|
|
|
|
"سياسات مواجهة
الفقر : رؤية نقدية"
ورقة عمل
د. إبراهيم عبد الرحمن رجب
الأستاذ بقسم الخدمة الاجتماعية
وتنمية المجتمع ، بكلية التربية ، جامعة الأزهر بالقاهرة
---------------------------------------
ورقة عمل قدمت للمؤتمر
العلمي السادس للمعهد العالي للخدمة الاجتماعية
بالقاهرة حول "الفقر وحقوق الأسرة" ، في المدة من
4-5 إبريل 2007.
سياسات مواجهة الفقر
: رؤية نقدية
أولا : أبعاد القضية
لا
يحتاج المتأمل لواقع الفقر ولأحوال الفقراء كبير جهد لكي يكتشف التناقض الصارخ بين
حجم "ما يقال" تعبيرا عن التعاطف مع أحوال الفقراء وضرورة القضاء على
الفقر من جهة ، وبين الضعف والهزال المزمن "للأفعال" والجهود التي يتم
بذلها على أرض الواقع لمواجهة الفقر من جهة أخرى ! فعلي حين نرى السياسيين على
المستويات المحلية أو الدولية يرفعون الشعارات البراقة ويوقعون
"التعهدات" الدولية الوثيقة التي تلزمهم بوضع السياسات واتخاذ الإجراءات
التي تكفل "القضاء على الفقر" فإننا نجد أن ما يتحقق على أرض الواقع
دائما إنما هو أقل من القليل ... فلطالما ارتفعت أصوات كثيرة وسال مداد غزير في
إطار ما تم عقده من ورش العمل والندوات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية ،
ولطالما قامت الدول بإعداد "الاستراتجيات القومية لمواجهة الفقر" تنفيذا
لاشتراطات المانحين الدوليين للحصول على المساعدات الدولية ... وبالرغم من ذلك كله
فإننا لا نرى إلا تواتر الأنباء بأن أحوال الفقراء لا تزداد إلا سوءا ... وإذا كان
"مؤتمر قمَّة الألفية" الذي انعقد بمقر الأمم المتحدة بنيويورك في العام
2000 ( وحضره
147 من رؤساء الدول والحكومات وممثلون لما مجموعه 189 دولة) قد وضع "القضاء
على الفقر المدقع والجوع" على قمة الأهداف الدولية الإنمائية للألفية الجديدة
، إلا أن تقارير الأمم المتحدة منذ
ذلك الوقت تشير إلى ضَعْف النتائج المتحققة في الواقع ... وعلى سبيل المثال فلقد
حذر تقرير التنمية البشرية الصادر عام 2005 قادة العالم من أن الوقت ينفد أمامهم
للوفاء بوعودهم لخفض معدلات
الفقر في العالم ، كما حذر التقرير من أن الملايين سيقضون نحبهم خلال العقد المقبل
إذا لم يتم "حدوث تغييرات
جذرية" ... ومن المفارقات الدالة أيضا أن انتهاء
"عقد الأمم المتحدة الأول للقضاء على الفقر" عام 2006 قد تزامن مع نشر
"المعهد الدولي لاقتصاديات التنمية" بجامعة الأمم المتحدة لتقرير مهم عن
توزيع الثروة والممتلكات (توزيع الأصول) في العالم (Davies, et al., 2006) ، وهو التقرير الذي
أثبت أن 2% من أرباب الأسر يتملكون مايزيد عن "نصف" الأرصدة الثابتة
والمنقولة في العالم ، في حين أن "النصف" الأفقر من العالم لا يتملك إلا 1% من تلك الأرصدة ، كما أثبت لتقرير
استمرار التفاوت الشديد في توزيع "الأصول" وكذلك في توزيع
"الدخول" سواء بين
الدول وبعضها أو بين المواطنين في نفس الدولة في العالم كله ، وإذا كان هذا
التقرير اعتمد على تحليل إحصاءات العام 2000 فإنه لا يبدو أن الصورة تزداد اليوم
إلا قتامة (إذا أخذنا اتجاهات إسقاط البيانات على المستقبل في الاعتبار).
فكيف يمكن لنا أن نفسر ذلك التناقض المفزع بين الأقوال والأفعال فيما يتصل
بتعامل البشر مع قضية الفقر وسوء التوزيع
على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية؟ إن من المسلم به من الناحية
المنهجية أنه عند تحليل المشكلات
الاجتماعية المعقدة فإن أي ظاهرة أو مشكلة ذات طبيعة عامة وتستمر تاريخيا لفترات
طويلة لا يمكن التوقف في تفسيرها عند العوامل الفردية أو المتغيرات المحدودة بظروف
محلية أو أوضاع موقوتة زمنيا ، وإنما الأمر يتطلب تفسيرات على نفس المستوى من
العمومية ، أي تفسيرات ذات طبيعة شمولية تقوم على استخلاص العوامل ذات الطبيعة
العامة المشتركة بين البشر والمتعدية
للحدود الضيقة للدول والمناطق الجغرافية ، كما أن من المسلم به أيضا أنه عند توصيف
الحلول فإن مثل تلك الأنواع من المشكلات لا يمكن مواجهتها من خلال برامج وإجراءات
وأساليب "فنية" جزئية مصممة على أسس براجماتية ... فالقضية ما دامت على
هذا المستوى من العموم والشمول والعمق فإنها تتطلب إعادة النظر (بصورة جذرية) في
الأفكار والمذهبيات الموجِّهة للعمل والفعل ، وفي المسلمات القيمية العامة التي
تكمن وراء البرامج والإجراءات والممارسات التفصيلية لمواجهة الفقر.
وتحاول هذه الورقة سبر أغوار هذه القضية عن طريق تحليل الاستراتيجيات والسياسات
والبرامج الحالية التي تتبناها المنظمات الدولية ، والحكومات الوطنية ، والتي تقوم
على تنفيذها الهيئات الحكومية والأهلية على المستويات القومية والمحلية لمواجهة
الفقر ، حيث نسلط الضوء على المسلمات القيمية والفكرية السائدة التي تنطلق منها
تلك السياسات ، ثم تحليل تلك المسلمات لتحديد النتائج المترتبة على تبنيها ، وبيان
مدى علاقتها بالفشل الذريع للسياسات والبرامج الحالية ، تمهيدا لاقتراح إحداث
تحولات في الرؤية العامة للقضية وصولا إلى
البدائل الملائمة التي يمكن أن تفتح الباب أمام المواجهة الفعالة لتلك المشكلة
المزمنة.
ثانيا : الخدمة
الاجتماعية وتحليل السياسات الاجتماعية
إن مهنة الخدمة الاجتماعية –أمل المحرومين- قد أضاعت الطريق من تحت أقدامها
زمنا طويلا بتركيزها على الطرق والأساليب والأدوات الفنية لتقديم الخدمات
"العلاجية" إلى العملاء الذين يتقدمون إلى مؤسساتها ، أو إلى القادرين
على دفع أجور الخدمات في عيادات الممارسة الخاصة ، في الوقت الذي كادت فيه هذه
المهنة تفقد الرؤية الشاملة لدورها في الإسهام في مواجهة القضايا والمشكلات
المجتمعية العامة ، حتى أصبح المجتمع يفتقدها حيث كان يجب أن يجدها ... فبالرغم من
أن الخدمة الاجتماعية كمهنة قد نشأت في قلب جهود "الإصلاح الاجتماعي"
وفي خضم هموم "السياسة الاجتماعية" في أواخر القرن التاسع عشر في
بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنها قد تحولت في العقد الثاني من
القرن العشرين لتعطي جُل اهتمامها لمنهجيات تقديم الخدمات الفردية المباشرة
للعملاء ، جريا وراء الحصول على "المكانة المهنية" ، واستجابة للقيم
السائدة في المجتمع الأمريكي التي تؤكد على الفردية Individualism وعلى الحرية الاقتصادية
وعلى رفض تدخل الدولة في قضايا السياسة الاجتماعية (إلا في فترات الأزمات القومية)
، حتى تعالت الأصوات من داخل المهنة ومن خارجها تتهم المهنة بالتخلي عن رسالتها
الكبرى في الدفاع عن قضايا المستضعفين ممن هم أحوج الناس إلى جهودها ... إلا أنه
في السنوات الأخيرة ومع ظهور العواقب المرة للسياسات المحافظة في الولايات المتحدة
الأمريكية فإنه يبدو أن المهنة قد بدأت
تتعافى شيئا قليلا في اتجاه العودة إلى جذورها وإن على استحياء ، حيث بدأت اليوم تستعيد وعيها بخطورة القرارات
المتصلة بالسياسة الاجتماعية ... تلك القرارات التي تؤثر تأثيرا شديدا على نوعية
حياة قطاعات عريضة من الناس ممن قد لا يملكون القوة الاقتصادية ولا النفوذ السياسي
للتأثير على القرارات التي تخنق فرصهم في الحياة وفي المشاركة المجتمعية المنتجة
... ومن هنا فقد بدأت المهنة تعطي التدخل
المهني الذي يركز على تشكيل معالم قضايا "السياسة الاجتماعية" قدرا من
الاهتمام الذي يستعيد لها مكانتها الطبيعية في تراث المهنة.
ولقد انعكست تلك التطورات أولا في تزايد اهتمام المهنة في العقدين الماضيين
بقضية "تحليل السياسات" Policy
Analysis ، وهو مفهوم عرّفه البعض
بأنه "المشورة التي توجَّه للمسئولين بشأن القرارات العامة (الحكومية)
بالاستناد إلى القيم الاجتماعية" ، وهو مفهوم مستخدم في نطاق مهن وتخصصات
متعددة ، يشير من جهة –كما تؤكد سوزان آينبايندر- "إلى استخدام طائفة من المهارات
الفنية لوصف وتقييم السياسات الاجتماعية والتأثير فيها ، كما يشير من جهة أخرى
إلى رؤية (أو منظور) لما ينبغي أن تقوم به الحكومات بناء على تقدير للموقف مبني على إدراك الواقع
وعلى إمكانات التدخل لتحسين الأحوال القائمة" ... ويلاحظ أن التراث المهني "لتحليل
السياسات" يؤكد على أنها ليست مجرد عملية فنية ، بل إنها تقوم على إدراك واضح
للطبيعة السياسية والقيمية والأيديولوجية والأخلاقية التي تبنى عليها السياسات
الاجتماعية ، مع إدراك بأن السياسات بصفة عامة إنما تتعلق بطبيعتها بمسائل
واعتبارات واختيارات لا يمكن حسمها على أساس إمبيريقي ، وهذا كله يعطي مناقشة الأساس "القيمي" للسياسات
مكانا محوريا عند المقارنة بين "البدائل" الممكنة للسياسات الاجتماعية
المختلفة(Einbinder, 1997) .
وإذا كان "تحليل
السياسات" بالمفهوم
السابق يمثل أرضا مشتركة بين العديد من التخصصات فلقد
ظهرت في محيط الخدمة
الاجتماعية في العقدين الماضيين جهود لبلورة ما أصبح
يطلق عليه "ممارسة السياسة" Policy Practice والذي اعتبره
(بروس جانسون) "البعد الرابع لممارسة الخدمة
الاجتماعية" بالإضافة إلى أبعاد التدخل المهني الثلاثة الأخرى (وهي الخدمات
المباشرة ، الإدارة ، العمل مع المجتمع المحلي) (Jansson,
1994) كما عبر عن ذلك في كتابه الرائد في هذا المجال بعنوان ”Social
Policy: From Theory to Policy Practice” ... وقد جاء هذا التطور المهم كما يقول
(ديمتريوس ياتريدس) كتعبير عن التحول من الصبغة الوصفية Descriptive والتاريخية
والتصورية التي كانت سائدة في معالجات قضايا السياسة الاجتماعية في محيط الخدمة
الاجتماعية إلى مفهوم "السياسة الاجتماعية في ممارسة الخدمة الاجتماعية"
، والذي ينحو بدلا من ذلك نحوا "...تشخيصيا Prescriptive ، ينطلق من منظور حل-المشكلات ، ويقوم على طريقة
للتدخل موجهة نحو الفعل ، ونحو الممارسة ، الموجَّهَين لإصلاح السياسة
الاجتماعية" ، حيث يقوم الأخصائيون الاجتماعيون بإجراء تحليل منظم للسياسات
الاجتماعية القائمة ، ويوجهون عمليات تنفيذ السياسات المعتمدة ، ويضعون السياسات
البديلة ، ويقومون بتصميم وتنفيذ البرامج المحققة للأهداف المتعلقة بإصلاح الأوضاع
الاجتماعية العامة في المجتمع (Iatridis, 1997) ، ومن الواضح أن هذا الاتجاه يستنقذ المهنة من طغيان الاعتبارات
والعوامل الفردية والنفسية ، ويستعيد لها دورها "الاجتماعي" الفاعل في
مواجهة القضايا القومية الكبرى التي تواجه المجتمع بدلا من القناعة بالقليل ...
ذلك القليل الذي وإن كان نافعا في ذاته إلا أنه يؤدي إلى ضياع حقوق الفئات التي
تنظر للخدمة الاجتماعية على أنها نصيرها الأول تاريخيا.
ثالثا : القيم
والأيديولوجية والسياسات الاجتماعية
يكاد ينعقد إجماع المشتغلين بالسياسة الاجتماعية تنظيرا وتحليلا وممارسةً
على أن السياسات الاجتماعية (وعلى رأسها سياسات مواجهة الفقر) إنما هي تعبير عن
القيم والأيديولوجية قبل أن تكون تعبيرا عن معارف علمية محققة إمبيريقيا أو مهارات
فنية ... فيقول (ياتريدس) على سبيل المثال "إن السياسة الاجتماعية يتم
التخطيط لها من منظور يقوم على تبني مجموعة من القيم و ينطلق من إطار أيديولوجي
معين ... فالقيم تمثل البعد الأساسي في ممارسة السياسة الاجتماعية لأنها هي
التي تضفي الشرعية على القرارات ، و هي
التي تحفز الناس للالتزام بها وتضمن
الولاء لها ، كما أنها تساعد على تشكيل سلوك الأفراد والجماعات و المجتمعات
المحلية وتوجيهه ، ومن هنا فإن قيم العدالة الاجتماعية ، والمساواة ، والإجراءات
الديمقراطية ، واستقواء الفئات المحرومة والمستضعفة ، كلها تمثل القيم الأساسية
لممارسة السياسة الاجتماعية في محيط الخدمة الاجتماعية [في المجتمع
الأمريكي]" (Iatridis, 1997) .
أما (دافيد جيل) وهو من أساطين المفكرين في مجال "السياسة
الاجتماعية" فيتناول قضية العلاقة بين القيم و السياسة الاجتماعية بصورة
متعمقة من عدة جوانب ، فهو يقرر أنه "يمكن النظر إلى القيم على أنها بمثابة
الأصول الأولى الباكرة للسياسة الاجتماعية ، ذلك أن منابت القيم وتطورها و ديناميات
حركتها تكاد تتطابق مع منابت السياسة الاجتماعية وتطورها و ديناميات حركتها ، غير
أن القيم تختلف عن السياسات الاجتماعية من حيث أنها أكثر عمومية وأكثر تجريدا ،
كما تختلف عنها من جهة أن درجة تأثيرها الأصلي على الاختيارات الإنسانية لا تلقى
الاعتراف الكافي" (Gil, 1981: 64) ... ثم إنه
يؤكد في مؤلَّف آخر أن "المعتقدات والقيم والأيديولوجيات والعادات
والتقاليد" تمثل عوامل حاسمة في تشكيل صورة السياسة الاجتماعية ، إلا أنه
يقرر بعد ذلك أن "مناقشات السياسات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية
تميل إلى تجاهل تلك المتغيرات الحاسمة ، وبدلا من ذلك فإن الاهتمام الأكبر –بل
الوحيد- في تلك المناقشات إنما يميل إلى أن ينصب على الجوانب الفنية وعلى
الوسائل ، أما الغايات والأهداف التي تسعى السياسات لتحقيقها فإنه يتم
إزاحتها جانبا" ، وقد عقّب (جيل) على ذلك مؤكدا على أنه "ليس من
الممكن حدوث أي تغييرات جوهرية في منظومة السياسات الاجتماعية في المجتمع إلا من
خلال إحداث تغييرات عميقة في ما هو سائد من معتقدات وقيم وأيديولوجيات" (التأكيد
مضاف) "(Gil, 1976 : 28-29)
.
ويتقدم (دافيد جيل) خطوة أخرى في تحليل العلاقة بين القيم و السياسة
الاجتماعية فيبين أن القيم ليست كلها سواء
من حيث درجة أهميتها في توجيه السياسة الاجتماعية ، ثم يوضح أن السياسات
الاجتماعية تمثل في الأساس خيارات تتصل "بعمليات" تقسيم العمل وتوزيع
عوائد النشاط الإنساني من سلع وخدمات ومكانات بين مختلف فئات المجتمع وهي ما يطلق
عليه "قرارات التخصيص والتوزيع" Allocative and Distributive Decisions
، غير أنه يؤكد بعد ذلك على أن هناك
"أبعادا قيمية" هي بطبيعتها أكثر ارتباطا بعمليات التخصيص والتوزيع من
غيرها، "... وأهمها على الإطلاق من زاوية السياسة الاجتماعية البعد القيمي المتصل
بالمساواة/ أو عدم المساواة Equality/
Inequality ... إضافة إلى بعدين
آخرين من أبعاد القيم لهما أهميتهما الخاصة بالنسبة لعمليات التخصيص
والتوزيع ألا وهما :
بُعد التعاون /التنافس Cooperation/ Competition ، و بٌعد التوجه لما فيه مصلحة-الذات
مقابل التوجه لما فيه مصلحة-المجموع Collectivity-Orientation /
Self-Orientation " (Gil,
1981: 66-67)
...ويبين أن تلك الأبعاد القيمية الثلاثة ترتبط ببعضها ارتباطا وثيقا ، كما أنها
تتفاعل فيما بينها في ضوء واقع المجتمع وظروفه التاريخية ، كما تمر بتغيرات
وتحولات تعكس التوازنات التي تنبثق في العلاقات بين مختلف فئات المجتمع ومكوناته ،
وفي نهاية المطاف فإن كل مجتمع يبلور لنفسه تشكيلته الخاصة المركبة من تلك
الأبعاد ، والتي تمثل المنظومة القيمية التي توجِّه البناءات والترتيبات المؤسسية
في ذلك المجتمع ، والتي تلون حياة الناس فيه بألوانها ، فحيثما سادت نزعة
المساواة والعدالة الاجتماعية فإن ذلك ينعكس في صورة سلوكيات تعاونية لتحقيق
الأهداف المشتركة بين سكان المجتمع ، أما إذا سادت نزعة عدم المساواة فإن ذلك يشجع
على ظهور "السلوكيات التنافسية المتهالكة على تحقيق المصالح الأنانية الضيقة
، حيث يبذل الكل -أفرادا وجماعات- وُسْعهم لتحقيق الغلبة لأنفسهم ... وينظرون
لغيرهم على أنهم مجرد أدوات أو وسائل يمكن استخدامها أو استغلالها والسيطرة عليها
لتحقيق أهدافهم الأنانية".
رابعا: المنطلقات
الفكرية والقيمية الموجهة لسياسات الفقر الحالية
إن الأهمية الخاصة لهذا التحليل الكلاسيكي الذي قدمه (دافيد جيل) تكمن في
أنه يقدم لنا "خريطة تصورية" تمكننا من توقع النتائج التي تترتب على
تبني الدولة (أو المجتمع الدولي) لأية "تشكيلة" معينة من "تشكيلات
القيم" الموجهة للسياسات الاجتماعية الموجهة لمكافحة الفقر ، ومن هنا فإنه لا
يبقى أمامنا سوى الانتقال مباشرة لتحليل المنطلقات القيمية والأصول الفكرية
والأيديولوجية التي تنطلق منها السياسات الحالية لمواجهة الفقر ... وخصوصا تلك
السياسات التي تتبناها وتدعونا إليها المنظمات الدولية (وخصوصا صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي) كشرط للحصول على المساعدات والقروض ، ثم مضاهاة تلك الأسس القيمية
والأيديولوجية على تلك الخريطة للتعرف على موقع تلك السياسات منها ، مما يكشف لنا
في النهاية أبعاد التفسير الصحيح للفشل المشاهَد والموثق للسياسات الحاضرة لمكافحة
الفقر ..
وهنا فإننا سنجد مباشرة أن ذلك التلعثم والتردد المزمن في مواجهة قضية
الفقر في الوقت الحالي إنما يرجع في جوهره إلى حالة الفصام الحاد الذي تعاني منه
الحضارة العالمية المعاصرة ... تلك الحضارة الممزقة بين بقايا من موروث القيم
الدينية والأخلاقية والإنسانية التي لازالت تدفعها في اتجاه الحض على طعام المسكين
وسد خلة الفقير والمحتاج ، وبين النوازع البشرية القوية التي تشدها نحو مزيد ومزيد
من الاكتناز ونحو تحويل "المصلحة الذاتية" و "شح الأنفس" إلى
فضائل ينبغي تهنئتها على تبنيها بكل إخلاص ... والمشكلة الكبرى أن هذا الاستسلام
لما يعتبر من أدنى الدوافع الإنسانية الضيقة إنما ينطلق من رؤى شاملة وتصورات
وجودية معيبة عن الكون والوجود والإنسان و المجتمع والعلاقات بين الفئات المختلفة
من الناس يصعب تغييرها إلا بجهود غير عادية ، مما ينعكس في ظهور محاولات فاشلة
لتخفيف الشعور بالذنب عن طريق حيل دفاعية تقوم على التخفي وراء المذاهب
"الفكرية" الأيديولوجية والنظريات شبه-العلمية ، وعلى رأسها التوجهات
الداروينية الاجتماعية Social Darwinism التي تُعلي من شأن إقصاء الفئات الضعيفة والأفراد الفقراء رفعًا
لشأن "المنافسة" المتوحشة تحقيقا لهدف "تطوري" أسمى يتمثل في
المحافظة على بقاء وقوة المجتمعات كما يزعمون.
لقد رأينا في الفقرة السابقة أن هناك إجماعا بين المتخصصين على أن قرارات
السياسات الاجتماعية بصفة عامة هي في الأصل قرارات ذات طبيعة سياسية/اقتصادية ، وهذا
التوصيف ينطبق أكثر ما ينطبق تحديدا على سياسات مواجهة الفقر (أو تخفيفه) ، لأن
الفقر كظاهرة إنما يرتبط في جوهره بالقضايا الأساسية المتعلقة بتوزيع (أو بالأحرى
"سوء توزيع") عائدات النشاط الاقتصادي في المجتمع وما يرتبط بها من
توزيع "القوة الاجتماعية" بين مختلف فئات المجتمع ... فإذا قمنا بفحص
وتحليل السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومات اليوم (والتي تمارس الدول
المانحة الضغوط على دولنا لتتبناها) باستخدام الفئات التي يتضمنها نموذج (دافيد
جيل) لوجدنا أن تلك السياسات إنما تقوم على مايلي:
(1)
فيما
يتعلق بالبعد القيمي الخاص بالمساواة / عدم المساواة ، فإن تلك السياسات تنطلق بوضوح من منطلقات متطرفة في اتجاه "عدم
المساواة" بعيدا عن اتجاه
المساواة.
(2)
فيما يتصل
بالبعد القيمي الخاص بالتعاون /التنافس ، فإن تلك السياسات تقع عند نقطة متطرفة في
اتجاه "التنافس" بعيدا عن اتجاه التعاون.
(3)
أما فيما يتصل بالبعد القيمي الخاص
بمصلحة-الذات/ مصلحة-المجموع ، فإن تلك السياسات تنطلق من موضع متطرف في اتجاه مصلحة-الذات
بعيدا عن اتجاه مصلحة-المجموع.
وكما رأينا فإنه عندما تسود نزعة "عدم المساواة" في المجتمع فإننا نتوقع
سلوكيات تقوم على التنافس الضاري لتحقيق
المصالح الذاتية الأنانية الضيقة ، ونجد أن الفئات الأكثر قوة تدافع بكل
قوة عن مكتسباتها غير آبهة بما يؤول إليه مصير إخوانهم في الإنسانية وشركائهم في
المواطنة ... غير أنه لما كانت ثقافة المجتمعات المتحكمة في العالم اليوم لا تخلو
بالطبع من آثار أو بقايا لبعض المبادئ الأخلاقية أو الدينية رغم تبني دساتيرها
ونظمها القانونية للعلمانية ، فإنها لذلك تعمِد إلى ابتكار أفكار أو مذهبيات أو
أيديولوجيات تحاول بها أن تغطي سوءات تلك الأنانية أو تغيّب بها وعي الفئات
المستضعفة والمحرومة ، ومن أهم تلك الأفكار النظرية التي توجه السياسات الاجتماعية
في تلك الدول اليوم (والتي تحاول إغراء أو فرض تبنيها على الدول الأخرى) ما أشرنا
إليه مما يعرف "بالداروينية الاجتماعية" ومشتقاتها التي تستحق أن نتعرض
لها بشيء من التفصيل.
الداروينية الاجتماعية Social Darwinism
في جوهرها إنما هي محاولة لتطبيق أساسيات نظرية تطور الكائنات الحية لداروين على
"المجتمعات البشرية" ، وذلك وفق نصور بأن الإنسان هو مجرد كائن حي آخر
كغيره من الحيوانات ، وأن ما ينطبق على تجمعات الحيوان ينطبق بالضرورة على
المجتمعات البشرية ، ولقد كان هربرت سبنسر أول من قام (دون مبرر علمي) بتطبيق
مفهومين استخدمهما داروين هما "التكيف مع البيئة" و"الانتقاء
الطبيعي" على المجتمع الإنساني ، ولكنه كان هو من صكّ عبارة "البقاء للأصلح" "Survival
Of The Fittest" ليدل بها على الاعتقاد بأن الأقوى والأصلح من الأفراد أو الشعوب هو
الذي سيكتب له البقاء والازدهار ، أما الأضعف والأقل قدرة فينبغي أن يُترك لكي
يفنى ، و ذلك عنده مبني على أساس أن "المنافسة" أمر
طبيعي محتوم بين الكائنات ، وأن غير
القادرين على التنافس بكفاءة لا بد من فنائهم من خلال الانتقاء الطبيعي ، أما
أولئك الذين حتى سيبقون على قيد الحياة من بين أولئك الضعفاء فإنهم سيصبحون
"فقراء" ، وبناء
على هذا المنطق فإن مد يد العون والمساعدة لتلك الفئات الضعيفة والفقيرة لا يمكن
اعتباره أمرا أخلاقيا ، وذلك لأنه يساعد على "بقاء" واستمرار الفئات
الضعيفة ناقصة الكفاءة في الوجود ، مما يؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع على المنافسة
والبقاء.
ويربط روبرت باركر بين الداروينية الاجتماعية وبين نظام "الحرية
الاقتصادية" Laissez-Faire ، حيث يشير إلى أن هذا
النظام يعتبر
أفضل النظم لتوجيه الحياة الاقتصادية في ضوء تلك
الفلسفة ،
إذ أنه يقوم على فكرة أن الطريق "الوحيد" المتاح أمام الفقراء للخروج من
دائرة الفقر إنما يتمثل في قيامهم ببذل المزيد من الجهد اعتمادا على أنفسهم ،
ويؤكد على أن "تلك الفلسفة كان لها تأثير كبير جدا على تطور سياسات الرعاية
الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية" (Barker, 1997) ، ونلاحظ هنا أن تلك السياسات هي نفسها السياسات التي مافتئت تجدد
صورها وتطل برأسها بين الفينة والفينة تحت مسميات
متعددة يتم إشاعتها والترويج لها بحسب الطلب مثل الدعوة إلى "اقتصاد
السوق" Market Economy
، ومثل "اقتصاديات العرض" Supply-Side
Economics ... تلك السياسات التي يتم تبريرها على
أساس ما يعرف بفكرة التشرب أو "الرشح من أعلى إلى
أسفل" Trickle-Down Theoryأي
نضح الخيرات الاقتصادية بصورة تلقائية من الأغنياء إلى الفقراء ، وهي سياسات تقوم
على أساس إعطاء الامتيازات وتخفيف الأعباء الضريبية مثلا عن الأغنياء (نعم! تخفيف
الأعباء عن الأغنياء! وليس هذا خطأ في الطباعة) بزعم أن الأغنياء كلما ازدادوا غنى
فإن هذا سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الادخار ، وزيادة الادخار تؤدي إلى زيادة
الاستثمار ، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ، وهذا يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد وازدهاره
، وهذا الازدهار لابد أن يرشح بالتدريج حتى يؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين أحوال
الفقراء ، وهذه العلاقات الفرضية تساق وكأنها معادلة رياضية لا تتخلف أو سنة
طبيعية من سنن الوجود ... ولأن المقام لا يتسع هنا لمناقشة تفصيلية لكل علاقة من
هذه العلاقات المفترضة فإننا نحيل القارئ الكريم إلى مصدر يحوي تحليلا منظما للقضية يبين خطل تلك المقولة
بعنوان " الرشح من أعلى إلى أسفل : أربعة أسباب
تفسر لماذا لا يتحقق" (Etebari,
2003) .
ونشير أخيرا إلى بعض المستحدثات التي تدفع العولمة المتوحشة الحكومات الوطنية دفعا إلى
تبنيها
بالرغم من كل
ما يترتب على اتباع تلك التوجهات والسياسات من إجهاض لأي جهد جاد قد يبذل للقضاء
على الفقر أو تخفيف حدته ، وتأتي على رأسها المطالبة بإحداث التعديلات
الهيكلية Structural Adjustment ، وكذلك الدعوة النشطة لاتباع سياسة
الخصخصةPrivatization في كل مناحي الحياة (دون أي مبالغة) ، مما يكاد يصل في النهاية إلى حرمان الفقراء
والضعفاء من كل حماية من جانب الدولة نتيجة ترك الحبل على غاربه أمام الأقوياء
والأغنياء ، حتى لقد طالت الخصخصة اليوم الأنشطة غير-الاقتصادية التي تتصل أساسا
بالمهام التقليدية حتى للدولة "الحارسة" ذاتها في الفكر المحافظ ، فوصلت
اليوم إلى إنشاء وإدارة السجون (وهي من مهام الأمن الداخلي) كما وصلت إلى إدارة
وتنفيذ الحروب (وهي من مهام الأمن الخارجي) بالنيابة ، حيث تبين أخيرا أن أعداد العسكريين
"المتعاقدين" مع الجيش الأمريكي من المرتزقة الذين يعملون من خلال شركات
الأمن الخاصة military contractors and security firms في العراق يقارب
عدد أفراد القوات النظامية الأمريكية (وهؤلاء يعملون بالطبع دون أي خضوع لمقتضيات
لمعاهدات الدولية لأنهم ليسوا جيوشا نظامية)(Scahill, 2007) .
والذي يعنينا هنا هو أن نبين أن تلك الشعارات المذهبية الخادعة قد تجاوزت
كل مسلمات الفكر الاقتصادي والسياسي المتعارف عليه ، لتكون في خدمة أصحاب المصالح
وذوي القوة النافذة في داخل الدولة الواحدة أو خارجها (وخصوصا الشركات متعددة
الجنسية التي تتجاوز ميزانية الواحدة منها أحيانا ميزانية عشرات من الدول مجتمعة!)
، وأن السبب الأساسي في ظهور تلك السياسات وتغيرها في كل مرحلة بحسبها إنما يرجع
في التحليل الأخير إلى منظومة القيم التي تتبناها المجتمعات الغالبة (والتي
تفرضها على غيرها دون أي اعتبار للمصالح الحقيقية لتلك الدول أو لشعوبها) ، ولذلك
فإننا لا نتوقع أن ينتهي سيل أمثال تلك السياسات والشعارات اليوم أو غدا ، فلا بد
أن تعاود الفئات القادرة ابتكار نفسها من جديد كلما ظهرت سوءات السياسات الأنانية
الظالمة التي تتبعها وتدعو إليها ، والتي لا تزيد الأغنياء إلا غنى والفقراء إلا فقرا .
خامسا : المنظور
الإسلامي لمواجهة الفقر
والآن فإذا كان هذا هو الموقف السائد في ممارسة السياسة الاجتماعية في
مجتمعات تنطلق -بسبب ظروفها التاريخية الخاصة جدا- من رؤية وجودية (أنطولوجية)
قائمة على تصورات "مادية" للوجود وتصورات "تطورية" للحياة
وللإنسان ... مجتمعات -مرة أخرى بسبب
ظروفها التاريخية الخاصة جدا- وضعت قيمة
"المادية" Materialism على رأس أنساقها
القيمية (Olsen, 1968 : 88) ، وتكاد تتخذ من
"الفردية" دينا ... مجتمعات
"علمانية" رفضت شرع الله ورفضت توجيه الوحي لنظمها ومؤسساتها وسياساتها وممارساتها
-مرة أخيرة بسبب ظروفها التاريخية الخاصة جدا-
فإن المرء ليتملكه العجب الشديد من انسياق المشتغلين بالخدمة الاجتماعية في
بلادنا وراء تبني ذات الأطر التصورية والممارسات المهنية السائدة في المجتمع
الأمريكي دون تمييز ، وذلك بالرغم من إدراكهم لوجود تلك الاختلافات الجذرية في
رؤية الوجود وفي تصور الحياة ، وفي توجيه الأنساق القيمية والمؤسسات التي بنيت
عليها في تلك المجتمعات عنها في مجتمعاتنا العربية ، ودون وجود أي مسوغ منطقي أو
علمي أو مهني لهذا الاستلاب الثقافي والعمى الفكري والحضاري... اللهم إلا الانبهار
بالتقدم المادي والتكنولوجي ، والتوهم بأنه لم يأت إلا من فكر متقدم وقيم أصيلة
مطابقة "للحق" الذي خلقت عليه السماوات والأرض ، مع الانبهار بكل ما هو "جديد" وكأن
الجديد يعني "الصحيح" أو "الأفضل" ، متناسين الثمن الغالي
الذي تدفعه البشرية اليوم نتيجة لمتابعة تلك التوجهات المادية المعيبة التي جلبت
الدمار على الكرة الأرضية وتوشك أن تدمر البيئة نهائيا (تذكّر تقرير التغيرات
المناخية الأخير!) ... صحيح أن الكتابات المهنية التي تصلنا من تلك الدول المتقدمة
صناعيا هي حصيلة لممارسات مهنية ثرية لعشرات الألوف من الأخصائيين الاجتماعيين
الذين يمارسن مهنتهم في إطار ظروف متميزة ، وصحيح أيضا أنها مصاغة صياغة
"علمية" متسقة يسهل علينا ترجمتها ونقلها لطلابنا ، ولكن متى كان اليسر
والاستسهال طريقا للفلاح؟ اللهم إلا أن يكون في ذات الوقت مقترنا بنظرة نقدية
فاحصة للأسس والمسلمات التي بنيت عليها تلك النماذج "الحديثة" المنقولة
عن غيرنا؟
لقد قمنا فيما سبق بتوصيف وتحليل التوجهات السائدة اليوم فيما يتصل
بالسياسات الاجتماعية الموجهة للقضاء على الفقر (أو حتى تخفيفه) وقد تبين لنا مايلي:
(1)
أن تلك
السياسات تعاني من الفشل الذريع (والمزمن) في تحقيق أهدافها المعلنة .
(2)
أن تلك
السياسات مؤسسة على مجموعة من المسلمات الأيديولوجية التي تجذرت تاريخيا (لظروف
خاصة) في مجتمعات أصبحت تتبنى نظرة مادية للوجود والحياة تستجيب لأدنى الغرائز
الإنسانية الأنانية التي تضع المادة قبل الإنسان.
(3)
أن تلك
السياسات تقوم على عقيدة دنيوية علمانية تستبعد شريعة الله من توجيه شؤون المجتمع
ولا تأخذ مراقبة الله أو يوم الحساب في الاعتبار.
(4)
أن تلك
السياسات إنما هي فرع عن أصل من السياسات الاقتصادية والمالية التي تتبناها الدول الصناعية
الكبرى (وتدفعها المؤسسات الدولية) والتي تستهدف إحكام السيطرة على موارد الشعوب
الضعيفة وعلى أسواقها بصرف النظر عما تؤول إليه أحوال سكان تلك البلدان .
ومن الواضح أن عمق تلك التوجهات المادية المحبذة لمصلحة-الذات على
مصلحة-المجموع واستشراءها من جهة ، وتأصلها في "شح الأنفس" المركوز في
النفس الإنسانية غير المهتدية بشرعة أعلى من جهة أخرى تجعل مهمة إصلاح تلك
السياسات مهمة صعبة ، وأن إصلاحها لا يمكن أن تتم بمجرد إضافة المزيد من المقاييس
والنسب المبتكرة أو المزيد من نفس الآليات والبرامج القائمة على نفس السياسات
الحالية ، بل إن الأمر يتطلب إعادة نظر بصورة جدية وشاملة في الأسس القيمية التي
تكمن وراء هذه جميعا ... ذلك أن عمق تلك التوجهات وتغلغلها في النفس الإنسانية
يجعل من العسير مواجهتها إلا بالبحث عن "دوافع" تتمتع على الأقل بنفس
الدرجة من العمق و القوة اللازمين لمعادلة تلك التوجهات المعيبة وتحييدها ... وهذا
أمر لا يمكن أن تصمد أمامه أو تتصدى له التصورات الوضعية التي تقوم على مجرد
الدعوة "الوضعية" إلى العدالة الاجتماعية (سواء باستخدام العنف أو
باستخدام اللطف !) ، ومن هنا فإنه لا يتبقى أمامنا في حقيقة الأمر إلا النظر في
التوجهات "الربانية" التي يقوم عليها التصور الإسلامي ، لأنها وحدها
التي تملك المستوى الكافي من "الدافعية" ، والقائمة من جهة على مراقبة
الله عز وجل، ومن جهة أخرى على شرع الله سبحانه وتعالى.
فالتصور الإسلامي البديل يقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية بالأسلوب
الوحيد الذي يتعامل بواقعية وعمق وفاعلية مع مشكلة المشاكل في التعامل مع قضية
الفقر ألا وهي مسألة توليد المستوى المطلوب من "الدافعية" القادرة على
مواجهة "شح الأنفس" المتأصل في النفس الإنسانية (غير المهتدية) ، فالإسلام
يقوم بمعادلة وتحييد تلك النوازع الأنانية للإنسان وتعويضها بدوافع أرقى تتمثل في
تحصيل "رضاء الله" سبحانه وتعالى والطمع فيما عنده ، وتكمن أهمية هذا
الدافع الأرقى في أن رضا الله هو الضمان لإشباع كل الحاجات التي يطمح الإنسان
لإشباعها (والتي هي السبب في شح النفس) ، ولكن الإسلام لا يقف عند حد التعامل مع
هذا العنصر النفسي (الدافعية) بل إنه إضافة إلى ذلك يستكمله بعنصر شيئي خارجي ، أي
أنه يواجه الموقف بحسم من جانبيه المتكاملين أعني البعد الشخصي الفردي و البعد
المؤسسي ... فالمنظور الإسلامي لمواجهة الفقر يجمع بين التأثيرات "الشخصية"
المتمثلة في تربية الإنسان الفرد على مراقبة الله عز وجل وتعميق مفاهيم الأخوة
الإنسانية والمسؤولية الاجتماعية من جهة ، وبين الاعتبارات "المؤسسية"
القائمة على مفهوم "ملكية الاستخلاف" في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية
وعلى نظام محكم من "التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء" المتمثلة في
النفقة الواجبة ، ومؤسسة الزكاة ، ونظام الأوقاف ، والصدقات من جهة أخرى ... ولقد
تناول أحد
علماء الاقتصاد (الدكتور رفعت العوضي) في بحث
رائد بعنوان "عالم إسلامي بلا فقر" (2000) تلك القضية ، مبينا كيف أن
الإسلام
يضم تلك الأبعاد جميعها في إطار منظومة متسقة
بصورة رائعة تتكامل فيها الجوانب العقيدية مع الجوانب التشريعية مع السياسات
الاقتصادية والإجراءات التنفيذية ، و أوضح كيف يتم كل ذلك تحت مظلة الضبط الأوّلي
النابع من مراقبة الله عز وجل الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض ،
وهو ما ننتقل الآن لبيانه مستفيدين مما جاء بهذا البحث القيم.
فمن الناحية الاعتقادية فإننا نجد أن الإسلام يقوم على إدراك واضح محدد بأن
الإنسان ليس خالق نفسه ، وليس هو خالق الكون ولا ما فيه من موارد ، بل تقوم
العقيدة الإسلامية على أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان ، وهو خالق الكون ،
وهو مالكه والمتصرف فيه على الحقيقة ... لكن الله قد تفضل على الإنسان فوكّله في استخدام الموارد الطبيعية
التي استخلفه عليها للعمل فيها وفق مشيئة صاحب الأمر ، ومن هنا فإن مبدأ
"الاستخلاف" هو الذي يضفي صفة "الملكية" في الإسلام ويحدد
طبيعتها... "فالملكية تستمد
مشروعيتها من تشريعات اللَّه سبحانه وتعالى ،
وغرس هذا المبدأ في نفس المالك فردا أو دولة يجعله يتصرف على أنه وكيل على
ما في يده ، وبموجب هذه الوكالة فإنه يلتزم بالتشريعات المنظمة للملكية ، من حيث
الوسائل التي يكتسبها بها ، ومن حيث الطرق التي يستثمرها بها ، ومن حيث الالتزامات
(الاجتماعية ) التي يكلف بها بسبب هذه الملكية مثل الزكاة ... وهو مبدأ حاكم على
الملكية الخاصة وعلى الملكية العامة" ... ويفصّل الدكتور العوضي
في بيان شمول هذا المبدأ فيقول "ومبدأ
الاستخلاف يمثل البيئة العقيدية التي يقبل فيها من بيده الملكية أن يوظف هذه
الملكية في معالجة مشكلات المجتمع ومنها مواجهة الفقر لعلاجه والقضاء عليه ، ومبدأ
الاستخلاف يعطي الغطاء الرقابي لتنفيذ هذه التشريعات ، وذلك لأن المخاطب بهذه
التشريعات مستخلف على ما في يده ، وهذا يوجد نوعاً من الرقابة ، وهي رقابة ذاتية
إيمانية ، وهي أرقى أنواع الرقابة".
ثم إن الإسلام من جهة أخرى قد نقض مسلمة
"الندرة النسبية" التي تقوم عليها النظرة التشاؤمية السائدة في علم
الاقتصاد الوضعي والتي تبرر وجود الفقر واستمراره و إزمانه في كل المجتمعات ،
فالندرة -التي تمثل عند جمهرة الاقتصاديين موضوع علم الاقتصاد- تقوم على فكرة أن
حاجات الناس الاقتصادية غير محدودة في حين أن الموارد الاقتصادية التي تستخدم
لإشباعها محدودة ، مما يترتب عليه حتمية عدم إشباع بعض الحاجات أو حتى عدم إشباع
معظم الحاجات الاقتصادية لفئات من الناس ، مما ينعكس بالطبع بصورة سلبية على
سياسات مواجهة الفقر تصل -كما يقول الدكتور العوضي- إلى حد "الإحساس بأن
الاقتصاد يتبنى الرأي القائل [إن من] الخير للفقير أن يموت جوعاً " ... أما
التصور الإسلامي فإنه يقوم في المقابل على مسلمة "التوازن بين الموارد
الاقتصادية وبين حاجات البشر" انطلاقا من النصوص القرآنية الواضحة الدلالة
على أن الأصل في خلق الله هو كفاية الموارد لحاجات المخلوقات من مثل قوله تعالى
"وما مِن ْدَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتاب مبين "(هود:6) ... فالنصوص
تؤكد أن الله جلت حكمته قد خلق من الموارد ما يسع خلقه جميعا وما يكفي لإشباع
الحاجات الإنسانية دون تضييق ، لكن المشكلة الحقيقية إنما تكمن في تصرفات البشر في
تلك الموارد وفي الطرق التي يتفقون هم عليها لتوزيعها فيما بينهم ، فتلك هي المصادر
الحقيقية لعدم التواؤم بين الموارد والحاجات الاقتصادية بل ولظهور المظالم
الاجتماعية بين الناس ، فالنظم والسياسات الاقتصادية التي يتبناها المجتمع لتوزيع
عوائد العمل والإنتاج كثيرا ما تنحاز لأصحاب القوة والنفوذ ، مما يترتب عليه أن
"فرداً ما يحصل على موارد اقتصادية أكبر من العمل الذي قدمه ، في مقابل فرد
آخر لا يحصل من الموارد الاقتصادية بالقدر الذي بذله من عمل" ، ومن جهة أخرى
فإن عدم كفاية الموارد ترجع إلى سوء تصرف البشر في الموارد باستخدامها استخدامات
تتسم بالإسراف بل والسفه في تبديد الموارد أو تلويث الموارد وغير ذلك من التصرفات
التي تؤدي إلى عجز البيئة عن الوفاء بحاجات الناس -- بما كسبت أيديهم.
وبناء على تلك المسلمات العقيدية الناصعة (المتعلقة بملكية
"الاستخلاف" ، وكفاية الموارد للوفاء بحاجات الناس) وتطبيقا لمقتضياتها
، فإن الدولة في المجتمع المسلم يكون من واجبها أمام الله أن تسوس النظام
الاقتصادي وتوجهه في الاتجاهات التي تحقق مصالح الناس على أساس من العدالة
والكفاءة ، فتقوم بوضع وتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تمنع من ظهور
الفقر والفاقة في المجتمع ابتداءً ، وتتميز تلك السياسات بأنها تعمل على مستوى
"الوقاية الأولية" لأنها تعمل على مستوى مرحلة "الإنتاج"
باستخدام آليات اقتصادية طبيعية تضمن دخلا كريما لكل قادر على العمل من خلال عمله
، ويتم ذلك من خلال التخصيص الصحيح للموارد الاقتصادية بين القطاع العام والقطاع
الخاص ، وفي داخل كل قطاع ، كما يتم من خلال الإدارة الصحيحة للأولويات الاقتصادية
ومن خلال سياسات العمل والعمال ، ومن الأمثلة الواضحة في هذا السياق ما فعله عمر
بن الخطاب عندما قصر الانتفاع الإنتاجي بأرض الحِمَى (وهي من أرض الموات) على
الفئات ذات الدخل المحدود ومَنَع منها الفئات ذات الدخل المرتفع (راجع : المغني
لابن قدامة ، ج 5 : 580-582) وذلك كأسلوب "نظامي" لمواجهة مشكلة الفقر
يحل المشكلة على مستوى النشاط الإنتاجي ويقوم على استخدام الموارد الاقتصادية التي
في يد القطاع العام وتخصيصها لخدمة حاجات الفئات الفقيرة ، ويضاف إلى ذلك أيضا
"التخصيص بين الجيل الحالي والأجيال المقبلة" ... كما فعل عمر بن الخطاب
عندما رفض تقسيم أرض السواد المفتوحة قائلا قولته المشهورة "فما يكون لمن
يجيء من المسلمين؟!" ، فهو بهذا قد جعل الدولة عند تخصيص الموارد الاقتصادية
لا تأخذ في الاعتبار الجيل الحالي وحده وإنما الأجيال القادمة أيضا ، مما يقضي على
"الفقر الموروث ... الذي يورثه الآباء للأبناء ... وهو من أعقد المظاهر
المتعلقة بالفقر ومن أخطرها" ، ويلاحظ أن مثل تلك السياسات تضمن بهذا تمويلا
لجهود مكافحة الفقر بعيداً عن الأخذ من مكتسبات الأغنياء ، وبهذا فإنها لا تثير
حفيظتهم على الفقراء في الوقت الذي تضع الدولة فيه أمام مسؤوليتها الحقيقية عن
مواجهة الفقر من خلال الموارد التي تتحكم هي فيها. (راجع تفاصيل تلك السياسات
الوقائية في كتاب "عالم إسلامي بلا فقر" السالف الإشارة إليه).
ولكن
من أروع ما تتميز به سياسات مواجهة الفقر من المنظور الإسلامي أنها مع تركيزها على
الوقاية "الأولية" التي سبق الإشارة إلى بعض أبعادها فإنها تتبنى –و
بالتوازي مع تلك الإجراءات- مجموعة أخرى من الإجراءات التي تتكامل معها تقوم على
"التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء" ، فالإسلام –كما رأينا- يواجه
مشكلة الفقر من خلال النشاط الإنتاجي وفي إطار العملية الإنتاجية ، ومن خلال تخصيص
الموارد الاقتصادية ، ومن خلال تحمل الدولة لمسؤوليتها عن علاج الفقر ، مما يمتنع
معه شعور الفقير بالدونية والهوان ، ويمتنع معه شعور الأغنياء بأنهم يتحملون عبء
الفقراء ويضحون من أجلهم ... ولكن الإسلام من جهة أخرى قد فرض مجموعة من الأساليب
والأدوات الإلزامية لتحويل الموارد من الأغنياء إلى الفقراء ، لضمان تخفيف حدة
التفاوت الاقتصادي بين الأقارب كما في حالة "النفقة الواجبة" أي
نفقة الأقارب ، أو مايتجاوز الأقارب على مستوى المجتمع كله كما في حالة "الزكاة"
، إضافة إلى حث الناس على القيام بواجباتهم التي تتجاوز تلك الواجبات الإلزامية
تطوعا ورجاء لما عند الله كما في حالة
"الصدقات التطوعية" و"عارية الماعون" ، فإن لم
تفلح تلك الإجراءات جميعها جاء واجب الدولة إلزاميا في أن تفرض من الضرائب
ما يواجه المشكلة بشكل نهائي وحاسم وبأقل مشاعر التحاسد أو الحقد أو الشعور بالظلم
والضغينة سواء من جانب الفقراء أو الأغنياء.
والزكاة بطبيعة الحال هي الأداة
الرئيسة لإعادة التوزيع من خلال التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء غير
القادرين على العمل والاكتساب ، وهي "عبادة" بها يتقرب المسلم إلى ربه ،
ولكنها أيضا ركن من أركان الإسلام الأساسية التي أعلنت الدولة الحرب على من منعوها
وفرقوا بينها وبين الصلاة في خلافة أبي بكر ، مما يرى معه الدكتور العوضي أن هذه
"هي
أول مرة في التاريخ يثبت فيها أن الدولة حاربت وقاتلت بجيوشها من أجل القضاء على
الفقر" ... والحقيقة أننا لا نظن أننا هنا بحاجة إلى إضافة مزيد من البيان
لتوضيح الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تترتب سواء على دافع الزكاة
ومتلقيها أو على المجتمع ككل ، فهذا مما وفته مؤلفات علمية ورسائل جامعية عديدة
مما يسهل الرجوع إليه ، ولكننا نكتفي فقط هنا بمجرد الإشارة إلى ما حدث في زمن عمر
ابن عبد العزيز مما ليس له مثيل في تاريخ المجتمعات البشرية عندما جمعت الزكاة ولم
يوجد فقير تدفع له فاستخدمتها الدولة في
مساعدة الناس على قضاء الديون ومساعدة الشباب على الزواج أو لمساعدة من يحتاجون
إلى خادم ... فهذا يكفينا وحده في المقارنة بين نتائج تطبيق السياسات المنطلقة من
التصور الإسلامي والموجهة بالقيم الإسلامية من جهة وبين ما بدأنا به هذه الورقة من
إشارات إلى فشل السياسات المنطلقة من التصورات المعيبة المبنية على الأطر المستمدة
من الداروينية الاجتماعية ومشتقاتها الكئيبة التي لم تزدنا إلا خبالا من جهة أخرى
– فإن في هذا لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
المراجــع
ابن قدامة : المغني ، مكتبة الرياض
الحديثة.
العوضي
، رفعت السيد (2000) : عالم إسلامي بلا فقر ، سلسلة كتب الأمة قطر.
القرضاوي
، يوسف : فقه الزكاة ، مجلدان
، بيروت: مؤسسة الرسالة.
Etebari, Mehrun (2003) Trickle-Down Economics: Four Reasons Why It Just
Doesn't Work
http://www.faireconomy.org/research/TrickleDown.html
Barker, Robert L. (1997) The Social Work
Dictionary (
Davies, James et al.( 2006) T
he World Distribution of Household Wealth, United Nations University: The World Institute
for Development Economics Research .
Einbinder, Susan D.
(1997) “Policy Analysis”, in, Richard L.
Edwards (Editor) Encyclopedia of Social Work 19th Ed.
Rev. (
Iatridis, Demetrius
(1997) “Policy Practice”, in, Richard L.
Edwards (Editor) Encyclopedia of Social Work 19th Ed. Rev. (
Stuart, Paul (1999)
“Linking Clients And Policy: Social Work's Distinctive Contribution”,
Social Work, Vol. 44 Issue
4, pp335 – 348.
Midgley, James et al.
(2000) The Handbook of Social Policy (
Jansson, Bruce (1994)
Social Policy: From Theory to Policy Practice , 2nd
ed. (
Prigmore, Charles And
Atherton, Charles (1986) Social Welfare Policy, 2nd
ed.,(
Gilbert, Neil and
Specht, Harry (1986) Dimensions of Social Welfare Policy, 2nd
ed., (
Gil, David
(1981) “Social Policies and Social
Development” in. John F. Jones et al. eds., Social Development:
Conceptual, Methodological and Policy Issues (N.Y. :
Gil, David (1976) Unravelling
Social Policy , Rev. & En. Ed. (
Olsen, Marvin (1968) The Process of Social Organization
(Holt, Rinehart & Winston).
Scahill,
Jeremy (2007) Blackwater: The Rise
of the World's Most Powerful Mercenary, Nation Books.
bravenet.com