشعبية نحو
الدين في الشعائر والسلوك والسمت الفردي
إلى "الحركة الحضارية" التي بدورها تكون تنزيلا للمطالب الشرعية العلمية
على الواقع ، والذي يمثل التأصيل للمعرفة أبرز عناوينها ... إذ يمثل هذا التنزيل التأصيلي
أعلى صور التجديد الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم مناط الأمة بعد الله في استرجاع الصورة الصحيحة لدينها ... ومن ثم استعادة
مسيرتها الحضارية السوية بعد التراخي أو الانحراف في قوله عليه الصلاة والسلام إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل قرن أو رأس كل مائة
سنة من يجدد لها أمر دينها .
فالدين بما هو حقائق لا يتغير
... التغير الذي هو التجديد ... أو
التغيير الذي هو التجديد إنما هو في فهم هذه الحقائق في إطار السقف المعرفي لعصر
المجددين والمجدد لهم ، ثم في تنزيل هذا الفهم نحو واقعهم وبرمجته وفقه ، وهذا هو
التأصيل معرفياً ثم حياتياً طبعا بمفهوم عام وليس بتعريف جامع مانع كما ذكر
الدكتور .
ولهذا فإن التأصيل الإسلامي
للعلوم يأخذ موقعه في صحوة المسلمين الراهنة بصفته أمتن أو من أمتن مستوياتها خاصة
إذا ترسخ عبر أبعاد مهمة ... بُعد النقد الذاتي المواكب لحركته لنفي أي زغل أو دخن
يلوث إسلاميته التي قام باسمها ، و بُعد تجاوز المستوى النخبوي المحدود عدداً لأشخاصه وامتدادا لتأثيره ،
وبُعد الإنتاج المكثف عن القضايا الحيوية في واقع الأمة كالقضية الفلسطينية وقضية
الحوار وقضية السياحة ونحوها ، لوضع الأسس العلمية لها ، ومن ثم الاستراتيجيات
السليمة في شأنها ، وعدم الانحصار في القضايا العلمية الكلية ... يُعد الاستثمار
الأمثل لمنجزات التقنية في الاتصال والإعلام لعطاء متواصل مع الأمة .... كنت أتصور
أن التأصيل قد فرض شخصيته في راهن الأمة عبر الجهود المؤسسية والفردية ... ولهذا
استغربت حديث الندوة عن أهمية التأصيل أو مفهومه الأساس ... وأن كنت أرى بقاء
الحديث عن هذه الأهمية ولكن بصورة عرضية خاطفة في الاستهلالات ونحوها .
وعلى
كلّ فإن ما أود تقديمه للأخوة المعنيين بالتأصيل عدد من المسائل التي تجول في فكري
بشأن هذا المجال الحيوي.
المسألة
الأولى :
أشعر أن هناك إلحاحا لدى المهتمين
بالتأصيل باستقطاب الآخرين نحو قضيتهم ، بأن يستوعبوها ويسيروا في فلكها ... لا
ريب أن هذا الإلحاح نابع من شعور دعوي نبيل ، ولكني لا أتصور بأن هذا قد يغرينا
باستهداف الكم على حساب الكيف ، ثم ينبغي
ألا ننزعج من وجود المخالفين الذين قد يكون وجودهم وموقفهم المخالف محفزا نحو جدية
الأداء ، ثم نحن نتحدث عن التأصيل والأسلمة من خلال المصطلح الذي قد يتعدد ، أو من
خلال النماذج التي هي إنتاجات فكرية ، وهذه اعتقد أنها تحيل قضية التأصيل إلى نوع
من الاجتهاد أو الإبداع الذي لا ضير في مغايرته،
بل ولا حق له في الأفضلية على الإبداعات المقابلة، ألا يمكن بإزاء ذلك البدء من نقطة أكثر تجريداً وأكثر منطقية في
لزوم الأسلمة لأولئك المفكرين المنتسبين للإسلام بحيث يبين برهانياً أن التأصيل
الإسلامي للعلوم هو قضية الإسلام نفسه ، وليس قضية فئة من المسلمين وذلك من خلال
صياغة الأساس المنطقي للتأصيل على شكل مسلمات عامة ومسلمات تخصصية ... وتأصيل هذه
المسلمات شرعياً بحيث يجد المفكر المنتسب للإسلام أن إسلامه يعنى اعتماده هذه
المسلمات ، وأن خرقها يعنى خلل تدينه لا فقط مخالفة فئة من المفكرين الإسلاميين ،
أي أنه يجد نفسه عبر مصارحة ذاتية بينه وبين نفسه بين خياري انتمائه للإسلام ومسار
الأسلمة معا أو رفض هذا الانتماء ، هذه هي المسألة الأولى .
المسألة الثانية : كثير من المشروعات الفكرية التي يُبدأ بها تبتغي
أهدافاً معينة ، وقد ترسم هذه الأهداف...
ولكن منهج سير هذه المشاريع والظروف المحيطة بها لجذبها ودفعها قد تخرج بها
عن الأهداف إلى أهداف أخرى ... قد تكون أحيانا مضادة للأهداف الأصيلة ... حسبي أن
أوضح في مثالين أذكرهما : ـ
الأول : حركة الإحياء الإسلامية لدي
الأفغاني وعبده وغيرهما التي كانت تستهدف إعادة المسلمين لدينهم في نهوض حضاري
يحطم أغلال التقليد انتهت كما نعلم إلى مسار انفلاتي من قبل أتباعها باسم الإسلام
أول الأمر ثم إلى علمانية صريحة بعد ذلك . يقول ألبرت حوراني عن محمد عبده .. كان
يريد أن يقيم سداً في وجه الاتجاه العلماني يحمى المجتمع الإسلامي من طوفانه ولكن
الذي حدث هو أن هذا السد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليها للعالم الإسلامي لتحتل
المواقع الواحد تلو الآخر .
المثال الثاني : حركة علال الفاسي السلفية التي سعت لمقاومة الجمود
والبدع الصوفية وإلى الدعوة الحادة لفتح باب الاجتهاد وانتهت كما اعترف رحمة الله
إلى علمانية منسلخة من الدين .. سؤالي هنا : هل مشروع
التأصيل الإسلامي وضع الضمانات الواقية من مثل هذه المآلات .
أنا
أدرك أن مسيرة التأصيل معاكسة تقريباً لهذه الاتجاهات ... لكن حيوية العصر الذي
تجرى فيه حركة هذا المشروع قد تسرب نكهتها إليه ولو أحيانا عبر جزئيات من أفكار
هذا العصر التي غالبا ما تحتفظ في باطنها بطبيعتها الأصلية التي سرت فيها من
الثقافة الغربية - ثقافتها الأصلية - ولو كانت قد نزعت منها بصفتها جزئيات ... كما
يقول محمد جابر الأنصاري أن هذه الجزئيات تخلق دينامية مستقلة تؤثر على المركب
الفكري الذي أدخلت فيه .
المسألة الثالثة : وتتعلق بمدى استثمار مشروع التأصيل الإسلامي للمعطيات
الإيجابية سواء على المستوى العالمي أو على مستوى الأمة الإسلامية ... في مثل فشل
المشروعات التغريبية ، وانكشاف أن الشرود عن الدين سبيل لانحدار الأمة ، وأن
العودة إليه ابتداء بالصحوة التدينية وامتداداً إلى جوانب البناء الحضاري وعلى
رأسها تأصيل المعرفة التي هي عماد النهضة الحضارية ، ومن أوضح صور هذا الفشل إفلاس
علماء الاجتماع العرب الماركسيين والاستشراقين والقوميين في بناء علم اجتماع عربي
وفي خدمة المجتمع العربي ، بل تحولهم كما
اعترفوا بذلك في الندوة التي عقدوها في القاهرة في أواخر الثمانينات التي كان
عنوانها : هل يستطيع المجتمع العربي أن ينهض بدون علماء الاجتماع العرب ...
والمقصود هنا علماء الاجتماع العرب الماركسيون والقوميون ، وكما نعلم أن رابطة
علماء الاجتماع العرب التي يهيمن عليها الماركسيون عبد الباسط عبد المعطى وغيره ،
وقد أجاب الدكتور سعد الدين إبراهيم في هذه الندوة على هذا السؤال بقوله بكل الصدق
المؤلم ...نعم ... يستطيع المجتمع العربي أن ينهض ويتقدم دون علماء الاجتماع العرب
.
هذا على مستوى الأمة الإسلامية ... أقصد استثمار المعطيات . أما على المستوى
العالمي وفي مجال العلوم الإنسانية ذات الموقع الخطير في قضية التأصيل فالتطورات
التي تؤول إليها هذه العلوم في المناهج وفي الرؤى يخدم كثير منها مشروع التأصيل ..
مثلا في المنهج وقضية التأصيل - كما يقول
الدكتور إبراهيم رجب هي قضية منهج في المقام الأول - ولكن هناك تيارات في الفكر
الغربي تسير في اتجاهنا مثل تيار النصوصية الذي يقول- كما تقول منى أبو الفضل
- بضرورة اعتماد القيمة والثقافة والتاريخ
عند دراسة الظواهر الاجتماعية ، وهذا خروج على النسق الغربي المعتاد الذي تسير فيه
هذه العلوم ... وهناك أيضا التيار الإنساني الذي يقول بأن العلوم الاجتماعية ينبغي
أن تنبثق من منطلق إنسانية الإنسان المتمثلة بقيمها الروحية والخلقية ، وفي هذا
الإطار ما يسمى الآن بعلم النفس الإنساني الذي كما يقول أحد علمائه - كما ينقل ذلك
مؤلف كتاب العلم في منظوره الجديد- يقول
أنه ينظر إلى الإنسان (أي علم النفس الجديد) بوصفه إنسانا لا مجرد حيوان ، بحيث
تكون حياته الفكرية والخلقية والروحية حقائق تماما مثل حياته البيولوجية ، هذه
بدهيات بالنسبة لكم أيها المتخصصون ... أهدف منها إلى التساؤل عن مدى التفاعل
الإيجابي معها باستثمارها لصالح التأصيل وبدعمها والتعاون معها في الغرب لمقاومة
المنظورات الإلحادية المادية السابقة والتي لا تزال إلى الآن .
هذه
مسائل أربع ، ومثلها غيرها مما يمكن أن يكون مثار تساؤلات ... مثل ... التأصيل هو
إقامة العلوم الجديدة على أساس إسلامي فماذا عن علوم حضارتنا التي تحتاج إلى تأصيل
يبعد شوائب التحريف فيها كعلم الأخلاق وعلم الكلام ونحوها؟ ... المناهج المعاصرة
كالألسنية مثلا ما مدى استثمارها في هذا المجال؟ ... ، أرجو أيها الإخوان واعتذارا
ألا أكون أرهقتكم بهذه التساؤلات الجافة ،
أو كما قلت ربما تكون الساذجة ... و ألا أكون أيضا من جهة ثانية مغنياً خارج سربكم
في مجال التأصيل الإسلامي للعلوم ... والسلام عليكم ورحمة وبركاته.
المناقشات
مدير
الندوة أ. د. راشد الكثيري
شكراً
للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الزنيدي ...
ونترك الآن فرصة للإخوان للأسئلة في حدود ثلاث دقائق لكل من يطلب التعليق
أو التعقيب أو طرح السؤال .
الدكتور عبد الله الصبيح :
بسم الله
الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى صحبه وسلم ...
شكر الله لمحاضرينا هذا الطرح الطيب
المتميز ، ولى رجاء وقد تفضل أستاذنا الدكتور إبراهيم رجب أن زودنا بملخص أن يتفضل
أيضا أخونا الدكتور عبد الرحمن الزنيدي أن يزودنا بمحاضرته القيمة مكتوبة ، فهي
رؤية حقيقة في التأصيل وهي تطرح تحديات كثيرة أمام المشتغلين بالتأصيل ... فحبذا إما يوسعها أو يطورها ليطرح هذه الأسئلة
وهذه القضايا أو لو نزود بها ولو مكتوبة كما هي.
مداخلتي
هي نوع من تلمس المشكلة التي أشار إليها الأستاذان الكريمان ... أنا يظهر لي أن
عندنا مشكلة في طريقتنا في دراسة العلوم الاجتماعية في العالم العربي، و يظهر لي
أنه ممكن أن نمحورها بالجملة وليس حصراً وإنما بالجملة في ثلاث قضايا .
نحن ندرس
هذه العلوم ونحن نفتقد الرؤية ...حينما ندرس هذه النظريات الاجتماعية أو النفسية
لطلابنا ندرسها اعتبار أنها نصوص مقدسة أو قريباً من ذلك ... ونتعامل مع هذه
النصوص كما يتعامل عامل الشريعة مع النصوص ... ولذلك نجد أن الطالب يخشى من النقد
.. والمدرس يخشى من النقد ... وهذه مشكلة كبيرة هي سبب التخلف، وبسبب ذلك لم يوجد عندنا علماء كبار مبدعون في
هذه العلوم كما نجد عندنا مبدعين في العلوم الأخرى سواء في علوم الشريعة أو غير
ذلك .
النقطة
الثانية في افتقاد الرؤية ... افتقاد الأصالة ... حينما نقوم بدراسة القضايا
التراثية فنحن ندرسها من غير أصالة وإنما نحاول أن نوجد نوعا من المقاربة بين هذه
القضايا التراثية وبين تلك النظرية الموجودة في الغرب لعل نظريتنا تجد مصداقية
حينما تكون موافقة للنظرية الغربية . أضرب مثالا بسيطاً على ذلك ، مثلا بعض
الفضلاء قدم دراسة عن نظرية التعلم الشرطي عند الغزالي ومدى سبقه لبافلوف
في هذه القضية ... إخواننا المختصون يعلمون
ذلك الشيء .. نظرية التعلم الشرطي عند الغزالي هي جزء من
نظرية كبرى للتعلم ليست مقصورة عند الغزالي في قضية التعلم الشرطي لكن لا نأخذها
في قضية التعلم الشرطي ... المثال الذي يسير عليه هو مثير واستجابة ... النموذج
الذي يسير عليه الغزالي من خلال دراسة نصوصية : "مثير – متخيلة - استجابة" ... وهذا النموذج الذي عند الغزالي يتفق تماما مع
ما هو موجود عند علم النفس المعرفي الآن ، لكن لأننا حاولنا أن نقدم تصور الغزالي
من خلال نظرية بافلوف أهملنا إبداع الغزالي ـ رحمه الله .
النقطة
الثالثة : وهي
مشكلة كبيرة جداً ... الجهل بالتجربة الخاصة ... في العالم العربي نحن - ولعلكم
تعجبون - إن إخواننا من التخصصات الأخرى يعجبون منا لأننا لا ندرس إطلاقاً تجاربنا
في العالم العربي ... تجارب العلوم الاجتماعية في العالم العربي ... إذا أردنا أن
ندرس تاريخ علم النفس ندرسه كما هو في الغرب ...
لا .. ليس هناك فصل خاص لتجربة علم
النفس في العالم العربي ، أو تجربة علم الاجتماع في العالم العربي ، أو في العالم
الإسلامي ... لا يوجد شيء من ذلك ، ولذلك
فنحن نجهل إسهامات بعضنا البعض ، وحتى تلك الإسهامات التي تحصل من بعضنا
تقبر في مكانها إن لم يتلقفها غربيون فيطورها ، هذا ما أردت أن أقوله وصلى الله
على نبينا محمد .
الأستاذ
الدكتور عبد الرزاق الحمد
بسم الله الرحمن الرحيم ، أقدم الشكر للقائمين على هذه الندوة ، والشكر
للمحاضرين الكريمين ، وأعتقد أنهما طرحا الموضوع طرحاً جيداً ، وفيه من البناء العلمي الشيء الكثير ، ويحسن
بنا إن أردنا أن نتكلم عن التأصيل الإسلامي للعلوم عموماً أن نجمع مع ما طرح
الدكتور إبراهيم رجب والدكتور عبد الرحمن الزنيدي عن جوانب أخرى أراها مهمة جداً
كمقدمات للتأصيل .
الجانب الأول : هو مرحلة الإعداد للباحثين الذين ينتظر منهم أن يقوموا بالتأصيل... في اعتقادي وفي خبرتي ونظرتي إلى علماء
الاجتماع والنفس الذين عجزوا عن أن يقدموا تأصيلاً طوال السنوات أو العقود من
السنوات الماضية إسلامية للعلوم الإنسانية ... عجزهم ذلك راجع إلى خلل في بنائهم
العلمي ، فهم في منهجيتهم تأسسوا على منهجية غربية محددة الإطار في تلقي العلوم ،
فمثلاً طالب العلوم الإنسانية عندنا أو العلوم الطبيعية ليس يملك مبادئ الأدوات
الشرعية في البحث الشرعي .. لا يملك
مبادئها... لا يملك أن يبحث عن حديث شريف ... كيف يصل إلى هذا الحديث وكيف يستطيع
أن يفهم مصطلحات أهل الحديث ، أو يفهم مبادئ علم أصول الفقه أو يفهم مبادئ معينة
في فهم العقيدة فهما صحيحاً ، وبالتالي
أصبح هناك عائق كبير بين هؤلاء وبين الوصول للعلوم الشرعية ، وبالتالي أصبحوا
يعتمدون على المتخصصين في العلوم الشرعية
، والمتخصصون في العلوم الشرعية يعانون من نفس المشكلة من الجانب الآخر ،
فهم أيضا يدرسون العلوم الشرعية بعيدة عن العلوم الأخرى ، دون أن يكون لهم أي صلة
ولو حتى إطلاع مبدئي على العلوم الإنسانية وغيرها ، مما جعل هذه الفجوة قائمة ،
فأصبح التأصيل ... و ما يجرى من عملية التأصيل ... عبارة عن عملية تلفيق ... تجميع
... يأتي باحث في علم النفس ويصدر كتاباً علم النفس الإسلامي وإذا به جمع للنظريات
الغربية وتركيبها وإلباسها ثوب النصوص الشرعية ،
فهذه القضية قضية خطيرة في رأيي يجب أن تبحث قبل بداية عملية التأصيل ... يجب
أن نعد الباحث ... نغير مناهجنا من الجامعة فما فوق ... الذين يتخصصون في الجامعة
في علم النفس وعلم التربية وفي الاجتماع وفي الطب النفسي وفي العلوم الأخرى عليهم
أن يملكوا أدوات أساسية في البحث العلمي في العلوم الشرعية ، وبالمقابل أيضا
المتخصصون في الشريعة ... فعلينا أن نعد العدة في هذه القضية ... الذين يدرسون
الماجستير لا نجد طالب ماجستير في علم النفس أو علم الاجتماع يطلب منه أن يفهم
مبادئ في علم أصول الفقه أو مصطلحات معينة حتى يستطيع إذا أراد أن يبحث موضوعاً أن
يصل إلى مظانه في المراجع الإسلامية ، فهذه القضية أعتقد أنها مهمة ... وهي مرحلة
سابقة لمرحلة التأصيل ... اعتقد انه يجب أن تسمى مرحلة الإعداد ... إعداد الباحثين
الذين نتوقع منهم أن يقوموا بعملية التأصيل ... الدارسون لهذه العلوم الذين ينتظر
منهم أن يقوموا بعملية التأصيل .
المرحلة
الثانية : وهي التأصيل ... وما أشار لها
الدكتور إبراهيم رجب ... هي مرحلة التأصيل وأنا اعتقد أنها تنقسم إلى قسمين ... لو
سمح لي الدكتور ... ليس شرطا أن ننطلق من ما جاء به الغرب ، هناك أيضا عملية يجب
أن توازي ما جاء به الغرب في نفس الوقت... عملية تقويم ما جاء به الغرب هذا تأصيل
... وأعتقد هو ما تحدثت عنه يا دكتور إبراهيم
، أما ما يجب أن يوجد لدينا باحثون ينشئون
عملية العلم ، أسس العلم الإنساني أساساً منطلقا من العلوم الإسلامية ، نريد
باحثين يبحثون في نظرة الإسلام للنفس البشرية... في تكوين النفس البشرية ... كيف
ينظر الإسلام للعاطفة والمشاعر والهوى والشهوة وكل هذه المصطلحات التي زخرت بها
آيات القرآن ونصوص السنة النبوية ....
نريد من يبحثها أصلاً منطلقاً منها ... من القرآن والسنة ويخرج لنا بنظريات
وتصورات إسلامية بادئ ذي بدء من العلوم الشرعية ... وتكون عملية التقويم عملية
أخرى موازية يقوم بها العلماء أيضا كما ذكرت فضيلتكم .
المرحلة
الثالثة : واعتقد أنها لم يتحدث عنها أو يمكن أشار إليها الدكتور
عبد الرحمن الزنيدي وهي الإبداع ... نحن نريد أن يكون هناك إبداعي بحثي ...لا نريد
أن نقتصر على ما يأتينا من الغرب ... نريد الإبداع ...نريد متخصصين يبدعون في هذه
العلوم.
القضية الثانية ... السؤال الكبير هل منهجية العلوم
الإنسانية في الغرب هي منهجية صالحة أن تطبق العلوم الإنسانية؟ ... المنهجية التي
تطبق في الفيزياء والكيمياء هل نطبق نفس المنهجية على العلوم الإنسانية؟ ... أنا لدى تساؤل كبير جداً ... نحن الآن لو درسنا
نظريات علم النفس قبل 30 سنة كانت هناك نظريات قائمة على التجربة والمشاهدة
والاستبانات وغير ذلك ، ثم بعد 10 أو 15
سنة ظهر أن هذه غير صحيحة أو غير دقيقة ... لأنه وجد هناك خلل في المنهجية
الفلانية ... فأنا أعتقد أنه لابد أن نسأل السؤال الكبير ونوجد منهجية خاصة للعلوم
الإنسانية تنضبط بانضباط علمي أدق مما جاء به الغرب ... وأعتقد لو فسح المجال
للمناقشة فإنه لدى تصورات في هذه القضية قد يمكن أن تطرح أيضاً.
القضية
الثالثة : مقومات التأصيل ... هناك للتأصيل مقومات ... من أهم هذه المقومات الحرية ...
لابد أن أتحرر من كل المذهبيات ، حينما يأتي إنسان بمذهب معين ... مقتنع به فقط
لأجل مذهبيته ويفرضه عليّ لأنه هو رأى الشرع في هذه القضية ... هذه قضية خطيرة
جداً ...كيف يوجد التأصيل إذا لم توجد الحرية في مناقشة النصوص وفي طرحها وفي
عرضها وفي أخذ الآراء الشرعية في مجملها ... وفسح المجال لتحقيقها وتنقيحها والنظر
في صحيحها و غير ذلك . ثم التخصص النقدي ... إذا أردنا للتأصيل أن ينجح لابد من
مقوم التخصص النقدي... لا ينتقدني إلا من هو متخصص في تخصصي ، أما أن يأتي إنسان ليس متخصصا في تخصصي ثم
يحكم على ما أنتجت ... بهذا الحكم البسيط بمجرد كلمة... يلغي وجودي من المجتمع
....أعتقد أن هذه القضية مازلنا نعانيها ... ونحتاج لفتح الباب في هذه القضية
ومناقشتها .
القضية الرابعة :
الدعم الشامل للتأصيل ... التأصيل لا يقوم بجهد فرد أو أفراد أو اثنين أو ثلاثة ... هذا يحتاج إلى
مؤسسات ... يحتاج تكاتف ... يحتاج دعم
حكومات ... يحتاج إنفاق أموال ... يحتاج استقطاب المبدعين حتى يستطيعوا أن يقدموا
شيئاً ... ثم التطور التقني في وسائل الإبداع ووسائل البحث أيضا ... ولذلك اقترح
أن يوجد في هذه الندوات أوراق عمل يكلف الباحثون في إعداد أوراق عمل في جزئيات
معينة من هذا التأصيل ، حتى نحضر المنهج الكلي للتأصيل أوراق عمل في المنهج ، في
المفهوم في غيرها ... نناقش في حلقات عمل مفصلة ومسهبة ...ثم بعد ذلك تكلف هذه
الجهات بأبحاث ودراسات نخلص منها إلى نتائج قائمة على بحث علمي صحيح ... ثم تكتب
وتصاغ صياغة سليمة ... وتكون جهود متميزة
مبنية على منهجية علمية ...وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مدير الندوة أ. د. راشد الكثيري
جزاكم الله
خيرا وأخص الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الحمد .. ولعلي أذكر الإخوان بأن هذه هي
أولى المحاضرات أو الندوات التي سيعقبها ندوات أخرى إن شاء الله ... كنا قد خططنا
لندوتين وفي هذه اللحظة فزنا بندوة ثالثةوسيتحدث فيها الأستاذ د. عبد الرزاق الحمد
إن شاء الله أما الندوة الثانية فسيتحدث فيها الأستاذ الدكتور عبد العزيز النغيمشي
والدكتور عبد الله الصبيح بعنوان "التأصيل الإسلامي للعلوم من النظرية إلى
التطبيق" ... والحقيقة أن محاضرة اليوم في التنظير للمفهوم وللمنهج ...
وسنبدأ إن شاء الله في المحاضرة الأخرى لننتقل من التنظير إلى التطبيق .
الأستاذ الدكتور توفيق القصير :
بسم الله الرحمن الرحيم ... شكراً للندوة العالمية للشباب الإسلامي على إحياء هذه المناسبات التي
تفقهنا بواقعنا ... والتي نكشف مدى الخلل الموجود في كثير من عناصر المجتمع الذي
نعيش فيه ... الحقيقة أنه بالنسبة إلى تأصيل العلم المطلق ... أنا اعتقد أن هذه
كلمة غير دقيقة ... لأننا نرى في الآونة الأخيرة خاصة مع الفكر الإسلامي ونشاطات
الدكتور طه جابر العلواني والإخوان في المعهد العالمي للفكر الإسلامي عن موضوع
تأصيل العلوم ... أعتقد يمكن أن تأصيل
العلوم في قضايا معينة فقط ... مثلما تكلمتم الآن عن علم الاجتماع ... لكن تأصيل
الذرة أو الكيمياء والكهرباء هي مؤصلة من
أصلها أو هي أصيلة ... ربنا خلق هذه
الأشياء للانتفاع بها ... وهي كتطبيقات يمكن فيها نظر ... ولكن هذه العلوم مؤصلة
... لا تحتاج لتأصيل ... إلا إذا أردنا أن نضيف أشياء لا تحتاج إلى إضافة .
الحقيقة
من استماعي للأخوين الكريمين الدكتور إبراهيم رجب والدكتور عبد الرحمن الزنيدي -
نفع الله بعلمهما - أحس أنه هناك مأزق ...
نحن عندنا العلماء أمثالهم وأمثال كثيرين من الإخوان الحاضرين ... وأنا لست من
علماء الاجتماع ... وعندنا مؤسسات أهلية ومراكز أبحاث أو مؤسسات مجتمع مدني ...
طبعا يقتضي الأمر أن يكون هناك حرية كما قال الدكتور عبد الرزاق الحمد . وهناك
المؤسسات السياسية ... الآن بعد الاقتناع
بعلم اجتماعي موافق للكتاب والسنة هناك سؤال ... كيف سيتم إسقاطها وتطبيقها على
واقع الحياة؟ ... نفترض أننا خرجنا بعد 20
سنة أو 30 سنة بعلم اجتماع نعتقد أنه علم اجتماع إسلامي خالص توافق عليه الأكثرية
، كيف نطبقه على واقع الحياة الاجتماعية
اليومية؟ يعنى كأني ألاحظ أن هناك تجاهل
أو تحييد لأدوار المؤسسات السياسية التي تريد بإدراك أو بعض الأحيان بدون إدراك أن
تفرض نمطاً معيناً ، أو في الحقيقة هي تسعى إلى ترك المجتمع يتكيف مع الواقع الذي
تخلقه له ، أيضا بقصد وإدراك أو بدون قصد... بصورة عفوية أو جهل ... يعنى مما سبق كسؤال آخر : هل نريد أو
تريدون أنتم ومجموعة العلماء أمثالكم في علم الاجتماع المسلمين أن يكون لدينا علم
اجتماع يقرؤه الآخرون فنعتدّ بأن عندنا علم اجتماع متميز يختلف في أصوله وتطبيقه
عن العلوم التي لدى الغرب؟ ... أم علم يطبق في واقع الحياة ... يعنى علما نعيشه ... وإذا كان علم يطبق في واقع
الحياة ... عندنا إشكالية الآن ...كيف
نقنع الآخرين بتطبيق هذا العلم في هذه الحياة أو في أسلوب عيش المجتمع الإسلامي ؟
... يبقي عندنا مأزق التطبيق ... فنعيد مرة أخرى أنه المؤسسات السياسية تلعب دور
...ومؤسسات المجتمع المدني تلعب دور في تطبيق هذه العلوم ونقلها من النظرية إلى
الواقع وشكراً .
الأستاذ الدكتور محب الدين أبو صالح :
بسم الله
الرحمن الرحيم ...وحمداً لله وصلاة وسلاما على رسوله وبعد ... فشكراً للندوة
العالمية للشباب الإسلامي في إقامتها مثل هذه اللجنة التي يحتاجها المجتمع المسلم
في هذا الوجود ... بل تحتاجها الإنسانية ... لتعود تحت قيادة المسلمين الواعين
الفاهمين الناضجين ،كما قاد المسلمون قديما المجتمعات في هذا الوجود ... لا أريد
أن أطيل ... أريد أن أداعب أخي وحبيبي الدكتور إبراهيم رجب في بعض ما جاء في ورقته
الغنية والمفيدة .... فأنا أرى أن جوانب التصور الإسلامي ليست هي فقط الإنسان
والمجتمع والوجود ...وأتصور أن الأفضل لو قلنا في ضوء "التصور الإسلامي
للألوهية والإنسان والكون والحياة" لأن موضوع الألوهية له تأثير كبير في
توجيه العلوم والمفكرين وأهل مناهج البحث .
النقطة الثانية : استعمال كلمة
نقد ونقدية ... أتصور أنها تجعل في النفس البشرية منها شيئا ... يعني انطواء ...
لماذا لا نستعمل كلمة تقويم وتقويمية ... لعلها تؤدى المعنى إلا إذا كان هناك غرض
آخر ، لكن رأيت أن كلمة نقد تعنى معرفة نقاط الضعف والإيجابيات والقوة ... ويمكن
كلمة تقويم قد تكون هي المعنية ....ثم في فقرة (ج ) "القيام بتلك الفقرة
الابتكارية اللازمة لإيجاد تركيبة تجمع بين معطيات التراث الإسلامي" ... أنا
أرى أن تغير لنقول "معطيات التصور الإسلامي" أو معطيات الإسلام ... لأن
بعض الناس يفهمون من كلمة التراث الإسلامي فقط ما جاء في كتب علمائنا ، وينظرون
إليه تلك النظرية التقديسية التي قد تولد شيئاً من المشكلات ... فلعل إذا وجدتم
هذا فلا بأس .... أيضا في التعريف المقترح ... أرجو تعديل كلمة "ويتم في
إطارها استخدام ذلك التصور الإسلامي" عوضا عن كلمة استخدام أن نقول
"تحكيم التصور الإسلامي" ، فقد يكون مفيداً أكثر من هذا ... من الأمور
العامة ... الحقيقة لابد أننا ننظر في شروط أو مواصفات من يعمل في مجال التأصيل
الإسلامي ، وهذا ما أشار إليه الإخوان السابقون ... ليس كل إنسان اهتم بالموضوع
كان أهلاً لتقديم المرئيات وتقديم الاقتراحات ... فلابد من وجود مواصفات وشروط ...
الآن لا داعي للدخول فيها ... لابد في
قضية المنهج في الحقيقة أن نؤمن أن كثيراً مما جاء من مسلمات في ميادين بعض العلوم
التي كانت عند علمائنا ...ينبغي أن نعيد النظر فيها فقد كانت تلك المسلمات عندهم
مسلمات ...ولا يشترط أن تبقي مسلمات عندنا نحن في مجالات العلوم .
ومن هذا يعني أننا قد نتعامل معهم على
مبدأ نرجو شفاعتهم ونرد روايتهم ... أي نرد ما وصلوا إليه باجتهاداتهم وفي نظرهم
... وإن كانوا أهل علم وأهل فضيلة... في مجال التأصيل ... حقيقة من أهم الميادين
التي في تصوري أنها إن شاء الله تعالى بدأت تنجح ولو بجوانب التنظير... في مجال
العلوم التربوية استطاع المختصون بهذا المجال والباحثون فيه ... لأن عددا غير قليل
منهم توافرت فيهم الشروط التي أشرت إليها وينبغي أن تتوافر ... وبدأوا يدرسون
وتغيرت بعض الاتجاهات عندهم ... وأنا منهم ... في أول دراستي للتربية الحديثة كنت
أري أن هذه التربية هي المثالية وأبحث ماذا يوجد في الإسلام مما يوافقها ... وبعد ما أكرمني الله وتعرفت على الإخوان وعلى
الفكر ... في الحقيقة رأيت ...أن عندنا نحن الأصل وهم الآن يلحقون بنا ... لذلك
كان من أهم الموضوعات التي أثيرها في بعض المنتديات ...الاتجاه التربوي المعاصر
...و ... نحو مفاهيم التربية الإسلامية ... وقطعاً بدراسات إن شاء الله تعالى
علمية ، أريد أن انتهي ، فالأسئلة التي طرحها أخي الحبيب الدكتور الزنيدي أسئلة
هامة جداً ... ومن أهم ما هناك الحقيقة قضية مشكلة الكم على حساب الكيف ...وقد
رأينا بعض أناس نعرف فكرهم واتجاهاتهم بدءوا يكتبون في التربية الإسلامية وقلنا إن
شاء الله سيكون كسبا للقضية ... ولكن الأمر كان فيه ما فيه ... قضية أثارها أوقفتني
... "التأصيل قضية عقدية إسلامية" ... لكن التأصيل عملية اجتهادية ...
فأنا قد لا أقبل ما وصل إليه بعض المؤصلين ... لذلك - إلا إذا أنا فهمت خطأً -
فأنا قد لا أقبل ما وصل إليه بعض المؤصلين ... فأرجو ألا يوقعنا هذا في الطعن في إسلامي وفي عقيدتي ...لأن التأصيل هو عمل
اجتهادي كما ذكرت...التأصيل أو الأسلمة هو كما قلتم عمل اجتهادي ...أما اعتبار
التأصيل قضية عقدية فإن من لا يقبلها يكون هناك نظر في قضية إسلامه ... الحقيقة أن
وجود مناهج بحث ومعطيات تفيد عملية التأصيل ... مدى التفاعل معها أمر هام جداً ...
قضية الشرعيون والتأصيل هي قضية خطيرة ... ليس كل من درس العلوم الشرعية يستطيع أن
يعمل في التأصيل في هذه العلوم الاجتماعية مالم يدرسها دراسة جيدة وعميقة كما ورد
في ورقة أستاذنا وأخونا الدكتور إبراهيم رجب ... وجزى الله خيراً من أعد بعض
الباحثين والدارسين ... فأنا أذكر على سبيل المثال أستاذي الدكتور الدمرداش عبد
المجيد سرحان - أدعو له يا أخواني - فكان يقول لي يا محب الدين ما لم تتعلم
التربية كأي مرب آخر مختص ما أعطيك الدكتوراه في التربية ... و إن كنت متخصص شريعة
وهكذا لما تطلع تروح تخطب خطب .. أنت تحتاج أن تتعلم التربية لتستطيع من خلال ما
تتعلمه ومن خلال ما عندك من معرفة شرعية متواضعة حسب تخصصك أن تخدم التربية
الإسلامية ... كان التوجيه منه جزاه الله خيراً في الحقيقة مفيدا وبناء... وأرجو
من الله إلا يؤاخذني عن تقصيري في هذا المجال،
والسلام عليكم ورحمته وبركاته .
أ. مرزوق محمد العشير :
بسم
الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله رب
العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم... اسمحوا لي أيها
الإخوان الأفاضل الكرام أن أتحدث عن تجربتي في الدراسة والتخصص ... أنا درست
العلوم السياسية ... ثم انتقلت لعلم الاجتماع
...ثم أنا الآن أدرس السياسة الشرعية ... والدكتور عبد الرحمن الزنيدي هو
المشرف عليّ في الدكتوراه ... ولو كنت أعرف أنه هنا ما أتيت لأنه أعطاني مؤخراً
سنة أخرى تمديد وقال لي أريد منك أن تعتكف في محراب الرسالة ، والآن سيحاسبني على
هذا الحضور ... فحقيقة التأصيل مهم جداً ...ربما هناك أناس لا يدركون أهمية
التأصيل... نحن بحاجة للتأصيل في كل جانب في حياتنا ...كذلك أدعو إلى الاهتمام
بنظرية عامة للتأصيل ... ليس لتأصيل العلوم فقط وإنما لتأصيل العلم والعمل ...
وتأصيل الحياة كلها ... لأنه كما نعرف ديننا الإسلامي دين شامل للحياة بمختلف
جوانبها ... وهذه السنين الطويلة التي مرت بها الأمة وفُصل بين الدين وحياة
المسلمين في كثير من جوانب الحياة ... يجب أن نهتم من الآن فصاعداً بإعادة الأمة
في جميع جوانبها وشؤونها وعلومها إلى
الدين الإسلامي ... فديننا شامل وصالح لكل هذه الأمور ... التأصيل مهم للعلوم لأن
تأصيل العلم هو مدخل لتأصيل العمل ... لأننا نريد العلم والعمل النافع ... لأننا
لا ندرس التأصيل لمجرد التنظير فقط ...
ولذلك نريد من التأصيل أن ينعكس في كل شؤون حياتنا ... لتصبح حياتنا كلها عبادة ... الإنسان ما خلق
إلا لعبادة الله عز وجل ... والعبادة
مفهوم شامل ... كل ما يحبه الله من الأقوال و الأفعال ... الظاهر والباطن ... في
العمل في الوظيفة في الدراسة في المسجد في الصلاة كلها عبادة .
الدكتور
إبراهيم رجب جزاه الله خيراً أشار في الصفحة الثالثة إلى إعادة ترتيب المشاهدات
المحققة وإعادة تفسيرها في ضوء الأطر النظرية المستمدة من معارف الوحي ... أنا
أذكر في سنة من السنين طلب مني أحد الأساتذة في علم الاجتماع أن أعمل بحثا فعملت
له بحثا ... وبحكم النشأة التي نشأتها ناقشت الأمور الاجتماعية من وجهه نظر شرعية
وبالأدلة والأحاديث وهكذا ... قال لي بحثك جميل جداً ولكني لا أقبله منك ... لأنك
لو تدرس في الشريعة لقبلته وأعطيك امتياز ... لكن أنت تدرس هنا علم الاجتماع ...
فإذن تناقشه من وجهة النظر الاجتماعية البحتة فقط ...يعنى فصل بين حياتنا وديننا
... يعنى هم كما ذكر الدكتور الحمد جزاه الله خيراً يعنى هم درسوا في الغرب وأتوا
بنظريات غريبة ولم يطلعوا على علوم الشريعة ... فيريدون أن يدرسونا هذه الأشياء
التي درسوها ... وفاقد الشيء لا يعطيه أنا اعتقد لو انفتح الكثير من المتخصصين في
العلوم الاجتماعية على علوم الشريعة
لوجدوا ثروة هائلة يستطيعوا أن يستفيدوا منها في تخصصاتهم الإنسانية والاجتماعية
... وهناك تجارب لبعضهم في هذا المجال ...
هناك من الإشكاليات التي نريد من
الدكتور رجب أن يعطينا حلاً لها ... يقولون أن علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية
تدرس الواقع كما هو ، والدين والشريعة تدرس ما يجب أن يكون عليه الواقع ...إذن لا
مجال هنا للتأصيل ... لأنك تريد أن تجمع بين شيئين مختلفين ... هذا يدرس ما يجب أن يكون ... مثالية ... ونحن
ندرس في علومنا الاجتماعية ندرس الواقع ... هذه الإشكالية أود من الدكتور رجب أن
يتطرق لها ... أعتقد أنه من معوقات التأصيل مثل ما ذكرت أن هناك فجوة بين علماء
الشريعة والمتخصصين في العلوم الشرعية وبين المتخصصين في العلوم الإنسانية
والاجتماعية وغيرها ، ليس هناك تواصل حتى بين التخصصات الجامعية لا تواصل...واعتقد
أن التقاءهم مع بعض في ندوات مشتركة وفي بحوث مشتركة أيضاً ... حبذا لو هناك قضية
علمية اجتماعية أو نفسية أو تربوية يبحثها المتخصص في التربية والاجتماع بالاشتراك
مع متخصص الشريعة يكون تخصصه الدقيـق له علاقة بهذه الجزئية ... ربما نجد ثمار
جيدة لهذا التعاون في هذا المجال و أرجو أن لا أطيل عليكم . والسلام عليكم ورحمة
الله .
الدكتور حميد الشايجي
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله ... والشكر موصول للأستاذين الفاضلين الدكتور
إبراهيم رجب والدكتور عبد الرحمن الزنيدي .
أريد أن أؤكد على نقطة هامة
وهي التي ذكرها أخي الدكتور القصير ... في
قضية ماذا نريد عندما نؤصل علم الاجتماع ؟ هل نريد أن نباهي الآخرين بأننا عندنا
علم كما هو عندكم ؟ أم نريد أن ننزله على واقعنا تطبيقا في حياتنا اليومية ؟ أم
ماذا ؟... ما هو المطلوب من هذه القضية .
الإشكالية
كما تعلمون أن العلوم الاجتماعية أو الإنسانية بشكل عام هي أصبحت تسير العالم ،
فمعظم الاحتلال للعالم بالذات للعالم الإسلامي كان من خلال مفكرين ومنظرين في
العلوم الإنسانية وكانوا هم بداية قوافل الغزو للبلدان الإسلامية ... والمسير
للفكر في العالم الإسلامي اليوم هم المنظرون في هذه العلوم .
إذن
فنحن نحتاج إلى إعادة نظر وغربلة لهذه العلوم لكي تتواءم مع حياتنا ولكي تسير الإنسانية جمعاء وليست فقط
في بلادنا العربية أو الإسلامية ... لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل للعالمين ... ومن هذا الجانب
ومن هذا المنطلق لعلنا نستطيع أن نقود هذه البشرية لطريق الهداية من خلال تصحيح
وتقويم ما هو موجود ، والإضافة له ... ففي الحقيقة ليس كل ما هو موجود في العلوم
الإنسانية سيء أو أمر فاسد أو أمر سيء محض ...
بل هناك بعض النظريات عندما أنظر إليها في مجال تخصص في الحقيقة أحيانا أشك
بأن هذا الشخص الذي ألف هذه النظرية إما أنه اطلع على التراث الإسلامي أو كان له
صلة بالعالم الإسلامي ... على سبيل المثال نظرية تسمى الاختلاط التفاضلي لساذرلاند
عندما يتحدث عن دور الرفقة والصحبة وتوجيهم للشخص للانحراف نجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم تحدث قبل هذا عن دور الصاحب وأثره ... عندما
يتحدث هيرشي عن الضبط الاجتماعي نجد أن القضية موجودة عندنا ...عندما يتحدث
دوركايم عن أثر العقل الجمعي في توجيه سلوك الإنسان ونلاحظ حديث رسول الله في قضية
الجماعة وأثرها في الإنسان ، فإذن هناك بعض الأساسيات التي ممكن أن أبني عليها
وأستفيد منها وأعيدها إلى طريقها الصحيح .
الإشكالية
هنا وهي بالذات في علومنا الاجتماعية وبشكل خاص عندما نتحدث عن علم الاجتماع في
العالم العربي للأسف نحن نعيش في أزمة ... الأزمة ذات شقين :
الشق الأول : هناك من تأثروا بعلم اجتماعي سواء كان في منظومته
الغربية أو منظومته الشرقية الماركسية فنلاحظ أن من ثاب من الماركسيين وعاد ...
نجد أنه يحاول أن يؤلف في مجال التأصيل من مبدأ التسويق للكتب ... فكل ما فعله أنه
حذف كلمة ماركسي من كتابه القديم ووضع كلمة إسلامي وسوق هذا الكتاب... وليس هذا هو
المطلوب في قضية التأصيل القضية أكبر من ذلك
وأعم ...إذا نحتاج إلى إعادة نظر ...
الإشكالية الثانية :
وهي قضية أن هناك بالفعل من هم متحمسون لقضية
التأصيل ... يعني هناك حوالي 6 أقسام أو 7 أقسام لعلم الاجتماع في الجامعات في
المملكة ... وهناك بعض المتحمسين ... كما هو موجود بعض أقسام علم الاجتماع في
العالم العربي والإسلامي .... لكنهم يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم إلى الطريق السليم
أو بر الأمان .
الإشكالية أن هناك صراع موجود
بينهم وبين الآخرين الذين يرون أن علينا أن نأخذ بنظرية علم الاجتماع كما هي
ونطبقها على واقع حياتنا الاجتماعية وتقود حياتنا في مجتمعاتنا ... الإشكالية أن
هؤلاء يعوزهم ما تحدث عنه الدكتور إبراهيم رجب في النقطة (ب) كثير منهم يعوزهم
قضية فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين من الكتاب والسنة في
مختلف العصور لكي نعطيه الآلية التي تعينه في قضية التأصيل ... هو فاهم ومستوعب
العلم الحديث في مجاله ... لكن لم يستوعب العلم الشرعي الذي يعينه في قضية التأصيل
وهنا تكون إشكالية .
كما
نؤكد على ما قاله أستاذنا الفاضل محب الدين
أبو صالح أيضاً من أن علماء الشريعة لا يفتح لهم المجال على مصراعيه في
تأصيل علم الاجتماع لأنها قضية أيضاً خطيرة ... على عالم الشريعة أن يأخذ أيضا
بالنقطة الأولى وهي فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقي حالات تطورها وتحليلها
لكي يستطيع أن يدخل من خلال ذلك في عملية التأصيل بالشكل الصحيح ... وليس عن طريق
النقد غير المؤسس على دراسة ... أذكر أني ذات مرة كنت أعرف عن تخصصي في لقاء ما
... فأجد أحد الحضور عندما ذكرت أن تخصصي علم الاجتماع فقال (أعوذ بالله )
... طبعا هو انطلق من منطلق هذا العلم ...
ومن الأسس التي انطلق منها هذا العلم في بداياته الحديثة ... لكنه لا يعلم أن هذا
العلم كان علما عربيا في الأصل ... لكن من نظر فيه في العصر الحديث هم الغربيون
... و قد أفلحوا ونجحوا ... لذلك القضية تحتاج إلى إعادة نظر من هذا الجانب واعتذر
عن الإطالة ، والسلام عليكم .
د. عبد الإله
المشرف
بسم
الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... في الحقيقة
أشكر إتاحة هذه الفرصة لي ... وأرى أن الموضوع حيوي ومهم ... أنا كنت وضعت بعض
النقاط ... كانت كلها يمكن أن تناقش ... ولكني سأركز على بعضها فقط ...إن التأصيل
هو قضية هامة وأساسية ومهمة جداً ... بل هي هامة في كل جوانب حياتنا ... ويمكن
سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية ... كل هذه تحتاج فعلا إلى تأصيل ... ولو
نظرنا لكل الجوانب لوجدنا أن التأصيل فيها فعلاً مهم .
أضرب مثلاً ... قضية عندما تقرأ أي
كتاب أو جريدة أو مقال ...كيف ينظر إلى النمطية في الإقناع والمرجعية في الاستدلال
وما العلاقة بين العلوم الطبيعية أو الشرعية ...هناك مصطلحات كثيرة جداً سادت
عندنا ... لو قلت مثلاً الآن أثبت الدراسات العلمية ... كلنا سننطلق إلى دراسة
معينة ... فكأن القرآن والسنة ليست داخلة ضمن المسمي ... لو أقول ثبت علمياً مثلاً
... فأنا أقصد أنه في الحقيقة التأصيل نحتاجه علمياً وعملياً ... في ظني بصراحة
أتذكر من واقع عملنا في مادة العلوم وضعنا صورة للنظافة لطالب يتوضأ على اعتبار أن
الوضوء جزء من النظافة ... فجاءتنا بعض
الملاحظات من الميدان أن هذا يوضع في الفقه ... فالحقيقة أن الرأي العام يحتاج إلى
تهيئة لقبول هذا الأمر ... هذه مهمة جداً
... أنت تغرد خارج السرب إن كنت تتحدث عن هذه القضية ... ففي الحقيقة أن بعضهم قد
يستنكر عليك قضايا في ظني أنها في الصميم ... وأنت لسيادة ذلك المنهج المادي إن صح
التعبير الذي أصبح في الحقيقة هو الأساس ...فأرى حقيقة ضرورة التهيئة لتعريف الناس
بأن هناك مشكلة ... و يحتاج الأمر إلى عمل فريقي وقرار سياسي كما قال الدكتور
القصير ... فالمسألة ليست دراسة وبحوث فقط
... وآخر نقطة أنه لابد من بناء الاستراتيجية وهي تتضمن التهيئة للرأي العام
وتتضمن تحديد حاجاتنا للتأصيل . ... لا نستطيع أن ننقل المجتمع نقلة واحدة ... هذه
أحد الأمور ... في ظني أنه لو صمم نموذج
عملي تطبيقي ... اعتقد أن التجربة التي نفذت في دمشق في تعريب العلوم الطبية هذه
جزء من التأصيل ... هناك في الحقيقة جوانب كثيرة ممكن أننا نبدأ بها .
د. إبراهيم بن حمد النقيثان
الحمد لله والصلاة والسلام على
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ... بداية نشكر للندوة العالمية للشباب الإسلامي هذه الخطوة بإنشاء هذه اللجنة ... وإقامة هذه الندوة... وندعو الله أن يبارك في
جهودهم ويوفق العاملين فيها .
كما أشكر محدثينا على ما أفادونا
به ... ولدى تساؤل مشوب ببعض الحزن أو الألم وهو يتعلق بمصطلح التأصيل ... هذا
المصطلح رغم مرور أكثر من ربع قرن على الأقل في تخصصي وهو علم النفس ... إذا كان أول لقاء جمعي كان في
جامعة الملك سعود عام 1398م حيث عقدت ندوة بعنوان الإسلام وعلم النفس و منذ ذلك
الوقت وحتى الآن ... وكما طرح محدثونا
أثابهم الله ... وإن كان التعريف متكاملا أو
يكمل بعضه بعضا ... لكن لازالت هذه المشكله... أنا لا أتحدث عن الجهود
الفردية ... وإلا الجهود الفردية تؤرخ
ببحث الدكتور محمد عثمان نجاتي في تخصص علم النفس 1942 ، 1943 ... ربما كما أشار
إلى ذلك في كتابة القيم الدكتور عبد الله الصبيح (تمهيدا في التأصيل ) ... أقول
وحتى بعد ما يزيد على ربع قرن وحتى الآن المصطلح لم يلتق المتخصصون حول تعريف محدد ... فهل يا ترى أن السبب في ذلك راجع إلى
عدم فرص اللقاء بين العلماء المختصين ... أم هو الاعتماد والتواكل على مؤسسات
رسمية تكون البيروقراطية فيها عائقا عن التواصل بين المختصين ... نتمنى في هذا
اللقاء أن نخرج بمصطلح للتأصيل ثم تكون بعده الخطوة أسهل لأننا نعتمد على تعريف
إجرائي لهذا المصطلح وجزاكم الله خيراً .
الأستاذ الدكتور عبد العزيز النغميشي
بسم الله وصلى الله وسلم على رسول
الله .. أشكر الندوة العالمية للشباب الإسلامي لإتاحة هذه الفرصة ... ولتبني العمل
لموضوع التأصيل ... والاتجاه به لعل الله سبحانه يكتب الخير في هذا ... الحقيقة
أنا أقول أن ما تحدث عنه الإخوان و ما علق عليه الإخوان ضرب على أوتار حساسة جداً
ومهمة ... ولكن الذي أراه أن نتخفف من التنظير وأن نتجه إلى التطبيق ... وأعتقد أن
هذا يمكن أن يتحقق أو يمكن تحقيقه ... وذلك لأسباب عديدة ... منها أن القرآن عندما
نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما كان الرسول يوجه أصحابه رضوان الله عليهم
عبر سنته فإنه كان هناك إن صح التعبير مساران : مسار عملي و مسار توجيهي أو يمكن
أن نقول تنظيمي أو تقعيدي.
ولهذا فيما اعتقد أن هذا ما أشار إليه
الدكتور الزنيدي ... أن هذا وجه من وجوه الصحوة الإسلامية ... العناية بالتأصيل
... والاتجاه إلى الجانب المنهجي لبناء الأمة والإسهام في بناء الشخصية المسلمة .
فأعتقد أن المسار الذي تسير
عليه الصحوة الإسلامية يتواكب فيه خطان... خط تستطيع أن تقول عنه خط دعوى وتربوي
وسياسي ... في نفس الوقت يصاحب هذا الخط خط آخر له طابع تنظيري وتطبيقي... ولكن هناك حاجة ماسة إلى الخروج من التنظير إلى
التطبيق بوزن كاف ومناسب ... وإن صح التعبير أن تقول عنه مقنع في الجانب التطبيقي
... هذه نقطة . وفيما أعتقد ...و أقصد
كلمة اعتقد ... لأن هذا التوجه هو الذي أتوجه به أنا شخصيا فيما أكتب ومع طلاب
الدراسات العليا أو المرحلة الجامعية.
الجانب الثاني وهو أيضاً مرتبط بهذه
المسألة وأرى أنه مهم... وقد ضرب عليه كثيرا من بعض الإخوان عن علماء الشريعة ...
وأنا لا أنظر له من هذه الزاوية... ولكن أنظر إليه من زاوية ما يسميه الدكتور عبد
الرزاق الحمد ( الإعداد ) ... فأنا أقول إن الإعداد ينبغي أن يرتبط بالمحك العملي
كما ذكر الدكتور إبراهيم النقيثان... لأنه من حوالي أكثر من 30 سنة القضية مطروحة
على مستوى ندوات ... وإن كانت من قبل مطروحة على مستوى أفراد ولكن نحن نحتاج أن
نقول للأفراد اعملوا واصدقوا ... ومن خلال المحك العملي سوف يكتشف أنه يحتاج أن
يسدد وأن يرجع إلى المراجع وأن يتصل بعلماء الشريعة ويتعرف على الكثير من القضايا
المنهجية التي تحتاج إليها .
إذن لابد من الإعداد ... إعداد الباحثين ... إعداد العملية المنهجية ... إلى
آخره . فلهذا أؤكد على التخفف من التنظير والبدء في التطبيق على أن هذا هو الأساس
في نظري الطريقة الإسلامية و الطريقة العملية والخطو إلى خطوات عملية ... والله
أعلم والسلام عليكم .
الأستاذ الدكتور عبد
القادر عرابي
بسم الله الرحمن الرحيم ...اعتقد
أن الموضوع هام جداً ... لأنه يتعلق بالثقافة والشخصية والوجود ولكن لدي بعض
الملاحظات ...الملاحظة الأولى ... يبدو لي أن الطرح أقرب إلى رغبات وأمنيات أقرب منه إلى الواقع ... يعني
الحديث يدور عن التأصيل ... أين تأصيل المجتمع هل هو تأصيل منهج ... إذن لابد أن
نتحدث عن التأصيل الاجتماعي.
الملاحظة الثانية : لم أجد في الحقيقة في هذا الطرح رؤية منهجية ونظرية متكاملة عن
الأسلمة...أنا رأيت جمعاً من هنا وهناك دون أن أجد مثل ما قلت منهج نظري متكامل
برؤية متكاملة عن الأسلمة ...ما هي الأسلمة ؟ هل أن الأسلمة عبارة مفهوم أو هي
أسلمة العلوم الاجتماعية في المجتمع ... أين المجتمع فعلاً ... اسمحوا لي أن أقول
أنه علينا أن نتحدث عن الأسلمة خصوصا فيما يتعلق عن أسلمة المجتمع يعني العلوم
الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع .
الملاحظة الثالثة : إن أي رؤية عن الأسلمة تحتاج إلى التنظير والمنهج ... أين التنظير عندنا ؟
...إن الجانب التنظيري المتعلق بالعلوم الاجتماعية غائب جداً... وبالتالي أي تنظير أو أي إبداع لابد أن يهتم
بالدراسات الاجتماعية ... أي نتتبع دراسة الفكر العربي الإسلامي في علاقته
بالمجتمع في المراحل المختلفة وتقدم الأسلمة حلول للمجتمع المعاصر فمشكلتنا ليست
أن نتحدث عن الأسلمة ولا تقدم حلول .
مجتمعنا حاليا ... نحن في علم
الاجتماع هناك أسئلة كثيرة ... ليس هناك
حلول ... نقدم نظريا عما مضى ... ولكن نهمل الواقع المعاصر ... وأعتقد أنها إحدى
المشاكل الأساسية عندنا .
النقطة
الأخرى ...قدم الدكتور رجب خطوات المنهج ... فهل يكفي أن نقدم خطوات المنهج دون أن
نربط هذه الخطوات بالمجتمع ؟... كنت اليوم أقرأ لبلومر ... يقول أنه ليس المنهج
مجرد خطوات وإنما المنهج هو الذي ينطلق من الواقع .
نقطة
أخرى اسمحوا لي ...هناك قراءات مختلفة شرعية واجتماعية ...أنا ادرس المجتمع ... ولكن كيف أن نستطيع أن
نوفق ... فبالتالي يعني أني رأيت أن هناك اختلاف بين علماء الشريعة وعلماء
الاجتماع ... واقترح أن يكون هناك تشكيل للجنة من علماء الاجتماع بالمملكة
والشريعة لوضع تصور عن هذا الموضوع .
الدكتور سعد الشدوخي:
بسم
الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله ...في الحقيقة أن ما تفضل به
الإخوان على درجة كبيرة من الأهمية ... وإن كان الأمر يبدو لي خلافا لما أشار إليه
الدكتور عبد العزيز النغيمشي من عدم الإغراق في التنظير والانطلاق إلى التطبيق ...
مع أهمية التطبيق إلا أننا بحاجة ليس إلى التنظير وإنما إلى ما قبل التنظير
... وهو البحث على المستوى الفلسفي
... ويمكن أن يقال عنه وبخاصة أن نضع بين
قوسين ما يمكن أن نسميه فلسفة للعلوم ... ونبحث في القضايا الكلية الكبرى ، الكون
والحياة والإنسان والمعرفة ... ولما أشار إليه الدكتور محب الدين أبو صالح في
علاقتها بالألوهية ... والعلاقة بين هذه كلها معا ... وتأسيسها ليس بالطريقة التي
بحث بها كثير من الكتاب حينما تبحث ، لكن بغرض أن تكون أساسا تبنى عليه فلسفة
للعلم... فإن أي موضوع يمكن أن نناقشه من زوايا عدة ... فالتصور الإسلامي عن الكون
والإنسان بحثت ... ولكن تلك البحوث لم تكن تبحث لتأسيس فلسفة لعلم ... سيكون
التناول لها مختلفا وأيضاً البحث فيها مختلفا ... وما يظهر لي وبحكم أني شغلت نفسي
بهذه الموضوعات فترة من الزمن أجد أنه مهم حتى يكون واضحا ما هو مفهوم العلم ...
وأيضاً ما هي غاية العلم ووظيفته ...وما مدى ارتباطه بالوجود والحياة ... وأيضاً
يتصل به التساؤل حول هل نحتاج إلى تأصيل العلوم الطبيعية أم لا ... والتي سمعت من
عدد من الإخوان أننا لسنا بحاجة لمثل هذا ... مما اختلف معه اختلافا كبيراً جدا
... فإنه وإن كانت الحقيقة في الأصل محايدة ... ولكن هناك قضايا كثيرة مهمة للوصول
إلى الحقيقة من جانب ولربط الحقيقة بغاية وجودها من جانب آخر ...ولربطها بوجود
الإنسان ... وكلها تشكل عدة طرق لرؤيتنا نحن المسلمين للوجود ورؤية غيرنا ... لعلى أقف عند هذا القدر . ..وهنا
أشياء كثيرة كنت أود ذكرها ولكن الوقت لا يكفي .
الأستاذ محمد الناجم :
بسم
الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين . إني أضم صوتي إلى الدكتور
النغيمشي في الحقيقة نحن بحاجة فعلاً إلى التطبيق بمختلف أنواعه وأشكاله... فالمفاهيم الإسلامية والمصطلحات التربوية
لترسيخ الحقيقة في أذهان الناشئة وتعزيز الهوية لديهم مطلوبة ... فنحن بحاجة إلى
التطبيق الميداني ... والأمر الثاني نحن في حاجة ضرورية إلى إعداد وتكوين علماء
ذوى مهارات وصفات خاصة يتحملون عبء أسلمة العلوم عامة والعلوم التربوية بصفة خاصة
... وعدم ترك المجال لذوى الأهواء ... أو ذوى المهارات المحدودة ... لممارسة تطبيق
المفاهيم في الساحة التربوية في البلاد الإسلامية ... وهذا ما وجدناه في بعض
الزيارات لبعض الدول ...الحقيقة نحن بحاجة لإعداد علماء ذوى مهارات خاصة في هذا
الموضوع .
والأمر الثاني : أرى أننا
بحاجة كذلك إلى إنشاء مراكز لوضع المعاجم الخاصة بالمصطلحات العلمية في مختلف
الفنون والعلوم ...و إيضاح المفهوم التربوي الإسلامي لها ... ليكون في متناول المثقفين والباحثين . ...هذا
ما أحببت أن أوضحه .
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة
والسلام على رسول الله ...إن القضية التي
أثارها كثير من الإخوان - قضية الجانب الشرعي - وكونه مطلبا واضحا من كل المتحدثين
...أن يصبح جزءا من هذا العمل ومتطلبا لهذا العمل ... والإخوان في الجانب
الشرعي - وقد تطرق لها الدكتور عبد الرحمن –
الإخوان يتخوفون ويريدون أن تكون هذه العملية التأصيلية من الصفاء كصفاء
النصوص الشرعية ... وهذه ما أظنها مناسبة ... حتى في تاريخ العلوم الشرعية نفسها لم تتحقق في هذا المستوى
... فلا نريد تخوفا كبيرا في هذا المجال
يمنع من حيث الحماس إن صح التعبير الاجتهاد في الأمر ... لأنه حتى الجانب الظني فيها بالمصطلح الشرعي
فيها مطلوب ، ولذلك ودي التخفيف من هذا التخوف ... لا نلومهم في دائرة معينة
... لكن يجب أن يكون هناك تصور إجرائي عملي حقيقي في هذا ... وقد أثيرت قضية
الجانب السياسي و كونه مرتبطا بنفس العمل ... كذلك نفس الحال ... فعندما أظن بأن
نتوقع حاجات الأمة بمختلف جوانبها بما فيها الجانب العلمي ... لا نريد كذلك أن
يصبح هو المطلب الأول أساسا الذي نريده أن يتحقق ... فهذا الجانب السياسي ليس بهذه
الخطورة أو بهذا المكان للقيام بالعمل العلمي ... و جزاكم الله خيرا.
مدير الندوة أ. د. راشد
الكثيري
بسم الله الرحمن الرحيم ...في الحقيقة
لا يمكن أن تتصوروا جميعا مدى سعادتنا بهذا الطرح المتعمق الرائع من جانب كل
الإخوان الحاضرين ... وهذا هو الهدف من مثل هذه الندوات .
والحقيقة
أنه كما تلاحظون فقد طرحت قضايا متعددة ومعظمها جديرة بالاهتمام ، ولكن الخمس
دقائق لن تسمح أبدا بأي تعامل بشكل معقول ولو حتى مع قدر منها ... ولكن دعوني
أشرككم معي في بيان الطريقة التي سأستخدمها إن شاء الله في اختيار الموضوعات أو
النقاط التي أعقب عليها... هناك مبدآن سأسير عليهما:
المبدأ الأول : أن بعض الإخوان المعقبين قد كفانا
مؤونة الرد على البعض الأخر ... فكما
تلاحظون أن بعض الإخوان قد تحدثوا عن العلوم الطبيعية بأنها هي مؤصلة بذاتها وكأن
الأمر منته ولا معنى للحديث فيه ... الحقيقة نحن نحتاج إلى اطلاع أعمق من هذا على
مختلف زوايا الموضوع ... ولكن فضيلة الدكتور سعد الشدوخي قد رد على هذا بشكل كاف... أيضا في القضايا الأخرى
التي طرحت كقضية التطبيق أم التنظير ...
هناك من يقول التطبيق أولا ومن يقول التنظير أهم ثم جاء من أوضح بأننا بحاجة ليس
فقط إلى التنظير بل إلى ما قبل التنظير ... وأظن أن الصورة الآن بدأت تتضح نتيجة
الطروحات التي يكمل بعضها بعضا ... والحقيقة تقع في موقع وسط بينها.
والمبدأ
الثاني ... أنني لن أتعرض لبعض التساؤلات التي تعكس عدم اطلاع على التراث الموجود
بوفرة حول قضية التأصيل الإسلامي لأنه لن يمكن لي ولا لغيري أن يوفي تلك المسائل -
التي لم يطلع من أثاروها على الكتابات الثرية حولها – حقها ...ولو أنفقنا في ذلك
الساعات.
ولكن سأكتفي بقضيتين أو ثلاث أظن أن من
الممكن الرد عليها في حدود الخمس دقائق أو التعقيب عليها بشكل من الأشكال ...
الدكتور عبد الرزاق الحمد جزاه الله خيرا
أثار عدة قضايا كلها مهمة ونحن نتفق معك فيها قلبا وقالبا ... قضية إعداد
الباحثين في حقيقة الأمر... في الجامعة الإسلامية بماليزيا أدركنا أهمية هذا الواجب
في وقت مبكر ، واتفقنا أن يكون هناك برنامجين الأول يسمى برنامج العلوم الشرعية
للاجتماعيين ، والبرنامج الآخر يسمى برنامج العلوم الاجتماعية للشرعيين. وقد كان
التصور على مستوى دبلوم الدراسات العليا هناك ... واللجنة أبشركم أنها وضعت هذا
ضمن مشروعاتها التي ستتبناها اللجنة الفرعية للتدريب ... ومن هنا فإننا سنحتاج
لجهودكم كلكم في المعاونة في بلورة هذه البرامج وتنفيذها ...والندوة العالمية
للشباب الإسلامي منذ إنشاء لجنة التأصيل الإسلامي للعلوم وهي لا تألو جهدا في
تقديم المساندة والدعم لبرامجها ...أسأل الله أن يجزي الجميع عنا خيرا ... أما عن
الحاجة لورش عمل متعمقة لمناقشة قضايا
أساسية ...هذا كلام بالفعل لا يحتاج إلى أي إضافة إليه... أيضا أشرتم إلى طريق آخر
مكمل تسير فيه الجهود التأصيلية ... هذا أيضا صحيح ... فنحن بحاجة إلى طريق مواز
يرجع أصالة وابتداء إلى المفاهيم الشرعية لينطلقوا منها ... وهذا هو متفق عليه .
أما
القضية التي أثارت اهتمام الكثيرين ... كيف يتم إسقاط العلوم المؤصلة على واقع
الحياة ... ومن قال قرار سياسي .. ومن قال نريد تأصيل الحياة والمجتمع ... والدنيا
كلها ! أهلا وسهلا .. الله يجزيكم خيرا ! ... ولكن .... من هم المخاطبون بقضية
التأصيل الإسلامي للعلوم ؟ ... المخاطبون بقضية التأصيل الإسلامي للعلوم عن
الحقيقة هم الأكاديميون ...هم الباحثون ...
هم طلاب العلم . ... القضية كما
قال الكثيرون من الإخوان هي قضية منهج ... قضية علمية ... هذه هي حدودنا أيها الإخوان!
...تلك حدودنا ... ونحن على وعي واضح بهذا الأمر ... نحن لا ندعى أبدا بأننا سنصلح
الحياة ... ونحن نعلم بأننا لن نصلح الكون والمجتمعات البشرية .... مع أنه كما
أشار بعض الإخوان بأنه يمكن أن يأتي خير كثير كنتاج لتأصيل العلوم ...عظيم ...
وفضيلة الدكتور الزنيدي أشار إلى التأصيل بأنه هو بمثابة المحور ... ولكن نحن في
اللجنة وأظن أيضا معظم المهتمين بالقضية يدركون بأننا نحن نعمل في الحدود التي
نستطيعها ... والتي تدخل في نطاق اهتمامنا ...أنتم استمعتم إلى الشكوى المؤلمة مما
يقوم به بعض المشتغلين بالتدريس في الجامعات من ناحية أنهم يدرسون في الخارج
ويفرضون ما درسوه على طلابهم ... فهم يخربون أكثر مما يصلحون في عقول أولادنا ...
ومواجهة هذه المشكلة هدف لعمري يحتاج إلى كل ما يبذل فيه من جهد للتوفر عليه ...
وبيني وبينكم بعض الإخوان من قيادات
المعهد العالمي للفكر الإسلامي في خطابهم يكادون يقولون أن التأصيل سيصلح
العالم والمجتمعات والعالم الإسلامي ... ولكني أقول يا أيها الأحباب أنتم تتكلمون
بما لا تستطيعون أن تتصدوا له ... ويكفيكم شرفا أنكم تساعدون إخوانكم فيما يقومون
به من جهود في هذا الاتجاه لإصلاح الفكر والمنهج والسلام عليكم .
تعقيب أ.
د. عبدالرحمن الزنيدي
بسم
الله الرحمن الرحيم
النقطة
الأولى كلمة أوجهها للإخوة المختصين في العلوم الاجتماعية و العلوم الإنسانية أنهم بحاجة أن يمتلكوا الثقة بالذات
... فعلماء الاجتماع الغيورين الذين لديهم
معرفة شرعية هم بحاجة إلى أن يمتلكوا
الثقة بالذات ... للأسف أننا نلاحظ أن الذين يغامرون في هذه المجالات هم قد يكونوا
أحيانا غير الورعين والبعيدين عن العلوم الشرعية ... أما القريبون من العلوم
الشرعية و أولو الورع فهم الذين يجفلون
أمام هذه القضايا ...
قضية العالم الشرعي عندما طرحتها حينما
طرحتها كتساؤلات ... ولم أوصف كيف تكون العلاقة ... لكني أؤكد فقط على هذه النقطة
... فهي قضية الثقة بالذات ... الدكتور سعد الشدوخي يذكر قياملجنة التأصيل في جامعة الإمام قبل
حولي 15 سنة وكان فيها شرعيون من حهة ومتخصصون في العلوم الاجتماعية من جهة أخرى ... ويذكر كيف كان
الشرعيون يفرضون – فقط بمجرد وجودهم – يفرضون إرهابا على علماء الاجتماع ... فأنا أقول أنه ينبغي على الإخوة
في العلوم الاجتماعية أن يمتلكوا الثقة بأنفسهم في حركتهم ... قضية العلماء
الاجتماعيون و العلماء الشرعيون ... الحقيقة أن العلماء الاجتماعيين هم علماء
شرعيون ... طالما أنهم علماء في الإطار
الإسلامي فهم شرعيون ... من هو العالم الشرعي ؟ ...هو الذي يجتهد في إطار الشريعة.
في
علم الفقه ...كتاب العبادات... الصلاة ،
الزكاة ، الصوم ، الحج ...إلخ ...كتاب البيوع ..كتاب القانون الدولي .. ومفهوم أن
كثيرا من الأبواب التي كانت كالسقاية والإجارة وأمثالها كانت قد وضعت على مواصفات
الزمن الذي أنشئ فيه علم الفقه ...فبإمكاننا أن يبقى هذا ... وهو موجود ... وأن
يوجد نسق نمطي لعلم الفقه في ضوء السقف المعرفي والحضاري القائم الآن ... أنا أقول
... القضية في العقيدة أيضاً يمكن أن يقوم بها المشتغلون بالعلوم الاجتماعية ... بمعنى أن علماء الاجتماع بحاجة إلى أن يضعوا
لهم بناء عقدي خاص بهم ... يعنى يتناسب مع علومهم . كيف؟ ... العقيدة ... النبوة
والإلهيات والسمعيات ...الرسول صلى الله عليه وسلم قدمها من خلال أحاديث جامعة ... منها حديث
جبريل ... الإسلام والإيمان والإحسان ... لكن هل الذي يدرّس في العقيدة ...هل هو
هذا النسق؟
... بالطبع لا ... الذي يدرس في
العقيدة هو نسق أخر ... هناك جزئيات أبرزت على أنها كليات ... مثل قضية خلق القرآن
مثلاً ... وقد انجرت على هذا النسق لأن
العلماء صاغوا العقيدة في ذلك الوقت بناء على المشكلات التي قامت في عصرهم ...
فصيغ النسق العقدي على ضوء المشكلات ...والعلماء الاجتماعيون الآن بحاجة إلى أن
يصوغوا النسق العقدي الذي يعالج أولاً قضية الإنسان ... في حكمة وجوده ... في
حقيقة كيانه عقلاً ونفساً وبناء عضويا وتاريخاً ... قضية مصادر العلم والمعرفة ونحوها من القضايا
... ويجعلوها في بديهياتها العقدية في
أساسياتها العقدية لا في تفريعاتها ... ولهذا قلت أنها قضية ينبغي أن تكون قضية
جامعة وليست هي الاجتهادات التي تبنى عليها بعد ذلك أو تختلف بين الناس .
أما قضية تطبيق علم الاجتماع
...ولعلها هي الأخيرة التي أشار إليها الدكتور توفيق القصير - يعنى ما الذي نريده
من العلوم الاجتماعية ؟ ...هل هو فقط أن
نباهي بأن لدينا علم ؟..أن نقول لدينا علم ... طبعا ينبغي أن يكون لدينا علم
...هذا مطلب ...لأنه لو لم يكن هناك علم اجتماع إسلامي فإما أن يكون لديك علم الاجتماع الغربي بكل عواهنه ... وإما
أن تمحق علوم الاجتماع كلها وتبعدها وتعيش
فقط على موروث تراثك ... وكلا الأمرين مرفوضان ... ثم نحن أيضا بحاجة إلى التطبيق
...قضية أن يكون هناك معوقات ... اجتماعية ... سياسية ...إلخ لا يعني أن يتوقف الإنسان ... وإلا فمعنى هذا
أن نتوقف عن كل الأعمال ... ليس فقط عن العلم الاجتماعي ... حتى عن الدعوة ينبغي
أن نتوقف ...لأن الدعوة تعوّق ويوقف في
وجهها ...التربية تعوّق ... وأحيانا يأتي فرض المناهج من خارج الدول الإسلامية ...
فهل معنى هذا أن أهل التربية الإسلامية ينبغي أن يتوقفوا ؟ .. إذن الأمران مطلوبان
... فالمسلم في حركة جهاد متواصلة ...أما
قضية أن يتحقق النجاح على يديه ... أو لا يتحقق ...فهذه ليست في يده ، إنما
عليه أن يقدم جهوده .
وأختم
بالقضية الأخيرة وهي قضية ما أشار إليه الدكتور عبد العزيز النغيمشي وصارت مجال
مناقشة ...وهي قضية أنه ينبغي أن نعمل وألا نقف عند حدود التنظير ... ألا نقف عند
حدود التنظير هذا صحيح ... لكن الحقيقة قضية مبدأ بأنه دع الناس كلهم يكتبون
ويفعلون ... أرى أن هذا منهج غير سليم ... لأن معنى ذلك أنك تريد من الناس الذين
لم ينظروا ولم يبنوا علمهم الاجتماعي على أساسيات
أن يكتبوا أيضاً باسم علم النفس الإسلامي أو علم الاجتماع الإسلامي ...
وهذا أنا أعتقد أنه غير سليم وضار ... للناس الذين يقرأ ونه وللتخصصات بل وللإسلام
أيضاً ... ومن ثم فقضية أولوية التنظير قضية مهمة ... نعم هي مرهقة ... هي متعبة
... هي تحتاج إلى جهد.... ولكنها هي الأساس الذي لابد أن يبنى عليه كل ما وراءه
وشكرا .
قائمة بأسماء الأساتذة المشاركين
في الندوة الأولى للجنة التأصيل
الإسلامي للعلوم بعنوان :
"التأصيل الإسلامي للعلوم :
المفهوم والمنهج"
أ.د.
راشد بن حمد الكثيري
أ.د.
إبراهيم بن عبد الرحمن رجب
أ.د.عبدالرحمن
بن زيد الزنيدي
د. إبراهيم حمد النقيثان
د.
أحمد بن محمد سعد السمراني
أ.
د. توفيق بن احمد سعود القصير
د.
حميد بن خليل الشايجي
د. سعد بن عبدالكريم الشدوخي
د. سعيد بن سعد العسيري
د.
صالح إبراهيم اللحيدان
أ.د.عبد
الرزاق حمود الحمد
د.
عبدالإله عبدالله فهد المشرف
د.
عبدالعزيز إبراهيم الحرة
د. عبدالعزيز راشد المطيردي
أ.
د. عبدالعزيز محمد النغيمشي
د. عبدالله بن احمد عسيري
د. عبدالله بن ناصر الصبيح
د. عبدالله حمد العويشق
د.عبدالله
عمر العبد الكريم
العميد
/علي محمد السلطان
د.محب الدين احمد أبو صالح
د.
محمد بن عوض الحارثي
أ.
محمد حسان عجاج
أ.
محمد عبدالعزيز الناجم
أ.
مرزوق بن محمد العشير
bravenet.com