untitled
viviti

 

التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

المفهوم والمنهج

 

إبراهيم عبد الرحمـن رجـب

 

 [التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية - تعريف التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية – منهج التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية – إبراهيم رجـب]

 

       لقد قام الدكتور إسماعيل الفاروقي يرحمه الله بتعريف أسلمة المعرفة عموما بأنها "إعادة صياغة المعرفة على أساس علاقة الإسلام بها... أي إعادة النظر في تعريف البيانات وإعادة ترتيبها، وإعادة التفكير في المنطق الذي بنيت عليه وتم ربطها ببعضها على أساسه، وأن يتم من جديد تقويم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها، وأن يعاد تصور الأهداف... على أن يتم ذلك كله بطريقة تثري بها تلك العلوم الرؤية الإسلامية وتخدم قضية الإسلام"   وقد بين الفاروقي أن تحقيق تلك الأهداف يمكن أن يتم من خلال :

1 -  فهم تلك العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها والتمكن منها، وتحليل واقع تلك العلوم نقديا لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام.

2 -  فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب القوة والضعف فيه، في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر، وفي ضوء متطلبات المعرفة الحديثة.

3 -  القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد "تركيبة" تجمع بين معطيات التراث الإسلامي ونتائج العلوم العصرية، بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا.

 

 

 

ولقد يكون من الممكن في ضوء ما سبق أن نعرّف التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية على الوجه التالي :

"التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية عبارة عن عملية إعادة بناء العلوم الاجتماعية في ضوء التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود، وذلك باستخدام منهج يتكامل فيه الوحي الصحيح مع الواقع المشاهد كمصادر للمعرفة، بحيث يستخدم ذلك التصور الإسلامي كإطار نظري لتفسير المشاهدات الجزئية المحققة والتعميمات الإمبيريقية (الواقعية) وفي بناء النظريات في تلك العلوم بصفة عامة".

 

 

 

 

 

 

الإجراءات  المنهجية للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية

                       

    يمكن ترجمة منهج التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية إلى مجموعة من الإجراءات  أو الخطوات أو العمليات المحددة التي يستطيع الباحث أن يسير في ضوئها حال سعيه لتأصيل أحد موضوعات العلوم الاجتماعية أو حتى أحد فروع تلك العلوم وهي :

(1)      اختيار الإطار المرجعي الذي ينطلق البحث في البداية من مفاهيمه.

(2)      الاستنباط من المصادر الإسلامية .

(3)      الاستفادة من نتائج العلوم الحديثة .

(4)      إيجاد التكامل المنشود بين الأطر التصورية الإسلامية وبين النتائج الممحصة المستمدة من العلوم الحديثة.

(5)      اختبار وتطوير النظريات الموجهة إسلاميا .

 

أولا : اختيار الإطار المرجعي الذي ينطلق البحث في البداية من مفاهيمه

          يواجه الباحث في المراحل الأولى للتفكير في بحثه قضية مبدئية هامة ينبغي عليه اتخاذ قرار بشأنها عندما يبدأ العمل، ألا وهى: هل يبدأ بحثه منطلقا من مفاهيم العلوم الاجتماعية الحديثة؟ .. أم يبدأ منطلقا من مفاهيم العلوم الشرعية ومصطلحاتها (وذلك بصرف النظر عما يكون في المراحل التالية بالضرورة من التكامل بينهما).

          وعموما فإننا سنقوم فيما يلي بتلخيص الجوانب المختلفة للموضوع ، فنبين باختصار المبررات التي يستند إليها كل من الخيارين المطروحين، ونوضح التحفظات على كل منهما، و الطريق العملي الذي يمكن اتباعه في المراحل التالية - أيا كان الخيار الذي يفضله الباحث في البداية:

الخيار الأول : اتخاذ الفئات والتصنيفات المستمدة من العلوم الاجتماعية الحديثة كنقطة بداية للبحث ويتميز بميزة البدء من نسق من المفاهيم والمصطلحات المألوفة والمتفق على تعريفاتها بين الباحثين المتخصصين الذين تلقوا إعدادهم "العلمي" والمهني في نطاق تلك العلوم الحديثة (حتى مع ما على مصادر تلك التعريفات وأصولها ومرجعياتها من ملاحظات). مع التحفظ من الانزلاق إلى تبنى الأطر المرجعية للعلوم الحديثة دون وعى بمخاطر ذلك على عملية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية.

الخيار الثاني : اتخاذ الفئات والتصنيفات المشتقة من الألفاظ القرآنية، أو من منطوق الأحاديث النبوية ، أو من تصنيفات العلماء المسلمين المتقدمين كنقطة بداية للبحث ، ويتميز بميزة البدء من مصطلحات أقرب للإطار التصوري الإسلامي، ذات المصدر اليقيني في أصله (خصوصا ماهو مستمد من النصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت) بعكس المصطلحات ذات المصدر البشرى البحت، والتي تعكس خبرات جزئية متأثرة بالظروف التاريخية والجغرافية والثقافية. ولكن من الضروري  التحفظ من التعسف في تحميل الألفاظ القرآنية أو النبوية من المعاني ما لا تحتمل أو ما لم يقصد منها. مع إدراك الصعوبات الناجمة عن الرجوع إلى الكتابات الموسوعية ذات الطابع الدعوى لكثير من علماء المسلمين، وصعوبة ترجمتها إلى أنساق تصنيفية محددة قابلة للاختبار الواقعي، إضافة إلى صعوبة الربط في المراحل الأولى من العمل بين المفاهيم والمصطلحات الشرعية والمصطلحات المستمدة من الإطار المرجعي الغربي المألوف لدى الباحثين المتخصصين.

وعلى أي حال، فأيا كان الإطار المرجعي المتخذ كنقطة للبدء فان الباحث ينبغي عليه أن يقوم في المراحل التالية لذلك الاختيار الأولى بالمراوحة الدائمة والترداد المستمر بين كل من الإطارين المرجعيين (تصنيفات العلوم الحديثة - التصنيفات المستمدة من المصادر الشرعية) على أن يتم ذلك بوعي شديد، وبادراك كاف للتحفظات السابقة، ودون تعسف، مع ترك الباب مفتوحا دائما لمراجعة الأنساق التصنيفية والمفاهيم في ضوء كل تقدم يحرزه الباحث مراعيا التحفظات السابقة، ودون تعسف، مع ترك الباب مفتوحا دائما لمراجعة الأنساق التصنيفية والمفاهيم في ضوء كل تقدم يحرزه في الفهم والربط، وفى ضوء كل استبصار جديد يسفر البحث عنه.

 

ثانيا : الاستنباط من  المصادر الإسلامية

          إن الدراسة المنظمة التي تستهدف بلورة الرؤية الإسلامية لأي موضوع متخصص من موضوعات العلوم الاجتماعية تتطلب القيام بالإجراءات الآتية ( حسب الاستطاعة) في ضوء نوع المعرفة السابقة للباحث بمصادر العلوم الشرعية ومناهجها ومدى تلك المعرفة:

(1)      البحث المنظم والواعي عن الألفاظ والتعبيرات المتضمنة في الآيات القرآنية، أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، والتي يبدو للباحث أنها ترتبط بالظاهرة موضوع البحث، أو ببعض جوانبها، بشكل مباشر أو غير مباشر، ويمكن التقاط الإشارات إلى تلك الألفاظ القرآنية و الحديثية الملائمة من خلال :

1-      مراجعة المكانز الإسلامية المتخصصة التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة، والتي تحوى حصرا لمصطلحات التخصص مع ما يمكن أن يقابلها في الاصطلاح الإسلامي .

2-      الرجوع إلى الجهود التأصيلية السابقة التي قام بها المشتغلون بالتخصص.

3-      الرجوع إلى الكتابات الإسلامية العامة، خصوصا ما اتصل منها بما أصبح يعرف بالثقافة الإسلامية، والتي تنظر في كليات الإسلام، ومن هنا تكون أقرب لتقديم الأطر التصورية التي يستفيد منها المشتغلون بالعلوم الاجتماعية.

4-      الإفادة من كتابات علماء الإسلام المتقدمين ممن اشتهروا بنظراتهم النفسية والاجتماعية، ويمكن الاستعانة في هذا الصدد بالأدلة المتخصصة التي تمد الباحثين بإشارات مختصرة إلى مثل تلك الكتابات مع جهود لتحليلها وربطها بما يمكن أن يقابلها في المصطلح الحديث.

5-      القراءة المنظمة للقرآن الكريم، والنظر في الأبواب والفصول الملائمة من صحاح السنة، للبحث المستقل من جانب الباحث نفسه عن الألفاظ القرآنية والحديثية المتصلة بالموضوع، أو اكتشاف الآيات والأحاديث المتضمنة للمعنى باستخدام ألفاظ أخرى مع رصد تلك الألفاظ.

(2)      حصر جميع المواضع التي استخدمت فيها تلك الألفاظ والتعبيرات القرآنية والنبوية التي تم التقاطها، وذلك باستخدام معجم ألفاظ القرآن الكريم ومعجم ألفاظ الحديث لكي نضمن ألا تفوتنا أي إشارات لتلك الألفاظ دون قصد.

(3)      الكشف عن معاني الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي وردت تلك الألفاظ في سياقها رجوعا إلى كتب التفسير والشروح المعتمدة، ويمكن الاستعانة في هذا الصدد بالكشافات المتخصصة لآيات القرآن الكريم وللأحاديث النبوية الشريفة، والتي تضم مختلف التفاسير والشروح للنصوص المتصلة بكل موضوع من موضوعات التخصص، والتي بدأت في الظهور في السنوات الأخيرة.

(4)      الاستناد إلى مجموعة الأفكار الواردة في تلك التفاسير والشروح لاستنباط المفاهيم والقضايا التي تصف أو تفسر موضوع الدراسة أو تضع الضوابط المعيارية عليه، وذلك عن طريق الربط المنطقي والمنظم بين المعاني المستمدة من تلك التفاسير والشروح. ومن الواضح أن هذا الربط المنظم سيقوم على أساس استخدام القواعد "المنطقية" للانتقال من المقدمات إلى النتائج، وهو بطبيعة الحال يتضمن اجتهادا بشريا من جانب الباحث، ولكن من الضروري أن نشير هنا إلى ضرورة إلمام الباحث بالقواعد الأصولية والقواعد اللغوية المتعارف عليها في فهم النصوص ضمانا لعدم التجاوز عند محاولات الربط والاستنباط.

(5)      تحديد معالم التصور الإسلامي المبدئي لموضوع لدراسة في ضوء ما سبق، وفى ضوء المسلمات الوجودية (الأنطولوجية)، والمعرفية (الإبستمولوجية)، والمنهجية (الميثودولوجية) الإسلامية.

(6)      عرض التصور المبدئي الذي تمت بلورته في جملته على المتخصصين في العلوم الشرعية من ذوى التفهم لقضايا العلوم الاجتماعية وذوى التعاطف مع قضايا التوجيه الإسلامي لتلك العلوم، وذلك "لاختبار" درجة مطابقته بوجه عام للحس والفهم الشرعي الصحيح.

(7)      إجراء التعديلات المناسبة على ذلك التصور في ضوء أوجه النقد التي يبديها المتخصصون في العلوم الشرعية، خصوصا تلك التي يتفق عليها أكثر من واحد من أولئك المتخصصين، تحسبا للاحتمالات القائمة دائما لوجود اختلافات في الرأي بين ذوى الاجتهاد.

(8)      صياغة إطار تصوري متماسك - بقدر الإمكان - يمكن استخدامه في تحقيق الأغراض الآتية :

1-      ليكون معيارا يتم نقد إسهامات العلم الحديث في ضوئه.

2-      ليكون إطارا نظريا يمكن أن يتخذ أساسا لتفسير الحقائق الجزئية (كما سنرى فيما بعد).

 

ثالثا : الاستفادة من نتائج العلوم الحديثة

 

(1)      حصر النظريات والتعميمات والقضايا والمفاهيم والمصطلحات المتصلة بالموضوع في الكتابات العلمية المتخصصة التي تمثل الوجهة السائدة في فهم الموضوع The Paradigm بكافة اتجاهاتها مع الوعي بالمنطلقات التي تنطلق منها وبأصولها الفكرية قدر الاستطاعة.

(2)      بذلك جهد خاص لاستقصاء وجهات النظر النقدية والآراء "المنشقة" والمخالفة لتلك الوجهة السائدة والثائرة عليها، حتى وإن كانت لاتزال دائرة في فلك الحضارة الغربية المعاصرة، لأن الوجهات النقدية والآراء المنشقة عادة ما تكشف عن المسلمات الضمنية التي تكمن وراء الوجهة السائدة بما يعيننا على تجنب مواطن الزلل إن سلمنا بما يبدو بريئا وغير محمل قيميا وليس كذلك على الحقيقة.

(3)      إلقاء نظرة نقدية فاحصة على كل من الوجهة السائدة والتوجهات المنشقة، وذلك في ضوء التصور الإسلامي السابق التوصل إليه.

(4)      استثمار الآراء النظرية المنشقة (التي أظهرت الخبرة أنها في حالات كثيرة تمثل رد فعل للاتجاهات المادية والاختزالية التي يصطبغ بها العلم الحديث في توجهه السائد) إلى المدى الذي تصل إليه - ودون التوقف عنده بطبيعة الحال - طالما أنها تخدم التصور الإسلامي وتسير في اتجاهه (وذلك أنها في أغلب الأحوال تتوقف عند نقطة معينة لا تقوى على تجاوزها بسبب ارتباط تلك الآراء بالثقافة التي نبتت فيها).

(5)      فرز المفاهيم والتعميمات والأطر النظرية وغربلتها في ضوء ما سبق، واستبقاء ما يتمشى منها مع التصور الإسلامي، واستبعاد ما بنى منها على مسلمات خاطئة.

(6)      يراعى الحذر من التسرع باختبار إحدى النظريات التي يرى الباحث أنها "الأكثر اقترابا" من التصور الإسلامي وتبينها باعتبارها تمثل نهاية المطاف للتوجيه الإسلامي، لأن مثل هذا الاختيار يتجاهل عادة المسلمات التي بنيت عليها مثل تلك النظرية، والتي قد تختلف بشكل جوهري عن المسلمات التي يقوم عليها التصور الإسلامي .

رابعاً : إيجاد التكامل المنشور بين الأطر التصورية الإسلامية وبين النتائج الممحصة المستمدة من العلوم الحديثة

(1)      إعادة ترتيب وإعادة تفسير المشاهدات المحققة (الحقائق والتعميمات الإمبيريقية) المستمدة من الكتابات العلمية الحديثة في ضوء :

1-      الأطر التصورية الإسلامية التي يتم التوصل إليها.

2-      الأطر النظرية المستقاة من تراث العلم الحديث بعد ثبوت اتساقها مع التصور الإسلامي.

(2)      صياغة النظرية العلمية المؤصلة إسلاميا في شكل أنساق استنباطية تسمح باستخلاص فروض علمية تقبل الاختبار الواقعي، وهذا جهد إنشائي أو بنائي يقوم على الانتقال المنطقي من المقدمات إلى النتائج بطريق صحيح، ويسمح في الوقت ذاته باستنباط نتائج أخرى مشتقة منها وهكذا.

(3)      إن كوْن هذه النظريات العلمية المؤصلة إسلاميا "علمية" يعنى:

1-      أن صدق هذه النظريات ليس أمرا مسلما به على أساس قبلي A Priori ، وأن درجة صدقها تتوقف دائما على ما يسفر عنه "اختبارها" في الواقع.

2-      أنه لا يتصور التوصل إلى تلك النظريات مع جهل بإسهامات العلوم الاجتماعية أو تجاهل لها.

(4)      إن كون هذه النظريات "مؤصلة إسلاميا" يعنى:

1-      هيمنة التصور الإسلامي وإعطائه "أولوية مطلقة" في تفسير المشاهدات الجزئية المحققة، وفى توجيه الفروض العلمية، وذلك في حالة عدم وجود أطر تصورية تفسيرية منافسة ذات بال.

2-      في حالة وجود أطر تفسيرية منافسة : فإن التصور الإسلامي يعطى "أولوية نسبية" على الأطر المستمدة من الاجتهاد البشرى المحض، لزيادة احتمال الصدق في التصور الإسلامي المشتمل على ما يزيد عن مجرد الاجتهاد البشرى الذي هو قدر مشترك بين النوعين من الأطر.

 

خامساً : اختبار وتطوير النظريات المؤصلة إسلاميا

 

النظريات "العلمية" المؤصلة إسلاميا وإن استمدت مسلماتها وأطرها العامة من التصور الإسلامي إلا أنها ليست في نفسها وحيا منزلا، وإنما هي مشتملة بالضرورة على اجتهادات وأنظار بشرية ضمن مكوناتها الرئيسية وذلك من جهتين:

1-          أن التصور الإسلامي الموجه لتلك النظريات وإن بنى على آيات الكتاب الكريم وعلى الأحاديث الصحيحة، فإن "الاجتهاد البشرى" للباحثين –الذي يعتريه الصواب والخطأ- يدخل في عملية البناء هذه من عدة طرق:

أ   -  الاختيار من بين الآيات أو الأحاديث لما يظنه الباحث متصلا بموضوع بحثه، واستبعاد ما لايظنه متصلا بموضوعه.

ب  -  الاختيار من بين التفسيرات المختلفة التي ترد في كتب التفسير المعتمدة للنص الواحد.

 ج -  الجهد الذي يبذله الباحث في "الربط" بين الآيات والأحاديث التي يراها متصلة بموضوع بحثه.

2-          أن المشاهدات الواقعية المحققة (الحقائق العلمية في الاصطلاح التقليدي) التي تحويها نظريات العلوم الاجتماعية إنما تم التوصل إليها من خلال دراسات وبحوث هي محاولات بشرية للاقتراب من الحقيقة إلى أقصى قدر مستطاع، ولكنها معرضة في الوقت ذاته للتأثر بقصورنا البشرى الذي يتبدى أساساً في ضعف الإجراءات المنهجية وفى قصور عمليات القياس.

 

ويترتب على ذلك أن اعتبارات العلمية الحقة تتطلب إخضاع النتائج المبدئية لجهود التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية للاختبار الميداني الواقعي حتى نتمكن من التحقق من صحة استنباطاتنا البشرية التفصيلية، وحتى يمكن الاحتفاظ للعلم البشرى بخاصية التصحيح - الذاتي المسلم بأنها وراء كل علم صحيح فيما يخرج عن نطاق الوحي المنزل اليقيني، وتتضمن عملية الاختبار ما يلي :

(1)      استنباط فروض مستمدة من النظريات "العلمية" المؤصلة إسلاميا والتي تم التوصل إليها من خلال الخطوات السابقة (يلاحظ أن اختبار كل فرض جزئي إنما هو في الوقت ذاته اختبار للنظرية كلها بدرجة ما).

(2)      اختبار تلك الفروض في الواقع بمعناه الشامل Total Reality الذي يضم ما هو محسوس قابل مباشرة للمشاهدة الحسية، كما يضم ما ليس محسوسا وإن كان يمكن مشاهدة آثاره بطريقة غير مباشرة، ويتطلب ذلك بالطبع بذل جهود كبيرة لابتكار أدوات للبحث ذات حساسية كافية لاستبار هذا النوع الأخير من الظواهر كما سنرى بعد قليل.

(3)      إذا ثبتت صحة الفروض ( أو إذا فشلنا في رفضها .. بلغة الاختبارات الإحصائية) فإن ثقتنا في النظرية المؤصلة إسلاميا تزداد.

(4)      إذا لم تثبت صحة الفروض فانه يكون من الضروري القيام بالخطوات الآتية على الترتيب:

1-      مراجعة الإجراءات المنهجية المستخدمة في البحث وخصوصا ما اتصل منها بإجراءات القياس، للتأكد من عدم الوقوع في أخطار جوهرية، وللتأكد أيضاً من عدم الوقوع في استخدام تنازلات أو تقريبات من النموذج المثالي لتصميم البحث أو اختيار العينة على وجه غير ملائم .. الخ.

2-      إذا ثبت أن الإجراءات  المنهجية صحيحة تماما ( وهو أمر شديد الندرة بل قد يراه البعض أملا مستحيل التحقق في العلوم الاجتماعية) فإن على الباحث مراجعة "استنباطاته" من المصادر الشرعية، وخصوصا ما اتصل منها بالاختيار من بين النصوص واختيار الشروح، وما اتصل بضم تلك النصوص والشروح إلى بعضها للتعرف على مصدر الخطأ أو التجاوز، ثم تعديل الإطار التصوري في ضوء ذلك .

(5)      في كل الأحوال فانه يتم "إعادة إجراء" البحوث Replica Studies للتأكد من ثبات النتائج (وذلك في حالة ثبوت صحة الفروض)، والاستمرار في إجراء بحوث جديدة بهدف إعادة تقدير الموقف بعد تعديل الإجراءات المنهجية أو تعديل الأطر التصورية (وذلك في حالة رفض الفروض).  مع ملاحظة أنه لما كان "الكون" من خلق الله الواحد ، الذي هو سبحانه وتعالى أيضاً منزل "الوحي" ، فانه لا يمكن تحت أي ظرف أن يوجد تناقض حقيقي بين مشاهدات محققة واقعيا وصادقة وبين أي نص شرعي يقيني الدلالة يقيني الثبوت.

 

          ونود أن نختتم هذا العرض بمجموعة من الملاحظات والاعتبارات التي نظنها مكملة له وضابطة عليه وتتمثل فيما يلي:

(1)        ينبغي النظر إلى النموذج المعروض هنا على أنه إنما يقدم مؤشرات إلى الطريق الذي تسير فيه عملية التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية "بصفة عامة"، ولم يقصد منه قيام أي باحث منفرد باستيفاء جميع العناصر والمكونات والإجراءات المشار إليها في كل عمل علمي يقوم بإنتاجه، ومن المتصور أن يقوم أي باحث (أو مجموعة من الباحثين) بخدمة جانب أو عنصر، أو مرحلة أو أكثر - كليا أو جزئيا - في أحد بحوثه، ليخدم غيره في بحث آخر وهكذا، ولكن بالشروط الآتية:

1-       أن يكون الباحث واعيا بموقع العمل الذي يقوم به وبموضعه من هذه العملية التأصيلية المترابطة الحلقات.

2-       أن يكون ذلك العمل قابلا للاندماج مع غيره في المنظومة الكلية للجهود التأصيلية، وعلى الباحث أن يشير بنفسه إلى نقاط انطلاقه وصلتها بما قبلها (عند مراجعة أدبيات الموضوع)، وإلى نقاط انتهائه وصلتها المتوقعة بما بعدها (عندما يشير إلى البحوث لمستقبلية).

3-       أن يلتزم الباحث في عمله بالشروط والضوابط العامة لعملية التأصيل الإسلامي على الوجه الذي فصلناه في مواضع أخرى.

(2)        من الواضح أن على الباحثين المتخصصين في العلوم الاجتماعية ممن يريدون أن يسهموا بشكل فعال في جهود التأصيل الإسلامي لتلك العلوم ...عليهم أن يعيدوا تعليم-أنفسهم لاكتساب أكبر قدر مستطاع من معارف العلوم الشرعية خصوصا ما كان منها منطلَقا للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية، حتى تكون إسهاماتهم جادة وصحيحة من جهة ، وحتى يكتسبوا ثقة وتعاون المتخصصين في العلوم الشرعية من جهة أخرى بما يؤدى بإذن الله إلى تضافر الجهود نحو توحيد العلم الإسلامي الواحد.

(3)   وإذا كان البعض قد يتوهم أن الإلمام بالحد الأدنى المطلوب من العلوم الشرعية أمر مستحيل على المتخصص في العلوم الاجتماعية، فلعل مما يدعو للاطمئنان أن نرجع إلى ما ذكره الإمام الرازي في مصنفه (المحصول في علم أصول الفقه) ليرى أنه يهون الأمر على من كانت له همة في الأمر، .. إذ أنه على سبيل المثال يقدر الحد الأدنى المطلوب من تلك العلوم بوجود تصنيف [أي مرجع] معتمد في كل فن يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، مع القدرة على الاطلاع عليه عند الاحتياج إليه وليس حفظه.

(4)        ولعل من المفيد أن نذكّر هنا بأن ثمرة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية لا يمكن تحصيلها إلا بإخلاص النية لله عز وجل في طلب هذا العلم العظيم، وبالثقة في معونته جل وعلا لمن وجه وجهه إلى الله وهو محسن، فهذا العمل ليس حرفة تحترف، أو مهنة تمتهن، على الوجه الذي اعتدناه في إطار التصور الغربي للوظائف والمهن ... ورغم أنه عمل علمي من الطراز الأول إلا أنه أولاً وقبل كل شئ طاعة وقربة إلى الله عز وجل، وهو واجب نحو الأمة التي بدأت تتداعى الأكلة عليها كتداعي الأكلة إلى قصعتها، عسى أن يكون إصلاح فكر الأمة ومنهجيتها أساساً في إصلاح أحوالها وإقالتها من عثرتها ، والله الموفق والمستعان وهو نعم المولى ونعم النصير.

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com