untitled
viviti

 

الجوانب الروحية في إصلاح نزلاء المؤسسات العقابية

 

بقلم

أ.د./ إبراهيم عبد الرحمن رجب

رئيس قسم الخدمة الاجتماعية بكلية العلوم الاجتماعية

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

 

 

1-    التصورات التقليدية لمهام المؤسسات العقابية

قد يتصور البعض أن المهمة الأولى للسجون و مؤسسات رعاية الأحداث تتمثل أساسا فى عزل أولئك اللذين انحرفوا عن جادة الطريق  وحجزهم فى مكان أمين اتقاء لشرورهم ومنعا من تجاوز آذاهم إلى غيرهم من الناس ،كما قد يتصور آخرون أن المهمة الأولى لتلك المؤسسات هي إيلام الفرد من خلال تقييد حريته ، بحيث يلاقى من العنت والمعاناة ما يكون رادعا له عن العودة إلى الأفعال المؤلمة التي أودع بسبب ارتكابها فى تلك المؤسسات العقابية.

كما أن هناك أيضا من يظنون أن المهمة الأولى لتلك المؤسسات هي الإصلاح وإعادة التأهيل من خلال العلاج النفسي والاجتماعي للنزلاء بما يؤدى إلى إعادة تشكيل شخصياتهم وتغيير سلوكياتهم واتجاهاتهم على الوجه الذي تحفل به الكتابات الغربية في إصلاح وتأهيل المذنبين ، والذي يقوم على فكرة معاونة الفرد على إشباع حاجاته المادية والنفسية والاجتماعية دون أى إشارة إلى النواحي الروحية المتعلقة بصلة النزيل بربه ، وكان هذا الجانب الروحي من الإنسان لا وجود له، أو لا أهميه له ،وانه لم تكن له أى صله بالواقع في الجريمة أصلا ، مما يعكس فقر واضح فى النظريات المفسرة للجريمة في الوقت الحالي.

ولما كان من المسلم به أن النجاح في علاج أى مشكله من المشكلات إنما هو فرع من فهم أسبابها ودقة تشخيصها ، فلا غرور أن نجد اقتران واضح بين ما تشير إليه الإحصاءات من تفاقم مشكلات الجريمة و الانحراف من جانب وبين التضارب في تشخيص الجريمة وتفسير أسبابها من جانب آخر ، ولعل مراجعه سريعة للبحوث الواردة في كتاب " النظريات الحديثة في تفسير السلوك الإجرامي " الذي صدر حديثا عن المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض تشير بوضوح إلى التضارب الكبير فى فهم الجريمة. وأسبابها ، يمثل ذلك قول الدكتور بدر الدين على (1) " وقد درست الجريمة قديما وحديثا ومن نواحي متعددة وزوايا مختلفة ... وبالتالي تعددت وجهات النظر بشأنها ... فمن قائل أن الجريمة كمشكله اجتماعيه ، إلى قائل أنها مشكله نفسيه أو وراثية ، إلى قائل بغير هذا وذاك ، ولكن احد منهم لم يتمكن بعد من التدليل على وجهة نظره وإثباتها إثباتا علميا صحيح يمكن الأخذ به وتطبيقه في كافة الظروف والأحوال ... " ثم إشارة المؤلف إلى " حيرة العلماء " في تفسير أسباب الجريمة بشكل شامل يتجاوز إجرام شخص معين وأسباب ارتكاب واقعه معينه ، ولكن المؤلف وزملائه ممن كتبوا بحوث الندوة إذ عرضوا الكثير من النظريات " الحديثة " في تفسير السلوك الإجرامي لم يشيروا إشارة واحده إلى دور العوامل الروحية المتعلقة بصلة الانسان بربه في تأثيرها على القضايا المطروحة اقتصارا على عرض المألوف في الكتابات الروحية حولا لموضوع.

فإذا صرفنا النظر عن النظريات المفسرة للجريمة والانحراف وعدنا إلى التوجهات الواقعية , والتصورات الفعلية التي تكمن وراء معاملة المذنبين في السجون ومؤسسات الأحداث  ، وإذا تفحصنا المسلمات التي يقوم عليها كل منظور من المنظورات التي اشرنا إليها في بداية هذا المقال فسرعان ما يتبين لنا أيضا قصور كل منها على تحقيق ما يتبناه المجتمع من حيت تغيير حقيقي في النزلاء يعيدهم أفراد أسوياء نافعين يعيشون في توافق مع أنفسهم ومع غيرهم ، فإذا تأملنا المنظور الأول الذي يقوم على عزل النزلاء اتقاء لشرهم فإننا نجد أن هذا المنظور لا يأخذ في اعتباره ما يحدث لأولئك النزلاء أثناء فترة عزلهم ، فكل الشواهد تدل على أن تجمع أولئك الأفراد الذين مر كل منهم بخبرات انحرافية محدودة ليعيشوا في مكان واحد بهدف عزلهم واتقاء شرهم دون توجيه ودون مساعده لا يترتب عليه إلا تبادل تلك الخبرات الإنحرافية بينهم من خلال اختلاطهم ببعضهم ، فيتعلم المبيدئ فيهم في هذا الطريق ممن تمرسوا فيهم أنماط جديدة من الانحراف لم يكن له بها عهد من قبل ، ويترتب على هذا تركيز الفساد وتثبيته فى نفوس النزلاء ، ولقد كان من الممكن أن يختلف الموقف لو كانت نظرتنا لفترة الإيداع قائمه على اعتبارها  أساسا فرصه للإصلاح الجذري الشامل بما يضمن مواجهة عوامل الانحراف مضاعفته سواء في النزيل نفسه أو في بيئته بدل من مجرد الاكتفاء بعمليه العزل عن المجتمع.

أما الأخذ بالمنظور الثاني الذي يقوم على فكرة تنفيذ الحرية وإيلام النزلاء فانه يعنى أيضا عدم الاهتمام بما يحدث فى نفوس النزلاء من تفاعلات خلال فترة إقامتهم في المؤسسات العقابية ، حيث تتحول تلك المؤسسات إلى مخازن أو مستودعات لتحزين البشر تحت ظروف تعتبر رادعه لهم ولغيرهم ، بغض النظر عما يحدث فى داخلهم و ما يعتمل في نفوسهم ، حيث يكون التركيز كل التركيز على هذا المنظور على الضبط بأى ثمن داخل السجون ومؤسسات رعاية الأحداث ، والى التعامل مع النزلاء كما لو كانوا مجرد آلات أو أرقام وإحصائيات للواردين والمفرج عنهم ، مع أنهم مازالوا بشر لهم حاجاتهم وطموحاتهم وآمالهم في الحياة بحيث لا يفطن أصحاب هذا التوجيه بأنه سبب المرونة الكبيرة للشخصية الإنسانية فان الكثيرون من النزلاء يتعايشون مع الظروف الصعبة للإقامة في مثل تلك المؤسسات العقابية ويتكيفون معها بطرق مختلفة ليست دائما فى صالح المجتمع أو صالح النزيل أو صالح تحقيق أهداف الردع والإيلام التي يقوم عليها ذلك المنظور.

 

2-    مدى كفاية الجهود الإصلاحية التقليدية

وقد يظن البعض أن الحل إذن يكمن في النظر إلى النزلاء كبشر لهم حاجاتهم المادية والنفسية والاجتماعية وان المهم أن تتحول المؤسسات العقابية إلى دور للعلاج النفسي/ الاجتماعي للنزلاء وفق المنظور الغربي ، ولكن هؤلاء أيضا يتناسون أن الإنسان ليس فقط كائن ماديا نفسيا فقط بل انه وقبل كل شيء مخلوق يتكون من مجموعه من المكونات المتفاعلة التي يحتل الجانب الروحي من بينها منزله خاصة في توجيه الحياة والسلوك، من هنا فإننا وفرنا للنزلاء من خدمات وأنشطه تعليمية وثقافية واجتماعيه ، ومهما شغلنا وقت فراغهم بالنفع في الأنشطة الترويحية ، نكون قد تجاهلنا مسلمه أساسيه تتمثل في أن السلوك السوي أو الانحرافي إنما هو أولا وقبل كل شيء سلوك متأثر في المقام الأول بنوعية صلة الإنسان بربه ، ومن هنا فان أى برنامج للإصلاح وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي مهما حسنت مقاصده لا يمكن أن يحقق فاعليه كبيرة ما لم يكن جزء لا يتجزأ من برنامج شامل للإصلاح يقوم على أخذ الجوانب الروحية في الاعتبار، بحيث تكون المؤسسة العقابية مؤسسه لإعادة التوافق بين الإنسان وذاته في علاقته بهذا الوجود و خالقه من خلال مجموعة الأنشطة والبرامج - بل ومن خلال كل العلاقات و الخبرات والتفاعلات - التي تتم داخل تلك المؤسسات.

ولعل غياب هذا البعد الروحي وتجاهله هو السبب فيما تعج به الكتابات العلمية حول فشل جهود الإصلاح وارتفاع معدلات العودة للجريمة بين المفرج عنهم من المؤسسات العقابية في معظم دول العالم(2) ، رغم كل الجهود التي تبذل والنفقات التي تنفق لجعل السجون مؤسسات رعايه الأحداث أماكن حصينة لحجز النزلاء وحماية المجتمع منهم والتحكم فى سلوكهم وفى الظروف التي يعيشون في ظلها طوال مدة إقامتهم في تلك المؤسسات ، وبل ورغم الجهود التي تبل لإصلاحهم من خلال برامج الرعاية الاجتماعية والنفسية وبرامج التعليم والتدريب المهني والتشغيل وغيرها.

وينبغي أن نفرق هنا بين ما نقصده بالبعد الروحي لجهود الإصلاح وبين ما اصطلح تقليديا على تسميته ببرامج التهذيب الديني في مؤسسات الإصلاح،فهذه البرامج الدينية فقد كانت دائما متضمنة في برامج الإصلاح في السجون حتى أن الدكتور عبد الجبار عريم(3) يقرر أن "رجل الدين كان من أقدم الموظفين في السجون ، و يأتى في القدم بعد مدير السجن...وتكاد السجون والإصلاحيات في جميع أنحاء العالم تستخدم رجل الدين كأحد هيئة أعضاء موظفي السجن أو الإصلاحية" ، ومن الواضح أن الإشارة هنا إلى " رجل الدين " وما يقوم به من أنشطه في السجون إنما يتمشى مع نظرة تلك المجتمعات إلى الدين " كواحد"من القطاعات التي يجب الاهتمام بها إلى جانب القطاعات الأخرى (التعليمية والترويحية والصحية ... الخ) حيث ينظر إلى الدين باعتباره أمر شخصي يتصل في الجوانب التعبدية في العلاقة بين الإنسان وربه ، ولكن المجتمعات الإسلامية التي تنظر إلى الدين على انه محور حياة الإنسان في داخله وخارجه ، في دنياه وأخراه ، في علاقته بربه وعلاقته بنفسه ولآخرين وفى مسؤوليته عن مجتمعه ، هذه المجتمعات الإسلامية تعطى الجانب الروحي للإصلاح معنى مغايرا تماما وان لم يكن كتناقض للبرامج الدينية التقليدية ،فهو يشملها وان لم يقتصر عليها ، فالصورة التقليدية التي نشاهدها في بعض الدول حيث يفد بعض الوعاظ لزيارة السجن لإلقاء بعض المحاضرات الأسبوعية أو  الشهرية على النزلاء أمر لا باس به إن كان المقصود هو تزويد النزلاء ببعض المعارف الدينية التي تفيدهم ، أو الرد على أسئلتهم وإفتائهم في أمور دينهم ، أو إذا كان المقصود تقدم جرعة توعيه تستثير فيهم بعض الحافز لإصلاح صلتهم بالله ، ولكن إذا كان المقصود هو مساعدة النزلاء مساعده حقيقية تتجاوز الجوانب المتصلة بتقدم المعارف الدينية او التأثير في النزلاء ساعة أو بعض ساعة ليخبو بعدها الحماس وتعود المياه إلى مجاريها المعتادة في تلك المؤسسات نقول انه إذا كان المقصود من تلك البرامج الدينية يتجاوز تلك الأهداف المحدودة إلى أهداف اشمل تتصل بمحاوله إعادة بناء صله النزيل بربه سبحانه وتعالى بما يتضمن ليس فقط تقديم المعلومات الدينية اللازمة إليه وإنما أيضا مساعدته على أن يتعامل مع مشاعره ووجداناته وحاجاته من منظور جديد مبنى على مستوى ارفع من الصلة بالله سبحانه وتعالى فإن الأمر يتطلب إعادة نظر جذريه في جميع البرامج والممارسات التي تتم في داخل المؤسسة الإصلاحية بما يضمن تحقيق هذا أهدف النبيل،وفى هذه الحالة فان البرنامج الديني التقليدي أيضا سيشمله التغيير لكي يصبح جزءا من لا يتجزأ من برنامج الإصلاح الروحي الشامل للنزلاء.

 

3-    المنظور الإسلامي للإصلاح

لا يمكن إلا لمكابر أن ينكر أن نوع صلة الإنسان بربه تؤثر تأثير حاسم على كل جانب من جوانب حياة الإنسان وسلوكه ، فالفرد الذي " يعرف " ربه من خلال عقيدة صحيحة ، والذي يؤمن بالجزاء في اليوم الآخر ، والذي " ينفعل " بهذه المعرفة وذلك الإيمان فيستشعر الخشية لله من جانب كما يمتلئ قلبه بالرجاء في عفوه وإحسانه من جانب آخر ، لا يمكن إلا أن يكون " سلوكه " انعكاسا لتلك الخشية وذلك الرجاء ، فيكون ذلك السلوك متماشيا مع ما يدعو إليه دينه من حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال وحفظ النسل،وهو بهذا يكون شخص متوافق مع نفسه و مع غيره ، ويندران يقع هذا الإنسان في مخالفات شرعيه أو قانونيه حتى ولو واجهه قدر من النقص في إشباع حاجاته المادية أو النفسية ، لان صلته بالله سبحانه وتعالى تكيف نظرته لوجوده كله في هذه الحياة والحياة الآخرة ، فتعينه على أن يقنع بما أعطاه الله له ، وعلى أن يبذل الجهد والعرق وعلى لن يسعى لكسب رزقه ويشبع حاجته في حدود ما يرضى الله تعالى،وان ينفق كسبه في أوجهه المشروعة ، وان يعامل غيره بما يحب أن يعاملونه به ، وبمعنى آخر أن يجعل تعامله مع الله تعالى قبل أن يكون مع الناس،فهو يشعر دائما أن الأشخاص والمواقف التي تواجهه في حياته إنما هي مقدره وفق لمشيئة اله سبحانه وتعالى، وان الأصل في الأمر الابتلاء والاختيار ، وانه محاسب على نيته وعمله،وان حسبه أن يبذل قصارى الجهد ملتزم بالطاعة لمولاه ، وان النتيجة النهائية هي الفلاح على أى حال ومهما كانت النتائج في أعين الناس.

والعكس أيضا صحيح ، فالفرد الذي عفت صلته بربه على أى وجه من الوجوه ، سواء تجلى ذلك في قصور المعرفة والإيمان بالله واليوم الآخر أو تشويهه ،أو في عدم الانفعال بتلك المعرفة (سواء كانت قاصرة أو كافيه) وعدم تحولها إلى حشيه واضحة لله أو إلى رجاء واضح لما عنده سبحانه،فانه يترتب على هذا كله أن سلوكه سيكون مدفوع أساسا بإشباع حاجته المادية أو النفسية أو الاجتماعية كما يراها وعلى الوجه الذي يظنه حسنا " افمن زين له سوء عمله فراه حسنا فانه الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليهم بما يصنعون " ،وحتى امن كانت عملية التنشئة الاجتماعية قد نجحت في تلقين الفرد ما يسمى بالمعايير والقيم الاجتماعية أم الخلاقية المستمدة من مصادر إنسانيه لا تنبثق مباشرة عن الصلة بالله سبحانه وتعالى فان هذه المعايير والقيم لها حدودها التي تقف عندها في توجيه السلوك وضبطها، وذلك أن السلوك وفق لتلك المعايير و الأخلاقيات البشرية لا يقوم على أساس متين من مراقبة الله سبحانه وتعالى وإنما يقوم على مراقبة الناس فقط ، أو مجرد المراقبة الذاتية ، وإنما يكون متبع للسبل التي تفرق بهم عن سبيله،لان تلك القيم البشرية والمراقبة البشرية تقوم على آراء بشريه يعرض لها الهوى والاعتبارات الذاتية التي تهتدي بمعايير خارجه عن الذات ، صحيح أن الكثيرين يظلون من بين هؤلاء ممن يسلكون وفق للنظم والقوانين،ولكن  معظم من يقعون في الانحراف يكونون من تلك الفئة أيضا.

فهل يمكن  والحال كذلك أن نتجاهل هذا البعد الأساسى من الأبعاد المؤثرة على الشخصية الإنسانية في سوائها أو انحرافها إلا وهو البعد الروحي ؟ مهل يمكن لنا أن نستفيد حقيقة من النماذج النظرية التي ظهرت في مجتمعات أخرى لها توجهاتها المعروفة التي تقوم على الابتعاد عن القصد-سواء في حكم مواطنيها أو في توجهات علمائها و متخصصيها المهنيين - عن أى شئ يشير إلى الله واليوم الآخر لظروف تاريخية مرت بها مجتمعاتها وأدت إلى القطيعة فيما بين الدين المحرف وبين إدارة شئون المجتمع وتطورات العلم فيه ؟

إن الحق الذي لا مراء فيه أننا هنا في مجتمعاتنا الإسلامية ننطلق من منطلقات تختلف اختلاف جوهري عن تلك المجتمعات العلمانية ، وانه يكون من التفريط الشديد أن ننساق إلى التسليم دون تمحيص بما بنيت عليه حضارتهم وعلومهم ومهنهم من مسلمات ، وان من واجبنا أمام مجتمعاتنا وقبل ذلك أمام ربنا أن نعيد النظر في ممارستنا لنضعها على الطريق الصحيح الذي ينطلق من الإيمان بان تلك الجوانب الروحية المتصلة بمعرفة الإنسان بربه ومراقبته قبل الحساب في يوم تشخص فيه الأبصار هي محور حياة الإنسان كلها ، وأنها الأساس في استواء شخصيته واستقامة سلوكه،وان ضعفها هو الأساس في انحرافه وتجاوزه ، وان أى محاوله لتصحيح السلوك أم الاتجاهات لا يمكن بأى حال أن تتجاهل هذا البعد الروحي.

 

4-    الإجراءات التي يتطلبها تطبيق النموذج الإسلامي

إذا سلمنا بصحة التحليل السابق فانه يلزم عن ذلك الضرورة التسليم أيضا بأنه ينبغي النظر لعملية الصلاح وإعادة التأهيل من منظور جديد يعطى الجانب الروحي مكان الصدارة في كل النظم والترتيبات و الممارسات والإجراءات التي تتم داخل السجون ومؤسسات لرعاية الأحداث ، وبعده تأتى الاهتمامات الخاصة بعزل النزلاء ووقاية المجتمع من شرهم أو اهتمامات العقاب والردع أم اهتمامات الرعاية المادية / النفسية / الاجتماعية التي كانت لها السيادة تقليديا.

1- فان كنا نريد حقا إعادة تأهيل النزلاء على الوجه الذي بيناه فان الأمر يتطلب إتباع أسس جديدة لاختيار العاملين في تلك المؤسسات العقابية (سواء من المسئولين على الجوانب الأمنيه أو الاجتماعية أو التعليمية أو المهنية) من بين أهل الالتزام ممن يرغبون في العمل في هذه المجالات الصلاحية احتساب للأجر عند الله سبحانه(إضافة إلى راتب الوظيفة بطبيعة الحال)خدمه لإخوانهم المسلمين ممن انحرفوا عن الجادة سعيا لإصلاحهم وعودتهم إلى الله التي تترتب عليها عودتهم إلى سعه الحياة الطبيعية الراشدة في مجتمعهم بدل من ضيق حياه الانحراف.

2- ثم انه مهما كان الالتزام الأصلى للمختارين في هذه المجالات الإصلاحية فان الخطوة التالية هي تدريب جميع العاملين قبل استلام العمل على أداء واجباتهم الوظيفية انطلاقا من هذا المنظور الإسلامي الصحيح ، الذي يقوم على النظر للنزلاء على أنهم أخوه في ال تنكبوا الطريق ويحتاجون إلى جرعه تعويضيه من الأدويه الروحية الشافية التي تتمثل في معاملتهم كإخوان فى الله تعالى ( ويتضمن هذا بطبيعة الحال الاهتمام أيضا بضبط سلوكهم حتى لا يكونوا سبب بإلحاق الأذى بغيرهم ) حتى يحسوا أن كل العاملين في المؤسسة العقابية لا يريدون لهم إلا الخير ويسعون في مساعداتهم ( أيضا طالما التزموا بالسلوكيات المقبولة ) بكل طريق،وبهذا يقدم العاملون للنزلاء نموذج للشخص المسلم يعيد ثقتهم في الناس وفى المجتمع وفى أنفسهم ، ويكون بديل عن النظرة العدائية المتنمرة التي قد ينظر بها الكثيرون من النزلاء للعاملين ، وهذا يمهد الطريق أمام تقديم التوجيه والمساعدة الأخوية المقبولة التي تعين النزلاء على الارتقاء بأنفسهم من مختلف النواحي نتيجة لإصلاح صلتهم بالله سبحانه وتعالى.

3- أما الأخصائيون الاجتماعيون العاملون في السجون ومؤسسات رعاية الأحداث فانه يقع عليهم عبء إضافي في إطار هذا النموذج يتمثل في دراسة حالة كل نزيل ، وتقييم درجة نموه الوحي بمعنى درجة فهمه ومعرفته بالله سبحانه وتعالى ودرجة انفعاله بهذه المعرفة في شكل خوف من الله ورجاء فيه ودرجة انعكاس هذا على سلوكه السابق الإيداع ثم على سلوكه الحالي ، ثم وضع الخطط العلاجية المناسبة لمعاونته - من خلال العلاقة المهنية / الروحية الوثيقة ومن خلال الأنشطه الاجتماعية المصممة بشكل خاص - على الخروج من أسرار تصوراته القديمة عن نفسه وعن رفاقه وعن مجتمعه وعن ربه ، وبلغه أخرى مساعدته على الدخول إلى مرتبه أرقى من مراتب الارتقاء الروحي. ولما كانت ممارسة الخدمة الاجتماعية على هذا المستوى الذي يتجاوز الممارسة التقليدية يعتبر أمر جديد إتمام على معظم الممارسين  فان هذا يحتاج إلى مقال آخر أكثر تفصيل يركز على هذا الجانب فيوضح أبعاده ويصف عملياته على وجه لا يتيسر في مثل هذه المعالجة.

4- ويلاحظ أيضا أن تخطيط وتنفيذ جميع الأنشطه التي تتم في المؤسسات الإصلاحية ينبغي أن ينطلق من هذه المنطلقات التي تعطى الجوانب الروحية مكان الصدارة بحيث لا تعود الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والتعليمية والمهنية هدفا في ذاتها ، وإنما تكون وسائل تستخدم ويتم تقويمها في ضوء ما تحققه من ارتقاء روحي وإصلاح لصلة النزيل بربه سبحانه وتعالى مما ينعكس على جميع جوانب سلوكه بالتالي ، فالأنشطة مهما كانت أهميتها تتوقف في أوقات أداء الصلوات مثلا:وليس المهم في المباريات الرياضية الفوز أو الهزيمة بقدر أهمية سيادة ا لروح والعلاقات الأخوية بين النزلاء وهكذا ...

5 - ولا يخفى انه في مثل تلك الأحوال سيكون هناك بالطبع اهتمام خاص بمي يسمى تقليديا بالبرامج الدينية التي تقدم المعارف الدينية من خلال المحاضرات والندوات أو حلقات تحفيظ القران الكريم وغيرها،ولكن حتى هذه البرامج ينبغي أن يقوم بها لدعا من نوع خاص (4) يتفهمون وظيفة تلك البرامج في البناء الكلى لخطة الإصلاح في المؤسسات العقابية،وفى هذا الإطار فان البوادر الطبيعية بالتسجيل أن قسم الدعاة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وقد بدا في تطوير ما يمكن أن نسميه " بالدعوة العلاجية " أي الدعوة بهدف إصلاح الأفراد الذين ارتكبوا أفعال انحرافية أو المعرضين للانحراف،وبهذه الطريقة تلتقي جهود الدعاة إلي الله بجهود غيرهم من الأخصائيين الاجتماعيين والمسئولين عن الحراسة وعن الأمن في المؤسسات الإصلاحية لتحقيق الأهداف النبيلة من للإصلاح من المنظور الإسلامي.

6- وأخيرا فان المتوقع أيضا في إطار هذا النموذج أن يتم تقويم جهود  العملين  في المؤسسات العقابية في ضوء مدى إسهامهم في الإصلاح الشامل للنزلاء بهذا المعنى الذي يتضمن مساعدتهم على تحقيق درجات اعلي من الارتقاء الروحي.

 

الحواشي والمراجع

 

(1)            د. بدر الدين على "عرض لتطوير النظريات المتعلقة بسبب الجريمة " : النظريات الحديثة في تفسير السلوك الإجرامي : أبحاث الندوة العلمية السادسة . المركز العربي الدراسات والتدريب بالرياض 1407/1987 ص ص 17- 18 .

(2) Charles Zastrow , Introduction to Social Welfare Institutions 2nd  ed . ( Homewood, Tllinois : Dorsey ,  1982 )  p.273  .

 (3) د.عبد الجبار عريم : الطرق العلمية الحديثة فتى الصلاح وتأهيل المجرمين و الجانحين ( بغداد: مطبعة المعارف ،1975 ص.  ص. 244- 245 ، وانظر أيضا د. محمد نجيب حسنى " التهذيب في المؤسسات العقابية" ، المجلة الجنائية  القومية ، ص ص 387 – 408 .

(4) د . محمود نجيب حسنى ،  المرجع السابق .


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com