untitled
viviti

الإسلام والتنمية

د. إبراهيم رجب

هذه ترجمة لورقة بالانجليزية نشرت بعنوان “Islam and Development” في مجلة World Development, Vol.8, 1980 وأعيد نشرها في:

Kenneth P. Jameson and Charles K. Wilbur, Eds. Religious Values and Development (Oxford, England: Pergamon Press, 1980); Also Reprinted in, Journal of human Development (Dhaka, Bangladesh) Vol. 3, No. 4,  June 1991

 

(1) مقدمة

    يندرج عدد كبير من الدول الإسلامية في عداد ما يسمى بالدول النامية ، وإذا كانت بعض الدول الإسلامية المنتجة للبترول تعتبر من بين أغنى دول العالم (من حيث متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي) إلا أن تلك الدول لم تحقق ذلك النمو الاقتصادي المدعوم ذاتياً والذي يميز اقتصاديات الدول المتقدمة، كما إنها لم تتوصل إلى تكوين الأبنية المؤسسية اللازمة لتحقيق ذلك النوع من النمو الاقتصادي . وفى نطاق المحاولات العديدة التي بذلت لتفسير تلك الظاهرة (من جانب الغربيين)  كان السؤال التالي يثار كثيراً : هل الإسلام هو السبب في تخلف الدول الإسلامية ؟ ولم يكن من الصعب على البعض أن يفترضوا وجود تلك الرابطة خصوصاً تحت ظروف نقص المعلومات وقلة البحوث المتاحة عن الإسلام والدول الإسلامية . بل أن الموقف يزداد تعقيداً إذا تذكرنا سيادة تلك "الصورة المشوهة للإسلام" والتى ظهرت في أوربا منذ القرن الرابع عشر نتيجة للعلاقات العدائية بين القوى الأوربية والقوى الإسلامية ، والتى لا تزال تلون تفكير الغرب حتى اليوم (Watt, 1972: 54; 82-85). .

واحد الأمثلة التي تصور موقف الغربيين من القضية ما ذكره باركنسون في بحثه عن "العوامل غير الاقتصادية في تخلف الريف الماليزي" (1967: 31-46)  حيث يرى أن هذا التخلف يرجع إلى الإصرار الغريب لأولئك الريفيين على مقاومة التغير والى بعض المعتقدات الإسلامية التي "تجعلهم قدريين في نظرتهم للحياة" ومثل آخر يظهر في دراسة ستكليف عن علاقة التدين (بين المسلمين) بالتحديث فكراً وسلوكاً (Sutcliffe, C. R., 1975),  ، فبالرغم من أن الأدلة الإمبيريقية التي جمعها تشير إلى عدم وجود علاقة بين التدين وبين اعتناق قيم التحديث وممارسة سلوك حديث إلا انه يفسر تلك النتائج بافتراض "مسلمة" غريبة أختلقها اختلاقاً لتساعده على قسر هذه النتائج تعسفاً لكي تتمشى مع بعض الآراء إلى عفي عليها الزمن لماكس فيبر عن الإسلام، فنجد ستكليف يبدأ بالتسليم بان الإسلام يعنى الخضوع وفقدان حرية الإرادة الإنسانية (الذي يتنافى مع قيم التحديث) أما السلوى الفعلي للمسلمين فانه لا يسير وفقاً لهذا النموذج (السلبي).

 

     والحقيقة أن مجرد المراجعة السريعة للكتابات الغربية حول تخلف الدول الإسلامية تكشف لنا عن تكرار عجيب (سمج؟) لهذه الحجج الواهية وأمثالها، ويمكننا أن نصنف تلك الحجج التي حاولت -بطريقة صريحة أو ضمنية- الربط بين الإسلام والتخلف في أربعة قضايا أساسية يمكن صياغتها على الوجه الآتي:

(أ) أن نسق المعتقدات الإسلامية المثالي لا يساعد على التحديث ، وهنا قد نجد إشارة إلى النسق الاعتقادي بشكل مجرد دون ارتباط بزمن معين كما قد نجد أحياناً إشارة إلى معتقدات المسلمين في الوقت الحاضر.

(ب) أن ألوان السلوك المثالي التي يرتضيها الإسلام لا تساعد على التحديث ، وهنا أيضا قد نجد إشارة للسلوكيات بطريقة مجردة أو بالإشارة إلى الحاضر .

(جـ) ليست المشكلة في المعتقدات أو السلوكيات الإسلامية المثالية ولكن المشكلة أن تلك المعتقدات والأوامر السلوكية ليست فعالة في توجيه سلوك المسلمين بدرجة فعالية العناصر الثقافية السابقة على الإسلام والتى تنزع إلى الاستمرار بعد قبول الناس للإسلام كدين.

(د ) المشكلة هي تدهور المثل الاعتقادية والسلوكية الإسلامية كنتيجة لتحريف العامة لتلك المثل عند التطبيق وذلك لعدم واقعيتها أصلاً .

 

ونظراً لترابط الموقفين الأول والثاني وكذلك الثالث والرابع فإنه قد يكون من الأفضل تناول هذه المواقف الأربعة في مبحثين أساسيين : الأول يتصل بعدم ملاءمة المعتقدات وألوان السلوك الإسلامية المثالية لمتطلبات التحديث والآخر يتصل بفهم جماهير المسلمين للإسلام فهما منحرفا ، وسنخصص الجزء التالي من هذا البحث لتناول نقدي لكل من هذين الموقفين حيث نوضح أوجه القصور في المنطق الذي ستند إليه كل منهما ، ثم نتبع هذا بمحاولة لتفسير بديل لتخلف الدول الإسلامية يؤكد على دور تعويق النمو الطبيعي للنظم الاجتماعية الذي نتج عن التفاعل بين عاملين هما علاقات القوة الدولية غير المواتية من جانب والطبيعة المؤسسية من جانب آخر.

 

(2) المعتقدات والسلوكيات الإسلامية والتنمية

 

يخبرنا سَتْكليف (Sutcliffe 1975: 77-82)  بأن الإسلام في اللغة العربية يعنى الانقياد والخضوع ، ويستشهد بآيات من القرآن تقرر أنه إذا قضى الله ورسوله أمراً فليس للمؤمنين خيار إلا أن يتبعوه ، ويرعى أن هذا يتنافى مع حرية الإرادة الإنسانية ، وأن هذا أحد معوقات التنمية . هذا النمط من التدليل يمثل النموذج السائد في الكتابات الغربية عن الدول الإسلامية وثقافتها ، حيث تستند النتائج إلى معرفة محدودة بهذه الدول وديانتها ، تلك المعرفة التي عادة ما تكون مستقاة من زيارة ميدانية أو اثنتين للدولة المعنية ولفترات تتراوح بين بضعة شهور وبين عامين أو ثلاثة ، حيث يفشل الباحثون في إدراك كنه المنطق الداخلي للإسلام كما يفهمه المسلمون وكما يتصور أنه يؤثر في سلوكهم .

 

والحقيقة أن المسلمين لهم تصور مختلف كل الاختلاف لمعنى الإسلام عن ذلك المعنى الذي يقدمه لنا ستكليف وزملاؤه الغربيون، فالمسلمين يفهمون الخضوع لله بمعنى قبول ما أمر به والسلوك وفقا للطريق الذي اختطه للإنسان ، فإذا كان الله قد خلق كل شىء ، وإذا كان يتصف بالعدل والحكمة فإن أوامره ونواهيه لا يمكن أن تكون متحيزة لأي جماعة أو طبقة اجتماعية على حساب الأخرى ، وهى بهذه الصفة تسمو على أي تصورات وضعية لا يمكن أن تخلو من التأثر بتوزيع القوة في المجتمع ، وعلى ذلك فإن الخضوع لأوامر الله إنما "يحرر" الإنسان من الخضوع لغيرها من المبادئ المتحيزة المستغلة الصادرة عن أي سلطة بشرية- سواء كانت سلطة الحكام أو سلطة رجال الدين ، ولهذا فمن الطبيعي أنه إذا أمر الله ورسوله أمراً عملياً بشكل قطعي فإن المؤمن يتبع هذا الأمر بكل الاطمئنان مادام يؤمن أنه الحق ، أما إذا كان الأمر يتصل بمسائل أقرت إقرارا عاما دون تفضيل فهنا مجال واسع للاجتهاد البشرى في حدود الإطارات العامة ز  والحقيقة أنه عندما طبقت هذه القواعد وكانت هي المواجهة لقيام النظم الاجتماعية الأساسية في صدر الإسلام فإنها أنتجت واحدا من أفضل التقريبات المعروفة للمجتمع المثالي (وأن كان ذلك لم يستمر طويلا ، كما أن أعداد المسلمين لهم وجه نظر مختلفة في ذلك) وعندما يقارن المسلمون هذه القواعد بالتطبيقات الأيديولوجية المعيبة في الشرق والغرب فأنهم يشعرون أنه لا وجه لمقارنتها بالنموذج الأسلامى المتسامي .

 

وبالإضافة إلى ذلك فإن المسلمين يشيرون إلى ما هو معروف من أن المسائل الجوهرية ذات الطبيعة الثابتة فقط هي التي أقرها القرآن تفصيلا مثل الأمور العبادية وقواعد الإرث وبعض جوانب العلاقات بين الجنسين أما الأمور المعرضة للتغير الدائم مثل العلاقات السياسية والاقتصادية فإن القرآن عرض لها إجمالا، وحين عرض لتفصيلات فيها فإنما كان ذلك لغرض واضح هو ضمان استئصال مصدر من مصادر الظلم (نصوص الربا مثلا) ، أما ما عدا ذلك فانه متروك لابتكار البشر في حدود ذلك الإطار العام ، ومن هنا يبدو أن المسلمين لا تجذبهم اصطلاحات مثل حرية الإرادة الإنسانية إذا كانت تعنى التأرجح بين النقائض الأيديولوجية الوضعية في غيبة أي أدلة إمبيريقية نهائية تحسم الاختيار بين القيم ، بل يمكن القول في هذا المقام أن الإسلام تدعيم لحرية الإرادة الإنسانية بمعنى أصيل وفاعل يحرر الفرد من تأثير وقوة غيره من الناس فيما يتصل بمجالات القيم الأساسية التي لا يمكن إخضاعها للاختبار الأمبيريقى الحاسم في الوقت الذي يعطيه حريته الكاملة لتطبيق إرادته الإنسانية فيما عدا ذلك هذا هو ما يراه المسلمون عند مناقشة مثل هذه القضية .

 

وقضية أخرى مرتبطة بالسابقة أثارها ستكليف مستشهدا بماكس فيبر حيث يقول " أن الاعتقاد الاسمي بالقضاء والقدر يتحول بسهولة ليتخذ لدى العامة أبعادا قدرية (تواكلية) " وهذه قضية رددها الكثيرون (Moughrabi, 1978 : 99-112). وهنا أيضا فإن المسمين يفهمون القضاء والقدر على أنه العلم "السابق" في حق الله والذي لم يكشف لأي إنسان مقدما ، وبهذا أثره ينبغي أن يكن تشجيع العامل الإيجابي لا تعويقه ثم قبول النتائج ، حيث يعرف الإنسان "عندئذ" أنها كانت مقدرة ، ولا جدال في أن الطب النفسي الحديث يدرك قيمة مثل هذا التقبل البعدي للنكبات بعد حدوثها بالنسبة للتكيف النفسي للفرد . في ضوء هذا نستطيع أن نفهم كيف هب ملايين المسلمين العزل لطرد القوات العسكرية الاستعمارية المجهزة تجهيزا حديثا من بلادهم ، أو أن نفهم ما شاهدناه حديثا من قيام ملايين من المجاهدين الأفغانيين بالقتال في الشوارع والجبال مخاطرين بحياتهم لعزل حكامهم الطغاة الذين تدعمهم المصالح الأجنبية .

وفى نفس الاتجاه المتصل بالقضاء والقدر نجد إشارة إلى فكرة أن الأجل والرزق مقدورا لكل إنسان، ويخبرنا ستكليف أنه رغم إيمان المبحوثين أن الأجل مقدور إلا أنه لاحظ أن الوحدات الصحية في منطقة الدراسة (بالأردن) كانت دائماً مكتظة بروادها ، ولأنه لم يستطيع أن يدرك الأبعاد الدقيقة لهذا الموقف قد حاول حل التناقض (الموهوم) بتصوير إقرار الناس للنسق فلاعتقادي على أنه إقرار شكلي شفوي فقط ، وهذا النوع من التفسير لجأ إليه جيرتز أيضا عندما لاحظ تناقضا شبيها فسره على أساس أن المسلمين يمارسون "خداع النفس" (Geertz,1978: 17)  والحقيقة أن من الصعب علينا أن نتصور كيف يمكن لمثل تلك التعليلات أن تفسر لنا هذه الظواهر الملاحظة بطريقة تحمل أي معنى .

 

أما ألوان الاعتقاد والسلوك المتصل بالنواحي الاقتصادية فقد اختلفت الكتابات حول تأثيرها ، فنجد    سو يفت مثلا يعتبر توجيهات الإسلام بعدم "الحرص الزائد" على متاع الدنيا حائلا دون تراكم الثروة (Swift,1964 : 150)   في حين أننا نجد أن فيبر (الذي لا زالت آراؤه عن الإسلام حية في كثير من الكتابات (المعاصرة) يعتبر قول محمد (صلى الله عليه وسلم) لرجل قد جاءه في أسمال بالية " أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" دليلاً على نظرة إقطاعية للمكانة الاجتماعية ، وهذا يعكس لنا فهم فيبر المشوه للإسلام كدين يشجع على الإغراق في الملذات والاستمتاع بالملابس والعطور الفاخرة والاعتناء الفائق بتصفيف اللحى"!! (Weber, 1963 :263) ، وبالطبع فإن الاختيار من بين أحاديث النبي يتجاهل التوجيهات الأخرى التي لا تقل في شدتها في التحذير من العجب والغرور والإسراف ، ومن المؤكد أن ينتهي مثل ذلك الاستشهاد الذي لا يفهم تحذير الرسول من كلا المتطرفين (البخل والإسراف) إلى تفسيرات غير متوازنة.

 

غير أنه يبدو أن سويفت قد أدرك أكثر من غيره هذه الطبيعة المتوازنة للإسلام حيث رأى أن الإسلام يتميز بما سماه " مبدأ الوسطية أو الاعتدال" ، وهى سمة فطن إليها آخرون أيضا (Lichtenstadter, 1958 : 111)  والحقيقة أن القرآن نفسه قد وصف أمة الإسلام صراحة بالوسطية (البقرة : 143) ، ولذلك فإنه لابد من فهم الإسلام و أي  نسق اعتقادي معقد مثله فهما شموليا لكي نتجنب مثل تلك التفسيرات الخاطئة . ونكتفي الآن بهذه الأمثلة التي نتصور ألها كافية لإثبات ما ذهبنا إليه من أن الكثير من الكتابات التي تشير إلى أن النسق فلاعتقادي أو التوجيهات السلوكية الإسلامية ذات تأثير معوق التنمية إنما هي مبنية على سوء فهم لما تعنيه هذه المعتقدات أو التوجيهات " بالنسبة للمسلمين" والحقيقة أنه بمكاننا أن نجمع هنا قائمة طويلة من الاستشهادات من القرآن والسنة توضح أن الإسلام على العكس يدعو معتنقيه إلى أقصى استخدام للعقل والمهارة والجهد لتحسين أحوال الفرد والمجتمع ، غير أن الاستقصاء الشامل لآثار التعالم الإسلامية على الإنسان يخرج عن نطاق بحثنا هذا .

 

(3) تدهور معتقدات العامة وممارستهم الدينية والتنمية

 

استند كتاب آخرون إلى نماذج معينة من المعتقدات والممارسات السلوكية القديمة أو التي حرفها العامة وساقوها ليثبتوا أن الإسلام سواء بتحريفه أو بإزاحته يقف حجر عثرة في سبيل التنمية رغما عنه ، فنجد جيرتز مثلا يخصص أحد مؤلفاته لكي يثبت أن كلا من التراث الهندي الزراعي في إندونيسيا  والتراث البربري القبلي في المغرب قد كان ذا أثر بالغ على كل الإسلام في كل من هاتين الدولتين المسلمتين لدرجة أن "أوجه الاختلاف بينهما تكاد تعادل أوجه التشابه" (Geertz: 14) كما يشير بتاي إلى أنه بالرغم من أن الإسلام حرم تمثيل الله في شكل صور أو تماثيل وأنه من باب أولى يحرم تقديس الصور أو التماثيل الذي يعتبر كفراً ، فإننا نجد من جهة أخرى أنه تحت هذا الطلاء الخادع من العقيدة الرسمية تعيش المعتقدات الشعبية القديمة التي تعتقدها العامة الذين لا يعرفون إلا القليل عن أصول دينهم " (1973: 145). .

تلك أيضا بعض الحجج المألوفة التي يرددها بعض الغربيين ، وغالباً ما تكون الحقائق الملاحظة صحيحة ولكن السؤال الذي يجب أن نسأله هنا هو : ما هو السبب الرئيس في مثل ذلك التحريف في عقائدها العامة وسلوكهم . هل السبب هو ما يدعه النقاد من مثالية الإسلام وتعقيده العامة وسلوكهم ؟ هل السبب هو ما يدعيه  النقاد من مثالية الإسلام وتعقيده بحيث لا يكون هناك مفر من الانحراف عن معتقداته ؟ أم أن هذا التدهور مرجعه إلى انقطاع عملية التنشئة الاجتماعية والاضطراب في نشر المعرفة بالمفاهيم الدينية الصحيحة بين العامة ؟ أن هذا البحث يدعى انه بالرغم من أن الإسلام دين مثالي (بمعنى انه يسعى لتحقيق حلول مثلى لمشكلات البشرية) إلا انه أيضا دين عملي قابل للتطبيق ، قام بشر عاديون بتبنيه وتطبيقه بنجاح خلال قرون عديدة ، أسفر هذا-بالمناسبة-عن إضافة جوهرية لحضارة الإنسان .

 

لقد حاول بعض دارسي الإسلام جاهدين أن يثبتوا أن العرب في القرن السادس الميلادي لم يكونوا  كما يزعم المسلمون أجلافا غلاظاً متخلفين. فأجهدت لكتنستادر نفسها لتثبت أنهم كانوا منظمين ومتحضرين  (Lichtenstadter : 33-46) ، وتحدث آخرون عن الحضارات الأقدم التي اندمجت فيما عرف بعد ذلك بالحضارة الإسلامية المزدهرة في القرون التالية، غير انه يبدو أن هناك اتفاقاً عاماً على أن الحضارة الإسلامية كانت تمثل اختلافاً في النوع لا في الدرجة عن غيرها من الحضارات المعاصرة لها وتلك الأقدم عهداً منها ،  فالمؤلفة السابقة تقرر لنا أن الشرق الإسلامي "بعبقريته الابتكارية قام ولعدة قرون بقيادة عالم العصور الوسطى في ميادين العلم والفلسفة والفنون حتى بعد أن استشرى الانحلال السياسي في أوصاله" (Ibid. :22). ، كما أن مؤلفاً آخر انتهى إلى انه بدون هذه المساهمات الإسلامية (استخدم تعبير العربية) "ما كان العلم والفلسفة في أوروبا قد تطورا على الوجه الذي وصلا إليه" (Watt, 43). ولقد تكلفت مراجع أخرى (Schacht & Bosworth, 1974; Watt, 1972) بتفصيل ما أجمل في الاستشهادات السابقة والتى يمكن الرجوع أليها إذ أن ذلك يخرج عن نطاق وحجم هذا البحث. وحسبنا أن نشير إلى أن بعض الباحثين يرجعون الفضل في هذه المنجزات الثقافية "باهظة" وخصوصاً جوانبها العلمية جزئياً على الأقل إلى الإسلام نفسه (Landau,1958).  ، مما يجعل من الصعب علينا أن نصدق أن مثل تلك الحضارة مبنية على مثل عليا بعيدة عن ارض الواقع .

 

ويبدو لنا أن دعوى عدم قابلية الإسلام للتطبيق "في واقع الحياة" وانه يعانى من ميل تلقائي محتوم للإصابة بالتحريف من جانب العامة تبنى عادة على نتائج البحوث الميدانية الحديثة التي تجرى على دول إسلامية تحت السيطرة الأجنبية أو لم تكد تخرج من إسار النفوذ الأجنبي ، ولا يمكن لأي باحث جاد أن يفترض أن مثل تلك الشعوب تمارس حياتها متحكمة في مصيرها أو أنها تعيش في ظل نظم ومؤسسات مستمدة من أصول إسلامية حقيقية، ولهذا فان الاحتمال الأقوى أن نقول أن ما نسمعه كثيراً من تقارير عن تحريف المعتقدات والسلوكيات الإسلامية في مثل ذلك الدول الحديثة العهد بالخروج من إسار السيطرة الأجنبية يمكن تفسيره على أساس التمزق الذي أصاب نظمها التعليمية والسياسية والاقتصادية وغيرها من النظم الاجتماعية . والحقيقة أن هذه النتيجة تعكس المنطق العام الذي يتصدى هذا البحث لإبرازه وهو : أن التفسير الأفضل للأوضاع المتخلفة السائدة اليوم في الدول الإسلامية يكمن في النمو المبتور للنظم والمؤسسات المجتمعية في هذه الدول كنتيجة للسيطرة الأجنبية والسياسية والاقتصادية عن اهتمامه بالشعائر العبا دية الشخصية ، ولكن هذا هو موضوع اهتمامنا فيما بقى من هذا البحث ، بيد انه يجب أن يكون واضحاً من البداية أننا لسنا من أنصار التفسيرات المطلقة الوحيدة البعد لمثل تلك الظواهر الشديدة التعقيد مثل التنمية المجتمعية أو التخلف المجتمعي ، وهدفنا فقط هو توجيه الاهتمام إلى بعض المتغيرات التي لم تلق ما تستحقه من العناية رغم إمكانياتها الممتازة في تفسيرات تلك الظواهر .

 

(4) النمو المبتور للنظم والمؤسسات المجتمعية

 

هناك إجماع على أن مساهمة المسلمين في حضارة العالم لم تكن مقصورة على البحث العلمي البحت ، ولكنها كانت أيضا مساهمة تتصل "بالمنتجات المادية والمكتشفات التكنولوجية (Watt; 84) ففي العصور الوسطى بينما أوروبا تغط في الجهل والخرافة كانت الأقاليم الإسلامية تمثل قمة "التنمية" في عصرها غير أننا لسنا بحاجة إلى أن نثبت أن الإسلام كان هو القوة الدافعة الوحيدة لهذا النجاح الهائل لتدعيم موقفنا ، بل إننا حتى لا نحتاج لتدعيم حجتنا إلى إثبات أن الإسلام على الأقل قد قدم السياق العام لذلك التقدم العلمي والتكنولوجي في ذلك الوقت، ولكن الحد الأدنى الذي يلزمنا لإثبات صحة حجتنا هو أن الإسلام "لم يكن" عقبة في سبيل التنمية في ذلك الوقت الذي لم تكن موازين القوة الدولية فيه في غير صالح الأقاليم الإسلامية .

 

ما الذي حدث إذن لعالم الإسلام ؟ وما الذي سبب التخلف الذي نشاهده الآن في الوقت الذي حققت فيه أوروبا (وامتدادها  عبر البحار: أمريكا) هذا التقدم الاقتصادي الحديث على نطاق وبسرعة لم تعرف من قبل ؟ للإجابة على هذه الأسئلة الأساسية لابد من طرق الموضوعين الآتيين :

أولاً : الطبيعة الفريدة للإسلام والتى تقتضي بدءاً سيطرة المسلمين على كل قراراتهم ويمكن فهم هذا الجانب بشكل أفضل من خلال تتبع لكيف تطورت الشريعة الإسلامية على مر الزمن .

ثانياً : علاقات القوة الدولية المعادية للإسلام خصوصاً فيما يتصل بالصراع بين الدولة العثمانية والدول الأوربية ، والذي انتهى بالسيطرة الاستعمارية على الأقاليم الإسلامية .

 

1- الشريعة، والنظم، والمؤسسات المجتمعية :

يعتقد المسلمون أن الإسلام هو الصورة الأخيرة للرسالات الموحى بها من الله خلال العصور المختلفة ، وهو أن استبقى الصحيح من المبادئ الأساسية التي احتوتها صور الرسالات السابقة إلا انه يمثل "الخطة" الإلهية المكتملة لضمان سعادة الناس في الدنيا والآخرة، وأحد الخصائص المميزة لهذه الكلمة الأخيرة أنها تفترض أن السعادة لا يمكن أن تتحقق بالتركيز الكلى على الخبرات الروحية "الشخصية"، ولكن بإعطاء اهتمام  مساو للترتيبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيش في ظلها الناس ويعلمون ، وبلغة أخرى فان الإسلام يتصور أن الصلاح الفردي لا يمكن أن يتحقق بدرجة كافية إلا من خلال ترتيبات مؤسسية "صالحة" فكل من الجانبين يتطلب نفس القدر من اهتمام المسلم الذي يفهم أن الآثم الذي يلحق به إذا تقاضى أو دفع ربا على القروض لا يقل عن الإثم الذي يلحقه إذا لم يؤد صلواته الخمسة أو لم يؤد فريضة الصيام .

 

وقد حدد القرآن بعض القواعد المتصلة بهذه المؤسسات تفصيلاً،  كما أشار إلى بعضها بشكل عام ثم ترك بعض القواعد ليتم تحديدها عن ظهور الحاجة إليها في إطار القواعد العامة، ولما كانت القواعد المشار إليها مستمدة مباشرة من القرآن -الذي يعتقد المسلمون انه لا يأتيه الباطل- فان طاعتها ليست مجرد التزام اجتماعي وإنما هي "أمر يتصل بعبادة الله" (Landau :127) . ومن الطبيعي انه حال حياة محمد رسول الله فانه كان المفسر بلا منازع لكلمة الله والطبق لها على المواقف الحادثة، أما بعد وفاته فان أقواله وأفعاله (السنة) كانت المصدر الثاني لما سمي فيما بعد بالشريعة ، ومع اتساع رقعة "الأمة" الإسلامية ظهرت مواقف جديدة تحتاج إلى استصدار أحكام لها فتراكمت في القرون الهجرية الأولى مجموعة ضخمة من الأحكام الشرعية التي كان يتم تقنيتها بجد واهتمام بالغين اعتماداً  على القرآن والسنة كمصادر تشريعية، أضيف أليها القياس وفقاً لما جاء في هذين المصدريين، ثم الجماع (إلى جانب عدد آخر من المصادر الفقهية الأقل أهمية) . وقد استجابات الشريعة خلال عدد آخر من المصادر الفقهية الأقل أهمية). وقد استجابات الشريعة خلال هذه الفترة بفاعلية تامة للحاجات المتغيرة للأزمان والأمكنة ، وليس هذا فقط بل أن الفقهاء بفاعلية في ذلك العصر وتلاميذهم من بعدهم قد انغمسوا في غمرة حماسهم في محاولات لاستنباط أحكام لمواقف افتراضية موغلة في الخيال تصل أحياناً إلى حد مضحك (قد لا يحتاج أليها إنسان تحت أي ظروف) لاستيفاء كل الحالات الممكنة منطقياً.

 

بعد هذه الفترة وجد شعور-قد يكون مثاره الثقة الزائدة عن الحد من جانب أولئك الفقهاء- بأنه لم يعد هناك حاجة لاستنباط أحكام جديدة من المبادئ العامة، وقد يكون هذا الشعور قد قواه النجاح الدنيوي الذي تحقق في هذا العصر الذهبي للإسلام، إلا أن إغلاق الباب أمام الإضافة المتجددة للشريعة ربما دفعت الشريعة ثمنه غالياً من حيويتها ومرونتها.

 

وبطبيعة الحال فان هذا الإغلاق لم تظهر في الحال، بل يبدو أن النظم والمؤسسات المجتمعية التي بنيت على أساس القواعد الشرعية التي قننت في تلك الفترة قد ظلت على كفاءة عالية لعدة قرون تلت، ولكن استجابة الشريعة للتغير بعد ذلك فقدت اتصالها، فكلما بدت الحاجة إلى الاجتهاد ظهر فقيه غير عادى مثل ابن القيم أو ابن تيميه لكي يتولى مسئوليته، وإذا كان بعض الباحثين يرون أن باب الاجتهاد لم يغلق إلا فيما يتصل بالنصوص وليس فيما يتصل باستنباط الأحكام الشرعية لأمور المعيشة اليومية بهذا يرون أن الآثار السلبية لإغلاق باب الاجتهاد (أن وجدت أصلاً) محدودة للغاية فأننا إذ ندرك المكان المحوري الذي تلعبه الشريعة في حياة المسلم لنتصور أن اى قيود على مرونتها يمكن أن يكون له نتائج سلبية. ولكي ندرك ما تعنيه الشريعة للمسلم فلنتذكر مع لانداو أن الشريعة .. "ليست فقط مجموعة من القوانين التي تؤثر على حياة المسلم في بعض المناسبات الخاصة بل أنها هي عماد وجوده، حيث تقوم مبادئها بالهيمنة والتنظيم لكل جوانب حياته الدينية والسياسية والاجتماعية والأسرية بل وحياته الشخصية" (Ibid., 128).. ومن هنا فان ادعاء أي جيل أنه يملك الكلمة الأخيرة فيما يتصل بهذه الأمور الحيوية إنما يحرم المجتمع من بعض عناصر قوته، وعلى أي حال فان تأثير هذه القيود لم يكن مدمراً وقد يرجع هذا إلى ديناميات لا مركزية الحكم قبل العثمانيين ، أما بعد حكمهم المركزي فقد بدأت الآثار الخطيرة لهذه القيود في الظهور.

 

2- الدولة العثمانية والركود العظيم :

لعله كان يكون من الشائق أن نحاول متابعة الإسلام خلال العصور وفى مختلف الأقاليم لتحرى كيفية استجابة الشريعة للتغير في كل منها، إلا أنه يكفينا هنا أن نأخذ الدولة العثمانية كنقطة بداية مناسبة بالنظر لأهميتها التاريخية في تفسير الأوضاع الحالية في قطاع كبير من دول العالم الإسلامي المعاصر. فلقد تلت العصر الذهبي للإسلام فترة من التدهور التي عجلت بها الضربات القاصمة لغزوات المغول في أوسط القرن الثالث عشر الميلادي وفى أواخر القرن الرابع عشر، غير أن العثمانيون ظهروا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر كأمل في مواجهة التدهور، فقاموا -ببأسهم الشديد- بالدفاع عن الأقاليم الإسلامية وكان ينظر إليهم على أنهم حماة الإسلام (Encyclopedia Britannica, 1974, Vol.9 :934).  حيث وصل اتساع العالم الإسلامي تحت حكمهم إلى أقصى مداه.

 

غير أن الدولة العثمانية قد دفعت ثمناً غالياً لكي تحافظ على سيطرتها على هذه المساحات الشاسعة من جهة وبسبب النزاع المستمر بينها وبين الدول الأوربية من جهة أخرى، فلم يأت القرن الثامن عشر إلا وكانت الدولة العثمانية قد وقعت فريسة للركود والانحدار. وفى الوقت الذي بدأت سيطرتها على المناطق البعيدة عن المركز تضعف فان حاجتها إلى الموارد ازدادت حدة إذ كانت تحاول صد هجمات القوى الأوربية الفتية خلال القرن الثامن عشر (وما بعده)، فبدأت تلجأ للقهر والعنف لكي تضمن الحصول على ما يلزمها من الموارد الاقتصادية من المناطق الخاضعة لسيطرتها، وبدأ استغلال فكرة الخلافة لتدعيم شرعية الدولة العثمانية وإضفاء صبغة دينية عليها. غير أن ما يهمنا في هذه المناقشة هو أن هذا كله بدأ يرتبط بشكل متزايد بالتقوقع على الذات مع شعور مرضى بالعظمة أدى إلى عزلة الدولة العثمانية عما يجرى حولها من تطورات ثقافية وتكنولوجية، حيث اعتقد العثمانيون في تفوق نظامهم ولم يروا أي مبرر للتغير حتى أن "كل التطورات التي حدثت في الحياة الصناعية والتجارية وفى العلم والتكنولوجيا وبصفة خاصة في التنظيم السياسي والعسكري والتى حدثت في أوربا منذ عهد الإصلاح الديني كانت ببساطة غير معروفة للعثمانيين، حيث كان لا يحدث  لقاء مباشر بينهم وبين الأوربيين إلا على أرض المعركة" (Britannica : 783-784)..

 

وتحت هذه الظروف تعرضت المناطق الخاضعة للحكم العثماني-المتسترة بستر رقيق من الشرعية الدينية لتسلط خانق من جانب العثمانيين الإجراءات القمعية لمواجهة الانتفاضات المحلية، إلا أن العثمانيين نجحوا في الوقت ذاته وإلى حين- في إيقاف مد الهجمات الأوربية ، وقد أدى هذا كله إلى تدهور الأوضاع عموماً في تلك المناطق، وبدلاً من نمو النظم و المؤسسات المجتمعية بشكل فعال لمواجهة الحاجات المتغيرة كان مجرد المحافظة على البقاء هو الشغل الشاغل للجميع لعدة قرون، وقد استمرت هذه الأوضاع المتدهورة حتى انتصرت القوى الأوربية في النهاية وبدؤوا صفحة جديدة خاصة بهم من صفحات تعويق (تقزيم) نمو النظم والمؤسسات المجتمعية في الأقاليم الإسلامية.

 

 3- التسلط الاستعماري :

تركت الدولة العثمانية المناطق التابعة لها في حالة من الركود البين، وتلا ذلك خضوع تلك المناطق النوع جديد من الحكم الأجنبي والاستغلال، فإذا كان ظلم الأتراك لهم من داخل العائلة كما يقولون فان الأوربيين كان ينظر لهم كأعداء لددا منذ القدم جاءوا لشن حرب صليبية جديدة. ورغم أن هناك من لا يزالون يصفون السيطرة الأوربية بأنها كانت بالمقارنة بالحكم العثماني "إنسانية وتنويرية" (Patai : 301) ، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً لا يجوز أن نهمله، فالأوربيون جاءوا يمثلون ثقافة مختلفة وديناً مختلفاً ، وهم قد آتوا هذه المرة وهم واثقون في تفوقهم ، ولم يكن اهتمامهم منصباً فقط على إخضاع الناس ولكن أيضاً على استبدال طريقتهم في الحياة بطرقهم هم ، وأوضح مثال على ذلك هو ما يعرف "بالرسالة الحضارية" لدى الفرنسيين.

 

وجد المسلمون الذين ظنوا أنهم قد أفلحوا أخيراً في التخلص من نير الظلم التركي أنهم قد وقعوا فريسة لقوة عسكرية واقتصادية فتية جديدة، تحاول اقتلاع ثقافتهم من جذورها-الصالح منها والطالح بطرق خفية أحياناً وفظة أحياناً أخرى حيث أصبحت كلمة "حديث" التي تدل على ما هو أوربي أو غربي- تعنى "جديد" بالجملة، وأصبحت كلمة "تقليدي" تعنى "سيئ" بالجملة، وبدأ فرض النظم والمؤسسات تعسفاً على المناطق الإسلامية المستعمرة كما لو كانت هذه النظم الغربية بطبيعتها صالحة للتطبيق على كل الناس في كل مكان ، ويصف جيرتز "المواجهة الاستعمارية بأنها لم تكن فقط مواجهة اقتصادية وسياسية بل كانت قبل هذا كله مواجهة روحية : كانت صداماً روحي بين ذات كل من الفريقين" (Geertz : 64).  و ومن هنا فان المسلمين قد استشعروا رفضاً "روحياً" للنظم والمؤسسات الاستعمارية التي تخالف الشريعة استمر معهم في كل وقت حتى حققوا التحرير من ربكة الاستعمار  ، غير أن استجابة الناس سلوكياً لهذه المؤسسات الغربية المفروضة عليهم قد اختلفت سواء في عهد السيطرة الاستعمارية أو بعد انتهائها .

 

فلقد تبين البعض أن القرون التي عاشتها مناطقهم في ظل الجمود العثماني قد عاق نمو المؤسسات المحلية إلى حد كبير ، ولهذا فإنهم عندما وجدوا البديل الغربي الجاهز والناجح فإنهم قد اختاروا أن يشتروا هذا البديل بالجملة ،وهذا ما فعلته " الإصلاحات" الكمالية في تركيا ، فبنى أتاتورك دولة علمانية صيغت على غرار النموذج الأوربي "الحديث" بدلا من النموذج الإسلامي ،  ونحن نفهم الآن كيف يشعر المسلم حين تطالبه بالعيش في ظل دولة علمانية ، ورغم أن الحركة الكمالية لم تطلب من المسلمين أن يرتدوا عن الإسلام فان دعوتهم إلى العلمانية تكاد تقترب من ذلك بسبب الطبيعة المؤسسية للإسلام والتى أشرنا إليها آنفاً.

 

 

أما العديد من الدول الإسلامية الأخرى فقد وجدت الصفوة الحاكمة أن تبنى النموذج الغربي ولكن بدرجات أقل من ذلك سيكون أكثر تقبلاً من جانب الناس، بل يبدو أن بعضهم قد استشعر أيضا عدم ملاءمة هذا النموذج للظروف المحلية- هذا الاتجاه التلفيقي هو الذي ساد استجابات حكومات أكثر الدول الإسلامية الحديثة الاستقلال في ذلك الوقت (مصر تونس الجزائر الخ) ، فحيثما وجدت أحكام شرعية متطورة (مثلاً في مسائل للأسرة والأحوال الشخصية) فأنها استبقت، أما في المجالات التي لم تكن هناك فرصة لتطبيق أصولها العامة على واقع الحياة لفترة طويلة فان الحل كان النقل المباشر عن الغرب .

 

أما على مستوى التعامل اليومي للجماهير فان الصورة قد اختلفت قليلاً . فبينما تبنى البعض الأساليب الغربية الجديدة، فان الكثيرين كان من الصعب عليهم تقبل الانحرافات الغربية عن ما رسمته الشريعة من طرائق، غير أن هذه المجموعة كانت تسبح ضد تيار النظم والمؤسسات المجتمعية، فضرورات السوق مثلاً تقتضي أما التعامل بالربا أو الإفلاس، ومن هنا وجد البعض منهم دافعاً لاستخدام أساليب "تحايلية" للدوران حول القواعد الشرعية وصفها كثيرون من الكتاب الغربيين بالتفصيل (Levy, 1965:  256-257), ، أما البعض الآخر فقد استمر في حالة لا يجد بديلاً للمؤسسات الغربية التي يرفض في نفس الوقت المشاركة فيها ، وهذا يفسر لنا ملاحظات الكتاب الذين تكلموا عن استجابة المسلمين "بطريقة سلبية" وامتناعهم عن المشاركة في المشروعات الرأسمالية التي يشجعها الأجانب (Parkinson : 44)  ، فهم لا يشاركون في هذه المؤسسات إلا بالقدر الذي تحتمه الضرورة وهذا أمر تسمح به الشريعة تحت مبدأ "لضرورات تبيح المحظورات" ومبدأ "الضرورة تقدر بقدرها".

 

4- التأثير التراكمي للعوامل السابقة:

ذكرنا انه رغم أن إغلاق باب الاجتهاد حول القرن الحادي عشر الميلادي قد سلب الشريعة من قدر من حيويتها إلا أن سيطرة الآخرين (من الداخل أو من الخارج) على الأراضي الإسلامية واتخاذهم قرارات السياسة العامة الرئيسية لفائدة مصالح أجنبية عنها كانت العامل الحاسم في تعويق نمو نظمها ومؤسساتها وبالتالي في تخلفها.

ورغم أن كُتاباً مثل رودنسون يرون انه ليس من الممكن الجزم بما إذا كانت المجتمعات الإسلامية ستنجو في نموها منحى رأسمالياً على النمط الأوربي إذا لم تكن قد تعرضت للاستعمار (Rodinson, in, Jomo, 1977: 243).  ، فأننا يجب أن نتذكر بانه لو كانت "التنمية" قد حدثت لكان من المحتمل أن تكون قد أخذت شكلاً على "حق الحياة" المطلق وعلى "العدالة الاجتماعية" (Jomo: 243)  من المهم أن نذكر هنا أننا لم نبن منطقنا على تأثير عامل الاستعمار منعزلاً، وإنما بنيت حجتنا على التأثير التراكمي للحكم العثماني الذي تلاه الحكم الاستعماري وآثاره في سياقها التاريخي التطوري الصحيح مما يجعل طبيعتها المدمرة أكثر وضوحاً .

 

والواقع انه في ضوء هذا الإطار يمكننا فهم ظواهر قد تبدو غير ذا معنى وقد يفسرها الغريب عنها تفسيرات غير واقعية، فمثلاً يساعدنا هذا الإطار في فهم الأسباب التي من أجلها تحاول تركيا المعاصرة تدريجياً إلغاء بعض إجراءات ما سمي بالتحولات "التحديثية" ويساعدنا أيضاً أن نفهم الحركات المشابهة في أفغانستان وباكستان، كما يساعدنا هذا أيضا في فهم أسباب وجود ذلك العدد الكبير من الكتاب "الدفاعيين" في العالم العربي والذين يبدو أن هدفهم الأساسي هو توضيح القضايا النظرية على الأقل ما دامت أيديهم مغلولة بأغلال السيطرة الأجنبية أو الطغيان المحلى .

فالتفسيرات السطحية قد تصور المشكلة في تركيا على أنها مشكلة ضعف في قوة حاملي لواء التحديث في مقابل تقليدية العامة ، وقد يفسر تعريض الناس أنفسهم للهلاك في أفغانستان على أساس أنهم أناس متعصبون ساخطون على التحديث السريع، وقد تبدى هذه التفسيرات السطحية العجب من استمرار الكتابات الدفاعية غير المجدية ، ولكن ما تغفله كل تلك التفسيرات هو انه لا يمكن فهم حاضر هذه المجتمعات في عزلة عن ماضيها . ويبدو لنا أن رغبة المسلمين الملحة في السيطرة على شئون حياتهم ورغبتهم في أن يقرروا لأنفسهم بحرية الطريق الذي يريدونه لبناء نظمهم ومؤسساتهم المجتمعية وفقاً لقيمهم- تلك العملية التي حرموا منها طويلاً يبدو أن هذه مسائل لا يستطيع أن يفهمها أولئك الملاحظون "العصريون المستنيرون الإنسانيون" !!.

 

(5) تلخيص وخاتمة

 

نحا بعض الكتاب إلى القول بأن الإسلام  عقبة في سبيل التنمية إذ لاحظوا الأحوال المتخلفة التي تعيش في ظلها الدول الإسلامية ، وقد حاولنا في هذا البحث أن نبين كيف أن المعتقدات والتوجيهات السلوكية الإسلامية المتهمة ليست في الواقع مضادة للتنمية ، بل أن البعض مثل رودنسون يرون أن القرآن يؤكد على العقلانية والمنطق والحركة الإيجابية وليس على اللاعقلانية أو السلبية أو القدرية (Jomo: 243).

 

وقد عرضنا هنا لتفسير بديل لتخلف الدول الإسلامية على أساس انه نتيجة تمزقات خطيرة في التنظيم الاجتماعي لتلك المجتمعات أحدثتها السيطرة الأجنبية على قدراتها لفترات طويلة. لذلك فان النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المهلهلة لتلك المجتمعات عاجزة عن الاستجابة لاحتياجات السكان بطريقة ذات معنى ، حيث توقف النمو الأصيل الموافق للشريعة لتلك المؤسسات لعدة قرون، وفرضت بدلاً منها نظم أجنبية تتعارض مع روح الشريعة ، مما أدى بالناس إلى الإحساس المستمر بصراع حاد بين ما استقر في ضمائرهم انه الحق وبين الأمر الواقع الكئيب .

 

إن نظريات التنظيم الاجتماعي تبين لنا أن أنماط السلوك الاجتماعي تتبلور من خلال التفاعلات التي تتم بين أعضاء الجماعة ، وأنه كلما تبين للجماعة أن ألوانا معينة من العلاقات الاجتماعية وأنواعاً معينة من المعايير التي تحكمها ذات قيمة في إشباع الحاجات الأساسية للجماعة فانه يتم تثبيتها في شكل مؤسسي ، غير أن هذا التحليل يفترض أن هذه السلسة بدءاً من الحاجات ثم التفاعلات ثم العلاقات فالمعايير والقيم إلى التثبيت المؤسسي تسير بشكل طبيعي لا يعوقه عائق ، أما إذا أدخلنا التدخل الأجنبي في الصورة فأننا في الحقيقة نكسر هذا التسلسل الطبيعي فنجد أن النظم والمؤسسات تنمو لأنها أساسا تعمل لصالح القوى الأجنبية، ورغم أنها قد تفيد أيضا بعض الجماعات المحلية إلا أن هذا لا يعنى فائدة المجتمع ككل ، بل انه قد يكون من المعقول الاقتراض بأن الفوائد إنما تعود على الجماعات المحلية التي تظهر استعدادها للتعاون وع العدو وبهذا تساعد على استمرار تسلطه .

 

وكما أوضحنا، فإن نمو النظم والمؤسسات في الإسلام ليس متروكاً بكليته إلى تفاعل الناس -معوقاً أو غير معوق-  فهناك التزام ديني بأن يتم بناء تلك النظم والمؤسسات وفقاً لمبادئ موجهة عامة تضمن العدل للجميع بواسطة مشرّع محايد هو الله سبحانه وتعالي، فإذا ديست تلك المبادئ فإن المسلمين يشعرون أنهم لا يعيشون حياة "مستقيمة" وأنهم يلعبون وفقاً لقواعد غريبة عنهم إذا ما استخدموا مثل تلك المؤسسات المسماة بالعصرية أو شاركوا في عملياتها، وقد يسيء (من لا يعلمون) فهم هذا الموقف ويصورونه على انه نقص في قدرة المسلمين على المشاركة الإيجابية فينا ينفعهم! خذ مثلاً وصف جيرتز التالي للمسلمين في إندونيسيا " إنهم يملكون وفرة وافرة من الفضائل البروتستانتية المألوفة، من مثابرة وتوفير، واستقلال وتصميم، ولكن تنقصهم القدرة على تكوين مؤسسات اقتصادية ذات كفاءة، إنهم رجال أعمال بلا أعمال" (Geertz, 1963 :28). لكن جيرتز (وهو من أساطين علم الاجتماع وعلم الإنسان) لم يكلف خاطره أن يحاول فهم السبب في هذا التناقض الواضح الذي اكتشفه هو بنفسه.

 

والحق أن وصفه هذا يمكن أن ينطبق على رجال الأعمال  في الكثير من الدول الإسلامية  الأخرى، فما السبب الواضح لذلك؟ إن هذا ليس إلا الحصاد المر لعديد من العوامل " التاريخية المؤسسية" كما أوضحنا من قبل ، ليس أقلها أهمية وخطورة السيطرة الاستعمارية التقليدية  أو خليفتها: الاستعمار الجديد .

 

إن أحد الميزات الأخرى لهذا الفرض التاريخي/ المؤسسي بالإضافة إلى تفسيره للتخلف في الدول الإسلامية أنه قد يساعدنا أيضاً في فهم التطورات الحالية في هذه الدول كذلك ، "فالإحياء الإسلامي السلفي" الذي يكتبون كثيراً عن ظهوره في معظم تلك الدول في الحاضر يفسره بعض المحللين في ضوء عوامل ثانوية تتصل بصفة خاصة الظروف المحلية في كل دولة من تلك الدول على حدة، ولكن أي تفسيره أصيل يخترق الحدود القومية لتلك الدول يجب أن يستخدم هذا الفرض التاريخي/ المؤسسي، فهذه الحركات والمؤسسات المجتمعية فيها-والتى لم تستمد من قيمتها الدينية بل وغالباً ما تكون معادية لهذه القيم- في اجتذاب ولاء وحب المنظمين لتلك الحركات ولقد دعم هذا الاتجاه ما تبين أخيراً من محددات تخضع لها النماذج المادية "العصرية" للتنمية مما أدى إلى تدعيم اتجاهات البحث عن الأصالة بدلاً من استيراد النماذج، فدعوة "نادى روما" إلى إعادة توجيه المجتمع "نحو أهداف تحقيق التوازن وليس النمو" قد أدت إلى نوع من التحرر من أوهام عبادة النمو بأي ثمن ، يقول مغربي موضحاً "يبدو أن النموذج القديم للتنمية قد بدأ يتهاوى تحت وطأة التناقضات والندرة ، فلم يعد من المرغوب فيه أو الممكن تحمل النفقات الاجتماعية الباهظة التي يفرضها هذا النموذج مثل عدم التوازن بين الإنسان والبيئة الإيكولوجية ، وانتشار الأحياء الصناعية المتخلفة، وكذلك المشكلات الحضرية الضخمة" (Moughrabi, 1978).

 

ويرى المفكرون المسلمون (Zaman, 1979)  أن النظام الاقتصادي الإسلامي مصمم بشكل فريد لتقليل مثل تلك التناقضات والمظالم المميزة لكل من النظم الاقتصادية الرأسمالية أو الشيوعية (أن لم يكن القضاء على تلك التناقضات كلية) وإذا صح الفرض التاريخي/ المؤسسي فأننا نتوقع استمرار ذلك الفوارق في العالم الإسلامي حتى يتم نوع من التوافق الحقيقي بين النظم والمؤسسات المجتمعية التي في ظلها يحيا الناس ويعملون وبين القيم الدينية التي تعطى حياتهم قيمة ومعنى، فان هذا أمر تحتمه- كما ذكرنا- الطبيعة الفريدة للإسلام كنسق اعتقادي ونسق اجتماعي في آن معا.

 

المراجع

 

Geertz, C. (1963) Peddlers and Princes: Social Development and Economic Change in Two Indonesian Towns (Chicago: University of Chicago Press).

 

Geertz, C. (1968), Islam Observed: Religious Develop­ment in Morocco and Indonesia (Chicago: University of Chicago Press.

 

Landau, R. (1958), Islam and the Arabs (London: George Allen & Unwin).

 

Levy, R. (1965), The Social Structure of Islam (Cambridge: Cambridge University Press).

 

Lichtenstadter, I. (1958) Islam and the Modern Age (New York: Bookman Associates).

 

Moughrabi, F. M. (1978), “The Arab Basic Personality: A Critical Survey Of The Literature”, Journal of Middle East Studies, Vol. 9 pp. 99-112.

 

Parkinson, B. K. (1967), “Non-economic Factors in the Economic Retardation of the Rural Malays”, Modern Asian Studies, Vol. 1, No. I pp. 31-46.

 

Patai, R. (1973), The Arab Mind (New York: Scribner's).

 

Rodinson, M. as paraphrased  K. S. Jomo, (1977)“Islam And Weber: Rodinson On The Implication Of Religion For Capitalist Development', Developing Economies, Vol. 15, No. 2 .

 

Schacht, J. and C. E. Bosworth eds. (1974), The Legacy of Islam (Oxford: Clarendon Press)

 

 Sutcliffe, C. R. (1975), “Is Islam an Obstacle to Develop­ment? Ideal Patterns of Belief versus Actual Patterns of Behavior', The Journal of Developing Areas, VoI. 14 , pp. 77-82.

 

Swift, M. G. (1964), “Capital, Credit And Saving In Javanese Marketing”, in R. Firth and B. S. Yamey (eds.), Capi­tal, Saving and Credit in Peasant Societies (Chicago: Aldine, p. 150.

 

The New Encyclopedia Britannica (1974) 15th ed.

 

Watt, W. M., (1972) The Influence of Islam on Medieval Europe (Edinburgh: Edinburgh University Press).

 

Weber, M. (1963) The Sociology of Religion, trans. by E, Fischoff (Boston: Beacon Press).

 

Zaman, M. R. (1979) “Islamic Economic System And Modernization”, Paper presented to the 1979 Annual Meeting of the Society for Scientific Study of Religion, San Antonio, Texas, October 1979, Mimeo.

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com