|
|
|
|
بسم
الله الرحمن الرحيم
الخدمة
الاجتماعية و العولمة وتحديات العصر
د. إبراهيم عبد الرحمن رجب
الأستاذ
بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان
____________________________________________
ورقة عمل قدمت لمؤتمر "العولمة و
الخدمة الاجتماعية : مستقبل سياسات الرعاية الاجتماعية في القرن الحادي
والعشرين" الذي نظمته كلية الخدمة
الاجتماعية بجامعة القاهرة ، فرع الفيوم ، 3-5 مايو 2000 .
الخدمة
الاجتماعية و العولمة وتحديات العصر
يرجع الفضل في تفسير العلاقة بين الموجة الأولى من التغيرات التكنولوجية
وحركة التصنيع السريع التي شهدها القرن التاسع عشر وبين ظهور الخدمة الاجتماعية
كمهنة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ويلنسكي و لوبو في مؤلفهما الكلاسيكي
القيّم عن "المجتمع الصناعي والرعاية الاجتماعية" ، فقد قام هذان المؤلفان بجهد منظم للتأصيل النظري للعلاقة الوثيقة بين التغيرات
التكنولوجية الكبرى التي صاحبت الثورة الصناعية ، والتغيرات
البنائية التي ارتبطت بتلك التغيرات في المجتمع
الأمريكي ، وبين المشكلات الاجتماعية
واسعة النطاق التي نتجت عن هذا كله ، وبين ظهور برامج وخدمات الرعاية
الاجتماعية ، والتي في إطارها ظهرت مهنة الخدمة
الاجتماعية
، حتى لقد أوشكا أن يضعا تلك العلاقة في بعض جوانبها في صورة المعادلة
الرياضية التي لا تتخلف ، إذ يقولان أنه "لولم توجد مشكلات اجتماعية ، لما
وجدت خدمات للرعاية الاجتماعية ، ولما وجدت مهنة الخدمة الاجتماعية" (Wilensky
& Lebeaux,1965: 13-14) .
ويبدو أن على المنظرين اليوم أن يعودوا مرة أخرى إلى لوحة الرسم كما يقولون
ليحاولوا التنظير من جديد لكيفية استجابة الخدمة الاجتماعية كمهنة مستقرة لتحديات
الموجة الكبرى الثانية من التغير التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم اليوم ، إذ
أنه يبدو أن القَدَر المقدور لهذه المهنة النبيلة أن تعيد اختراع نفسها من جديد
لكي تستطيع أن تستجيب لذلك الطوفان من التغيير السريع الذي يجتاح العالم منذ بداية
عقد التسعينات بوجه خاص في إطار ما أصبح يشار إليه باصطلاح
"العولمة" Globalization ، والذي أصبح عَلَما على مفهوم سيال غير محدد
المعالم ، يشير إجمالا إلى مجموعة تكاد لا تتناهى من الظواهر والمظاهر
المتنوعة التي لم تكد تترك جانبا من جوانب
الحياة في المجتمعات المعاصرة إلا لمسته وتركت بصماتها عليه ، إيجابا أو سلبا (حسب
موقعك في المرحلة السابقة على البداية النشطة لهذه العملية ، والذي يحدد مدى قدرتك
على التعامل معها : من موقع القوة أو موقع الضعف) … فما هي العولمة ؟ وما حقيقتها
؟ وماهي التحديات التي تفرضها ؟ وما هي الفرص التي تتيحها ؟
إن الإجابة عن تلك التساؤلات بوضوح إنما
هي أساس ضروري لإمكان تحديد مدى قدرة
الخدمة الاجتماعية على الاستجابة لتلك الظروف المجتمعية بفاعلية … ومرة أخرى يذكّرنا ويلنسكي و لوبو في
هذا السياق أن الخدمة الاجتماعية إنما هي جزء لايتجزأ "من الإطار الاجتماعي
والثقافي الأشمل كما أنها إفراز له ، وهي [أي الخدمة الاجتماعية] وإن كانت تساعد
على تشكيل المجتمع الأكبر إلا أنها تعكس طبيعة الكل الذي هي جزء منه أكثر من أن
تقوم هي بتشكيله [وفق رؤيتها] ، وأننا كلما فهمنا طبيعة العلاقات بين المهنة
والمجتمع والثقافة كلما كنا أكثر قدرة على رؤية الفرص المتاحة أمامنا للتأثير على
خدمات الرعاية الاجتماعية وعلى مهنة الخدمة الاجتماعية" (p.p. 13-14) ، وإذا كان هذا التحليل قد كان صادقا في تحليل واقع الموجة الأولى
من التغير التكنولوجي السريع والذي كان محصورا في نطاق العلاقة بين مهنة الخدمة
الاجتماعية والمجتمع "القومي" الذي تمارس في حدوده ، فإننا سنرى أن
الموقف في نطاق واقع الموجة الثانية –
العولمة – يفرض على التحليل بعدا "كونيا" لم يعد من الممكن تجاهله . ومن
أجل هذا فإننا سنكرس الجزء الأول من هذه الورقة
لمحاولة التعرف على طبيعة هذه الظاهرة ، والإحاطة بمختلف جوانبها ، قبل أن
ننتقل بعد ذلك للقيام بمحاولة مبدئية لاستجلاء بعض الاتجاهات المتوقعة لتأثيرات
العولمة فيما يتصل بسياسات الرعاية الاجتماعية و تعليم الخدمة الاجتماعية
وممارستها.
مفـــهوم
العــولمة
يوجد مايشبه الاتفاق العام على أن
مفهوم العولمة مازال يشوبه الكثير من الغموض على الرغم من كثرة ما كتب عنه وذلك
لأسباب عدة ، فالناس يختلفون في إدراك المفهوم باختلاف زاوية رؤيتهم ، وباختلافهم
في مدى اطلاعهم على خفايا الظاهرة ودقائقها ، إضافة إلى أن الظاهرة ذاتها سريعة
التطور ، متعددة الجوانب ، وأن خيوطها
تحركها "أيد خفية يتجاوز نفوذها الدول والمنظمات الدولية الرسمية"
(الجنحاني، 1999،
10) ، ومع وجود
تلك الاختلافات فإنه قد يكون من المفيد أن نبدأ هنا باستعراض بعض التعريفات
الشائعة ، رغم أن أصحابها لا يزعمون أنها
جامعة مانعة ، وذلك بغرض الاسترشاد بها في محاولة تحديد المفهوم:
تعريف أكبر أحمد ، و
هيستنجز دونان، عام 1994 :
يقول المؤلفان -فيما يمكن أن يعتبر أبسط
التعريفات وإن لم يكن أشملها- "نحن نستخدم اصطلاح العولمة لنشير به أساسا إلى
التطورات السريعة في تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والمعلومات ، والتي قربت
أقاصي أصقاع العالم من بعضها حتى أضحت قريبة المنال" (Ahmed
& Donnan, 1994: 1) .
تعريف أنتوني جيدينز
، عام 1990:
العولمة هي "مرحلة جديدة من مراحل
بروز وتطور الحداثة ، تتكثف فيها العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي ، حيث
يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج ، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي
بروابط اقتصادية وثقافية وسياسية وإنسانية" (نقلا عن :عبد الله ، 1999 : 52).
تعريف رولاند
روبرتسون ، عام 1992:
" العولمة هي اتجاه تاريخي نحو
انكماش العالم ، وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش" (المصدر السابق).
تعريف مالكولم واترز
، عام 1995 :
"العولمة هي كل المستجدات
والتطورات التي تسعى بقصد أو من دون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي
واحد" (المصدر السابق).
و مجرد الاستعراض السريع للتعريفات
السابقة يكشف لنا عن مجموعة من المكونات الهامة لمفهوم العولمة نلخصها فيما يلي:
(1) أن القوة الدافعة للعولمة إنما هي التطورات
العلمية والتكنولوجية المذهلة في مجال الاتصالات ، والمواصلات ، والمعلومات التي
شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية (أكبر أحمد و هيستنجز دونان).
(2) أنه قد ترتب على تلك التطورات الهائلة إلغاء
المسافات الطبيعية في الانتقال ، وإلغاء المسافات في التواصل بين البشر ، على
مستوى غير مسبوق في تاريخ العالم (جميع التعريفات).
(3) أن
سكان المعمورة قد بدأوا يدركون ويعون مغزى هذا التقارب المدهش الذي يوشك أن يوحي
بأنهم يعيشون بالفعل في وحدة كونية واحدة
، مع ما يرونه من تعاظم تأثير العالمي على المحلي
(روبرتسون).
(4) ولكن
تلك العملية "الطبيعية" التلقائية المحايدة في جوهرها تستخدم اليوم
كعملية "مقصودة" ناشطة (واترز) من جانب بعض الدول والمنظمات عن قصد
لتحقيق مآربها ، التي قد تلقى شيئا من القبول العام أو تلقى مقاومة شديدة ، وذلك
من خلال الدعوة الانتهازية إلى تسريع تلك العملية قبل أن يتم استيعاب كافة نتائجها
المحتملة ، أو من خلال العمل المخطط لتحميل تلك العملية بحمولة أيديولوجية محددة ،
تخدم أهداف الأقوياء ولا يبدو أنها تأخذ مصالح الآخر في الاعتبار.
ولعل هذه السمة الأخيرة تحديدا أن تكون
هي المصدر المباشر في إثارة الكثير من المخاوف التي لولا ذلك لما كان لها ما
يبررها ، فلا يمكن لأحد أن يماري في أن الإنسان منذ بدء الخليقة قد كان يستشعر
دوما أن المسافات والحواجز الطبيعية (الجغرافية) تحول بينه وبين تحقيق ما يطمح
إليه في الانتقال بدنيَّا من مكان إلى مكان ، أو في التواصل السريع مع غيره من بني
الإنسان الذين يعيشون في البقاع الأخرى من أرض الله ، ومن هنا فليس من المستغرب أن
يستقبل الناس بالبشر والترحاب كل تطور علمي وتكنولوجي يزيح هذه العوائق أو يلغي
تلك المسافات … ولكن القضية في الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك كما ذكرنا ، فالناس
والتجمعات والدول ليسوا سواء من حيث مدى قوتهم وقدرتهم على التأثير في مسار هذه
اللحظة التاريخية الرائعة وتوجيهها لخير
الإنسانية كما هو مأمول ، فلقد بادرت الدول الصناعية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات
أو العابرة للقارات في "استغلال" تلك العملية التاريخية المحايدة في
جوهرها لتتخذ منها أداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على الأغلبية
الفقيرة والمتخلفة صناعيا وتكنولوجيا ، ولتحاول أن تعيد صنع العالم على صورتها ،
على وجه يضمن لها الاحتفاظ بتفوقها وتميزها ، إبقاءً على تبعية الآخر بل وتكريسا
لتلك التبعية ، وعلى وجه يتسم بقصر النظر الذي تغذيه صلافة القوة.
لقد حاولنا في التحليل السابق أن نميز بوضوح بين منظورين للعولمة لكل منهما
صدقه في التحليل النظري ، وإن كان يصعب التمييز بين مظاهرهما في الواقع الإمبيريقي
، والسبب الذي يجعل هذا الفصل النظري بين هذين الجانبين مفيدا يرجع إلى أن عدم
التمييز بينهما يؤدي إلى كثير من الخلط في الخطاب الجماهيري بل والخطاب شبه
الأكاديمي ، بل ويؤدي إلى مواقف متناقضة ، وإلى مخاوف في غير محلها أو إلى اندفاع
ليس له ما يبرره وهذان المنظوران هما كما سبق لأن ألمحنا هما :
(1) النظر إلى العولمة كعملية طبيعية تلقائية
تراكمية محايدة ، تتمثل أساسا في التطورات العلمية والتكنولوجية الكبرى في مجال
الاتصالات والمواصلات والمعلومات ، والتي تعتبر بمثابة القوة الدافعة أو
"الطاقة المولدة والمحركة للعولمة ، كما أن لحظة العولمة هي لحظة الاستفادة
القصوى من معطيات ونتائج هذه الثورة ، بل إن العولمة والثورة العلمية والتكنولوجية
هما وجهان لاينفصلان لعملة واحدة"
(عبد الله : 61
؛ وأيضا: إبراهيم ، 1999 : 189).
(2) النظر
إلى العولمة في صورتها المقصودة أو المصنوعة ، المحملة بأحمال أيديولوجية من خلال
استخدام تلك العملية عن قصد لتحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على
العالم ، احتفاظا بالتفوق وتكريسا للتبعية ، والتي تظهر في "سعي الولايات
المتحدة الأمريكية إلى إعادة صياغة النظام العالمي طبقا لمصالحها وتوجهاتها وأنماط
القيم السائدة فيها" (إبراهيم : 191) ، ودعوتها النشطة لفرض نظرتها اللبرالية
الجديدة التي يسميها البعض " أصولية حرية السوق" أو "اللبرالية
المتطرفة" أو "اللبرالية الطائشة" (الجنحاني : 17
، 30) .
وتبدو أهمية هذا التمييز بوضوح في أنه
يجنبنا الخلط بين ماهو محايد بل مرغوب فيه أي التطورات العلمية والتكنولوجية من
جانب ، وبين ماهو محمل أيديولوجيا أي مايتصل بفرض الهيمنة التي أصبح البعض لايراها إلا "الظاهرة الاستعمارية الجديدة"
(الإمام ، 1999 : 73-74 )
من جانب آخر ، ذلك أن خلط الأوراق يؤدي إلى الوقوع (بحسن نية ، أو بسوء قصد) في
خطأ الدفاع عن الوجه الثاني لعملية العولمة (الهيمنة) بالإشارة إلى الفوائد
المحققة والمزايا المفروغ منها للوجه الآخر (التطورات العلمية والتكنولوجية) .
ومن زاوية أخرى فلعلنا نلاحظ أن "الوحدة" والترابط بين المتغيرات
تكاد تكون السمة الفارقة أو الطبيعة المميزة للعولمة ، ومن هنا فإنه لايمكن فهم
الآثار والتحديات التي تفرضها العولمة فيما يتعلق بالرعاية الاجتماعية و الخدمة
الاجتماعية إلا في ضوء استجلاء الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية للعولمة
بوجهيها المذكورين ، وسنحاول فيما يلي أن نلقي شيئا من الضوء على كل من تلك
الجوانب قبل أن ننتقل لبيان الآثار التي تتركها على السياسات الاجتماعية و الرعاية
الاجتماعية و الخدمة الاجتماعية.
يرى الكثيرون أن "العولمة هي أساسا مفهوم "اقتصادي"
قبل أن تكون مفهوما علميا أو سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا" ، فالعولمة
الاقتصادية هي الأكثر وضوحا واكتمالا وتحققا على أرض الواقع مقارنة بالعولمة
السياسية والثقافية والاجتماعية ، حيث أننا نجد أنفسنا اليوم أمام نظام اقتصادي
عالمي واحد ، عالم بلا حدود اقتصادية ، يتم فيه النشاط الاقتصادي على الصعيد
العالمي عبر شركات عابرة للقارات تزايدت أعدادها بشكل كبير ، مع ميل للاندماج مع
بعضها لخلق كيانات أكبر ، تدير عملياتها الإنتاجية بمعزل عن الدول ذات السيادة
(التي أضحت منتقصة) ، مع زيادة معدلات التجارة العالمية وانتقال رءوس الأموال
والعمالة عبر حدود الدول ، مما أدى إلى عولمة عمليات الإنتاج ، والتسويق ،
والتمويل ، وانتقال السلع والخدمات على وجه يكاد يبلغ "مرحلة الاستقلال التام
عن الدولة القومية وعن الاقتصاديات الوطنية" (عبد الله : 55
، 67 ؛ إبراهيم : 188)…
أما بالنسبة للمترددين أو المتقاعسين عن الاندماج في هذا النظام العالمي فإن
المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة
التجارة العالمية قد أصبحت تستخدم للضغط
على تلك الدول لتبني السياسات التي تضمن فتح أسواقها بلا حدود أمام قوى العولمة
الاقتصادية مهما كانت الأضرار المحتملة على تلك الاقتصاديات المحلية النامية.
وترتبط الجوانب السياسية
للعولمة بالجوانب الاقتصادية ارتباطا وثيقا ،
فالعولمة السياسية هي المرحلة التالية للعولمة الاقتصادية ، وتتمثل في "تراجع
أهمية الدولة ، وبروز مراكز جديدة للقرار السياسي العالمي ، في الوقت الذي تتجه
فيه الدول للتخلي الطوعي أو الاضطراري عن مظاهر السيادة التقليدية" ، فالدولة
القومية "ذات السيادة" التي تمارس صلاحياتها على أرضها دون تدخل أجنبي
قد أصبحت اليوم "نقيضا للعولمة" ، فالعولمة تحاول خلق "…عالم بلا
حدود سياسية ، [وهذا] هو جوهر العولمة السياسية" ، حيث يتم الانتقال الحر
للقرارات والسياسات والتشريعات عبر المجتمعات والقارات بأقل قدر من القيود
والضوابط ، ويرى البعض أن الدولة "لم تعد هي صاحبة القرار الوحيد ، وهي حتما
ليست المسئولة مسئولية كاملة عن أفرادها وحدودها واقتصادها وبيئتها وأمنها
ومصيرها" رغم أنها مازالت تدعي ذلك نظريا ، ولكن "على أرض الواقع لم تعد الدولة قادرة على
الثبات على هذه الأحقية التاريخية"
(عبد الله: 55-
82).
أما العولمة
الثقافية فتشير
إلى "بروز عالم بلا حدود ثقافية حيث تنتقل الأفكار والمعلومات والأخبار
والاتجاهات القيمية والسلوكية بحرية كاملة على الصعيد العالمي ، وبأقل قدر من
التدخل من قِبل الدول" (عبد الله : 55 ) ، وذلك بسبب التقدم الهائل في وسائل
ووسائط نقل المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات ، مما أدى إلى الانتشار السريع والفعال
لأنماط القيم الغربية في الفن والملبس والمأكل والتسلية التي تحمل رؤية محددة
للعالم Worldview تختلف اختلافا جذريا من بعض الجوانب مع رؤية
المجتمعات غير الغربية ، والتي أصبحت ترى قطاعات كبيرة مؤثرة من أبنائها يتبنونها
عن غير وعي ، وتقوم على ترويج تلك الاتجاهات والسلوكيات آلة تجارية وإعلامية رهيبة
لاحدود لإمكاناتها ، لأنه لاحدود لمكاسبها ، فتحولت الثقافة الاستهلاكية "إلى
آلية فاعلة لتشويه البنى التقليدية وتغريب الإنسان ، وعزله عن قضاياه … والتشكيك
في جميع قناعاته الوطنية والقومية والدينية ، وذلك بهدف إخضاعه نهائيا للقوى والنخب
المسيطرة على القرية الكونية ، وإضعاف روح النقد والمقاومة عنده حتى يستسلم إلى
واقع الإحباط فيقبل بالخضوع لهذه القوى أو التصالح معها" (حجازي ،1999
: 133-134).
وينبه الكثيرون من الباحثين إلى مخاطر عولمة الثقافة وثقافة العولمة على
المجتمعات العربية والإسلامية بوجه خاص … تلك المجتمعات التي تتلقى أكثر من نصيبها
من محاولات طمس الهوية بشكل مقصود ، حيث يمكن فهم تلك المحاولات على أنها ليست إلا
استمرارا طبيعيا متوقعا للمحاولات التاريخية من جانب الغرب للهيمنة على موارد
المنطقة من خلال السيطرة على سكانها بكل الطرق ، والتي يعتبر من أيسرها وأكثرها
أمنا دون أي مخاطرة تقريبا (مقارنة بالاحتلال العسكري) القيام بفرض "حضارة
عالمية وثقافة كونية واحدة … تهدف إلى صهر الثقافات المحلية في بوتقة واحدة ابتغاء
تمثُّلها في ثقافة الآخر ، تضيع معها خصوصية الثقافات المحلية ، ومن بينها الثقافة
العربية والإسلامية ، أو تتعرض للتشويه على أقل تقدير" (الشاذلي ، 2000
: 3).
وإذا كان التعامل العلمي مع المعطيات والمشاهدات الإمبيريقية يتنافى مع
المبالغة والتهويل في تقدير الموقف فيما يتعلق بالتطورات الجارية التي لازالت تتسم
بالسيولة ، فإنه يتنافى أيضا مع التهوين غير المسؤول من شأن المخاطر التي تتعرض
لها الأمة في إطار هذه العواصف والأعاصير الثقافية التي تشاهد آثارها المدمرة
اليوم في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي ، والواقع أن الملاحظة العابرة للحالة التي وصلت إليها
مؤسسات الثقافة وأجهزة الإعلام الرسمية تكفي للوصول إلى نتيجة توحي بأن تلك الأجهزة تكاد ترى مجتمعاتنا بعيون لا تنتمي إلى أرضنا
وتراثنا ، كما تكفي الملاحظة العابرة للاتجاهات العامة لتعديل مناهج التعليم في
اتجاهات تباعد بالتدريج بين الأجيال
الجديدة وبين ثقافتها العربية الإسلامية للوصول إلى نفس النتيجة … تكفي هذه وغيرها
لتعطي المحلل المحايد دليلا ملموسا على أن لفح عواصف العولمة الثقافية يوشك أن
يحقق ما يريده نظام الهيمنة العالمي من أهداف بأيدي أبناء الأمة ذاتهم سواء جاء
ذلك بقصد من جانبهم أو بغير قصد.
التأثيرات
الأجنبية على الجمعيات والهيئات المحلية : دراسة حالة
وحقيقة الأمر أن مسألة القصد أو عدم القصد إنما يمكن حسمها إلى حد كبير من
خلال النظر في الأهداف المعلنة ومصادر التمويل ومصادر التوجيه الأيديولوجي
المرتبطة بها في مؤسساتنا الوطنية المحلية ، وقد يفيدنا هنا أن نعرض بشيء من
التفصيل لما يشبه دراسة الحالة لدور
المنظمات الدولية ، ودور حكومات الدول الأجنبية (من خلال سفاراتها ، أو هيئات
"التنمية" التابعة لها ، أو المنظمات الطوعية الأجنبية التي تتلقى
الأموال منها) في توجيه الجمعيات المصرية غير الحكومية ، بل والهيئات الحكومية
وشبه الحكومية فيما يتصل بمجال قضايا
المرأة والأسرة ، فقد كفتنا سناء المصري في كتابها المعنون "تمويل وتطبيع:
قصة الجمعيات غير الحكومية " مؤونة البحث والتنقيب عن أهداف ومصادر تمويل تلك
الجمعيات والهيئات ، وذلك بالرغم من نطاق السرية الذي تفرضه تلك الجمعيات على هذا
النوع من المعلومات والذي وصفته المؤلفة "بالحذر الشرس" .
تعرضت المؤلفة في البداية لما حدث في
مؤتمر المرأة في المكسيك عام 1995
، فقالت "على إثر النقد الذي وجهته الدول الكبرى هناك لوضع المرأة المصري
والقوانين الخاصة بها قدمت عائشة راتب [وزيرة الشؤون الاجتماعية] بعد عودتها من
المؤتمر مشروعا لتعديل قانون الأحوال الشخصية ، لكن رفضه الأزهر وطلبت السلطة
السياسية سحبه .. ثم تم إعداد مشروع قانون للأحوال الشخصية تبنته السيدة جيهان
السادات وتم إصداره سنة 1979
، وبعد اغتيال السادات وابتعاد جيهان السادات عن السلطة … صدر حكم المحكمة
الدستورية بإلغاء العمل بالقانون" ، وقد عقبت المؤلفة على ذلك بقولها
"ونلاحظ أن التحرك الرسمي لتغيير القانون أيام جيهان السادات جاء نتيجة ضغط
خارجي أكثر مما هو نتيجة ضغط داخلي" ، ثم أشارت إلى أننا سنرى أن "سياسة
الرضوخ للضغوط الخارجية لتغيير وضع المرأة"
أكثر وضوحا اليوم فيما يتصل "بالموضوعات المثارة على جدول أعمال
الحركة النسائية الحالية بشقيها الحكومي وغير الحكومي وتوجهاتها الخارجية"
(المصري ، 1998 : 56-57).
إن من يراجع البيانات التي تعرضت لها المؤلفة بالتفصيل لديناميات إنشاء
الجمعيات غير الحكومية العاملة في قطاع المرأة وظروف حصولها على التمويل من
الهيئات الأجنبية المتعددة ، بغرض تنفيذ البرامج والمشروعات التي تريدها تلك
الجهات الأجنبية ، لا يملك إلا أن يصيبه العجب من جرأة تلك الهيئات في محاولاتها
التي لا تلين لتشكيل السياسات الاجتماعية في مصر على الوجه الذي تريده مهما تناقض
ما تدعو إليه مع ثقافة الأمة وديانتها ، مما يتنافى مع احترام السيادة الوطنية
والقومية ، ولكن الأشد إثارة للدهشة هو قيام الهيئات الحكومية أو شبه الحكومية
بنفس الدور ولكن على نطاق أوسع ، فالمؤلفة تخبرنا بأن الحكومة المصرية قد
"دخلت بنفسها تلك اللعبة فأنشأت الصندوق الاجتماعي للتنمية بمساعدة البنك
الدولي ومجموعة من المانحين وألحقته بمجلس الوزراء مباشرة عام
1991 لتخلق عن طريقه قناة رسمية جدا يمر عبرها المال الدولي إلى الجمعيات … فالصندوق هو مجرد وسيط يخفي تماما مصدر المال ،
ويعطي عبر مصفاة محلية قروضا صغيرة للأفراد والجمعيات ، وبالصندوق وحدة كاملة
لبرامج المرأة تستورد مع المال الدولي أفكارا دولية للتنمية ، ومنها فكرة الجندر
والتنمية أو الجنس والتنمية وهي نفس الفكرة
التي استوردتها الجمعيات غير الحكومية مرفقة بالتمويل" (ص. ص.
80-81 ) .
وتنتقل المؤلفة لدراسة ملابسات مشاركة
الهيئات الحكومية و غير الحكومية في العمل الناشط والمتحمس لقضية غريبة هي مايعرف
"بختان البنات" ، فتبدأ بملاحظة
"أن قضية ختان الإناث التي يدور حولها نشاط الجمعيات غير الحكومية المعنية
بقضية المرأة قد بدأت الإشارة لها ولفت الانتباه من الخارج أولا …بإشارات عابرة في
البداية ثم زاد التأكيد عليها في السنوات الأخيرة … [ثم] زاد التوجيه الخارجي ،
وسارعت الأجهزة المعنية بإجراء مسح سكاني عن الظاهرة ووجدوا أن نسبة إجراء الختان
في مصر تصل إلى 97%
، وزاد الاهتمام بعد عقد مؤتمر السكان في القاهرة 1994" (ص 115) . وبعد تكوين "اللجنة القومية
للمنظمات غير الحكومية للسكان والتنمية"
تفرع عنها "مجموعة العمل المعنية بختان الإناث" وتضم الآن حوالي
ستين جمعية غير حكومية تعمل بالتعاون مع وزارة السكان وتنظيم الأسرة وتربطها
علاقات وثيقة مع جهات مختلفة في الخارج"
، وقد ذكرت المؤلفة منها بعض الهيئات الأمريكية والهولندية والكندية
والدنمركية ، ولكنها توقفت عند الخبر التالي …"طلبت الأستاذة باربرا ربيسجروف
السكرتير الثاني للقسم السياسي للسفارة الأمريكية الالتقاء بممثل عن مجموعة العمل
المعنية بختان الإناث ، وقد قابلتها د. سهام عبد السلام وجرى بينهما حوار حول
الموضوع" ، ثم أبدت المؤلفة تساؤلا
يبدو لنا معقول تماما "عن سر اهتمام صناع القرار في الدنمرك والسفارات الأجنبية
بموضوع ختان الإناث … نتساءل عن سر الاهتمام المبالغ فيه من هذه الجهات الغامضة
وسر الملايين المخصصة للإنفاق على هذه القضية … نتساءل عن سر توصيات المانحين
للجمعيات غير الحكومية بتركيز العمل في هذه القضية ؟ وإمعانا في إرضاء المانحين
يتسابق الحكوميون وغير الحكوميين في إبراز اهتمامهم بقضايا ختان الإناث وغيرها من
الموضوعات المفضلة لدى الخارج …ولذلك فإننا لا نعجب حينما نقرأ …‘صرحت د. ناهد متى
من هيئة المعونة الأمريكية بأن وزير الصحة طلب قبل سفره لأمريكا نشر تقرير المسح
السكاني الصحي بأكمله بما فيه الجزأين الخاصين بختان الإناث والعنف ضد المرأة‘ ،
حتى ترى أمريكا مدى اهتمام الوزير والوزارة والحكومة كلها بقضية ختان الإناث وحتى
يحسن المانحون استقباله هناك" (ص. ص. 117-121).
تشير دراسة الحالة السابقة بوضوح إلى بعض صور وأنماط التأثير الأجنبي على
القرار المحلي ، وبالرغم من أن النشاط الطوعي الأصيل المدفوع بدوافع عمل الخير
لخدمة أبناء الوطن قد كان دائما من الأعمدة التي قامت عليها برامج الرعاية
الاجتماعية ، وبالرغم من أن ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية (الوجه الأول
للعولمة) يمكن أن تعطي قوة دفع جديدة
لزيادة فاعلية مثل تلك الجهود ، فإننا قد رأينا أيضا أن العولمة في وجهها الآخر
(الحمولة الأيديولوجية والسعي النشط للهيمنة) يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة تعاني
آثارها الشعوب … وعلى أيدي قلة من المنتفعين الذين أشارت سناء المصري إلى موقفهم بأنه "خيانة
المثقفين" ، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا السياق هو أن التحولات الكبرى
في التاريخ تصحبها عادة فترات انتقالية يمكن أن تظهر فيها بل -وتتفشى- العديد من
الظواهر التي لا تلبث خبرات الشعوب أن تستوعبها ، وأن تتجاوزها بعد أن تنكشف
نتائجها وتظهر مخبوءاتها ، وإذا كانت الشعوب فيما قبل ثورة الاتصال قد كانت تستغرق
دهورا قبل أن تنكشف لها النتائج وتظهر المخبوءات ، فإن سرعة الاتصالات وحرية تدفق
المعلومات دون سلطان لأحد عليها قمينة بتقصير تلك الفترة يشكل كبير ، وهي كفيلة
بتقريب اتفاق الناس في الرأي حولها على صورة غير مسبوقة في التاريخ ، وتلك ولاشك
تعتبر من المفارقات المدهشة للعولمة ، وما أكثر المفارقات التي أتت بها العولمة
!
يرى الحبيب الجنحاني أن "أبرز سيئات العولمة تلوح في المجال
الاجتماعي" (ص 30)
، ونحن نجد اليوم بالفعل أن الدولة في المجتمعات المتقدمة صناعيا التي كانت بالأمس
القريب تباهي بسياساتها القائمة على فكرة دولة الرفاهية Welfare State حيث يتم تقديم مجموعة
متكاملة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية لكافة المواطنين باعتبارها من
حقوق المواطنة قد بدأت تتراجع اليوم عن دعمها السابق لتلك "الحقوق" ،
وأصبح من كانوا يخشون بالأمس القريب من مغبة العيش في مجتمع الثلثين (على أساس أن
الثلث الأخير من المواطنين فائض عن الحاجة) يتحدثون اليوم عن مجتمع العُشريْن أو
مجتمع الخُمس ، بمعنى أن 20%
من السكان فقط "سيكون لهم عمل يدر عليهم دخلا يسمح بمستوى معيشة محترم"
بينما تنضم البقية إلى جحافل العاطلين (الجنحاني: 33
). ويبين د. جمال عطية أن المنافسة
الاقتصادية التي تنتج عن العولمة تؤدي إلى "خسارة الرعاية الاجتماعية التي
يحظى بها العمال في معظم البلاد وتحميها قوانين العمل وتدافع عنها النقابات [ذلك
أنه ينظر إلى] هذه الرعاية [على أنها] مكلفة للمشروع وللدولة ، وتتنافى مع السعي
إلى تحقيق أدنى تكلفة للإنتاج" ، ويشير إلى أنه قد بدأت بالفعل في الدول
المتقدمة صناعيا "مظاهر الاستغناء عن
العمالة الدائمة واستخدام عمالة مؤقتة لاتتمتع بحماية قانون العمل والعطلات الأسبوعية
والسنوية وتأمينات العلاج والبطالة والشيخوخة ، بل وأجبر العمال على التعهد بعدم
الانضمام إلى النقابات" ثم يتساءل عما سيؤول إليه الحال في المجتمعات النامية
(عطية ،1999 : 10).
أما برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية
فإنها قد شهدت في السنوات الأخيرة تخفيضات جذرية في المخصصات والميزانيات ، ففي
الولايات المتحدة الأمريكية مثلا نجد أنه قد تم منذ عام 1996 إلغاء أو تقليص أو تحجيم العديد من الخدمات
والمزايا التي كانت في الماضي تكاد تعد من الحقوق الأساسية للمواطنين من ذوي الدخل
المحدود ، وقد تمت تلك التخفيضات في إطار ما يسمى "إصلاح الرعاية
الاجتماعية" ، ويصف بعض المشتغلين بتحليل سياسات الرعاية الاجتماعية آثار تلك
السياسيات بأنها ستكون واسعة النطاق وشديدة القسوة وأن آثارها ستصيب بضعة ملايين من الأمريكيين (Dear,
1995)
، وتعكس تلك السياسات تغيرات جذرية طرأت منذ الثمانينات على اتجاهات الريح
السياسية ، حيث أصبح المؤدلجون الجدد يصورون
قوى السوق مرة أخرى (على غرار ماكان شائعا في القرن التاسع عشر) على أنها
اليد السحرية الخفية التي تضمن الرفاهية للمجتمعات ، وأن الحكومات إذا مدت يدها
المميتة إلى أي نشاط اقتصادي أو خدمة اجتماعية أهلكتها … وكأن البشرية لم تتعلم
شيئا من معاناتها خلال خبرتها التاريخية في تنظيم شؤون حياتها الاقتصادية
والاجتماعية ، وعاد أصحاب المصالح الضيقة والجشع الشديد ليكونوا هم الأعلى صوتا ،
بعد أن أثبتت النظم الشمولية المتجاوزة للحدود أيضا فشلها في قيادة البشرية نحو
عالم أكثر عدلا.
وأصبحت "الخصخصة" اليوم هي كلمة السر لتحقيق النجاح والفلاح سواء
في المجال الاقتصادي أو في محيط الخدمات الاجتماعية ، وهو مفهوم يقصد به في المجال
الاجتماعي " اتجاه بعض المجتمعات
للاعتماد على القطاع الخاص وتشجيعه على القيام بتلبية الحاجات الإنسانية
للمواطنين" (Barker, 1995) ، كما يقصد به التحول من الإدارة الحكومية
للبرامج والمشروعات الاجتماعية إلى القطاع الخاص الهادف إلى تحقيق الربح أو الذي
لا يهدف إلى تحقيق الربح For-Profit , Non-Profit … ويشير عبد الحليم رضا إلى
أن قيام الدولة بتحويل بعض الأنشطة الحكومية الخدمية إلى القطاع الخاص يعني أن
الدولة قد "تحررت ولو جزئيا من قدر من التزاماتها الاجتماعية إزاء مواطنيها ،
تاركة مساحة الانسحاب هذه من سياستها الاجتماعية إلى منظمات الرعاية الاجتماعية
الخاصة" (عبد العال ، 1999 :280) ، ولعل من النماذج الواضحة في هذا الاتجاه
خصخصة خدمات رعاية الطفولة (دور الرعاية النهارية ورياض الأطفال) وخدمات رعاية
المسنين التي تحول معظمها في الولايات المتحدة الأمريكية إلى القطاع الخاص الهادف
لتحقيق الربح ، والتي يلاحظ أن المستفيدين منها غالبا هم من الطبقة الوسطى الذين
يحصلون على مقابل تلك الخدمات من مخصصات برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية
الممولة من حصيلة الضرائب (Gummer,
1995)
، أما في مجال السجون فقد قامت عدد من الولايات في إطار سياسة الخصخصة بالتعاقد مع
شركات خاصة لبناء وإدارة السجون ، ولكن القضية لازالت تثير التساؤلات حول نوعية
الخدمات ومدى مراعاة حقوق المسجونين (McNeece,
1995)
، كما تطبق سياسة الخصخصة أيضا في الوقت
الحالي في مجال تدريب وتشغيل الأشخاص المستفيدين من الضمان الاجتماعي ليصبحوا
مستقلين اقتصاديا ، وكذا في مجال خدمات الأسرة والتبني والرعاية البديلة في عدد
آخر من الولايات.
ويرى الكثيرون أنه بالرغم من أن سياسة الخصخصة قد تؤدي إلى خفض النفقات ،
وإلى زيادة الكفاءة ، وإلى تحسين الخدمات ، إلا أن المسألة تتخذ أبعادا أخرى تستحق
الوقوف عندها طويلا ، فعندما يطلب إلى الأجهزة غير الحكومية أن تتولى القيام
بوظائف حيوية وثيقة الصلة بحياة العملاء وتقدير حجم ونوع الخدمة التي يستحقها
العملاء تصبح المسألة مثار شكوك كثيرة ، وهذا يثير أيضا قضايا هامة حول نوع
الخدمات التي يمكن أن توكل للقطاع الخاص ، وكذلك حول محاسبية المؤسسات الخاصة ،
وحول متابعة مستوى الخدمات ، وحول حدود وآثار المنافسة التي ينظر إليها على أنها
السر الأكبر لنجاح القطاع الخاص (Yates,
1997) .
ورغم ذلك فإن ذوي الاستجابات المتسرعة المذعورة يحاولون إقناعنا أن سياسة
الخصخصة كالعولمة ذاتها إنما هي قدر مقدور ، وأنه ليس أمامنا من خيار سوى السير مع
التيار وإلا جرفنا معه … إلى غير ذلك من أمثال تلك التعبيرات التي هي نتاج
لاستجابات قد فقدت توازنها أمام الجديد … فمن المعروف أن الجديد يحمل معه دائما
الخوف من المجهول ، وأن أحد الاستجابات المألوفة في المرحلة الأولى من معاناة ذلك
الخوف أن يفقد البعض توازنهم وأن يلقوا بأنفسهم تحت رحمة القوى الجديدة ذات السطوة
خوفا وطمعا ، ثم إنهم يدعون غيرهم ليحذو حذوهم ، وقد يتطور الأمر ببعضهم إلى نوع
من العمالة المدفوعة الأجر لحساب الآخر ، ظنا منهم أن في ذلك النجاة . ولكن
الاستجابة المهنية المتزنة والصحية تتسم بالنظر في المواقف دون انفعال ، وتحديد
نقاط القوة ونقاط الضعف في كل خيار من خيارات السياسات الاجتماعية المطروحة ، في
ضوء الدراسة المنظمة لمختلف النتائج المترتبة على القرارات في المدى القريب وفي
المدى البعيد ، ثم اتخاذ القرارات في ضوء ذلك.
الرعاية
الاجتماعية والخدمة الاجتماعية الدولية
يشير الكثيرون من المهتمين بقضايا التنمية
الاجتماعية إلى القرن الحادي والعشرين على أنه "قرن العولمة" ، ويرون أن
من المتوقع أن تواجه نظم الرعاية الاجتماعية في هذا القرن …"سلسلة من
التحديات التي لا وجه للشبه بينها وبين ما واجهته في الماضي ، وأن القليل نسبيا
فقط من أنظمة الرعاية الاجتماعية الحالية ستثبت أنها قادرة على مواجهة
الموقف" (Estes, 1992 : 2) ، ويشير إستيس أيضا إلى أن المشتغلين بالرعاية
الاجتماعية سيكون عليهم أن يتولوا قيادة الجهود الهادفة لإيجاد أساليب جديدة لخلق
نظم للمشاركة في تحمل تبعات تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين ، لا تضم فقط
المشاركين التقليديين في تقديم تلك الخدمات وإنما تضم أيضا شركاء جدد ، حيث سيتم
التوسع في إشراك المنظمات غير الحكومية ، ورجال الأعمال وشركات القطاع الخاص
التجاري ، والمنظمات الدينية ، وجمعيات المعونة المتبادلة ، وجماعات الجهود
الذاتية ، والنقابات العمالية وجمعيات حماية المستهلك ، والجامعات ، وأجهزة
الإعلام ، وينتهي إلى القول أن "مهنة الخدمة الاجتماعية مؤهلة بحكم تاريخها
الطويل وبحكم قاعدتها المعرفية والقيمية والمهارية لتحمل مسؤولية قيادة الجهود
المبذولة لمواجهة هذه القضايا الدولية الحاسمة".
ويؤكد جيمس ميدجلي ما سبق أن أوضحناه من أن أوضح تأثيرات العولمة إنما
تتمثل في الأحوال الاقتصادية ، حيث أضعفت حركات رءوس الأموال الدولية من قدرة
الحكومات على إدارة شؤونها الاقتصادية بفاعلية ، ويلاحظ أن هذه الصعوبات تكون أكبر
بالنسبة للدول النامية التي تواجه ضغوط الاقتصاد المعولم التي تتطلب توافر
المهارات الفنية العالية والخبرة المتقدمة التي يصعب توافرها في تلك الدول ، وهذا
يؤدي إلى ما يسميه "بالمشكلات الاجتماعية للعولمة" ، وعلى رأسها ما هو
مشاهد من تزامن التوسع في الاقتصاد المعولم مع تزايد الفقر والحرمان في مناطق
متعددة من العالم ، إضافة إلى ما أدى إليه فرض برامج الإصلاح الهيكلي من جانب
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تفاقم تلك المشكلة أكثر وأكثر (Midgley,1997 : 60-61) .
لعل تلك الظواهر تشير إلى أن مشكلات الناس في القرن القادم ستكون متشابهة
في كثير من جوانبها نتيجة لوحدة القوى المؤثرة فيها ، وذلك بالرغم من الاختلافات
البينة في موقع سكان الدول الغنية والدول الفقيرة ، ومن هنا فإنه يبدو أن الخدمة
الاجتماعية قد بلغت مرحلة من مراحل تاريخها لا يسعها فيها إلا أن تتسلح بمنظور
دولي مع احتفاظها برؤيتها المنبثقة من واقعها وثقافتها و طموحاتها ، ولقد قامت
ماياداس و إليوت في هذا السياق (Mayadas
& Elliott, 1997 : 175-179) بتقسيم تاريخ الخدمة الاجتماعية الدولية في الماضي إلى مراحل
ثلاثة هي مرحلة الرواد الأوائل ، ثم مرحلة الإمبريالية المهنية ، ثم مرحلة التوطين
وإعادة النظر في الأطر التصورية ، ثم قامت المؤلفتان بعد ذلك باستشراف مرحلة جديدة
تلائم القرن الحادي والعشرين هي مرحلة التنمية الاجتماعية الدولية ، وهذه كلمة
موجزة عن كل منها:
(1)
مرحلة الرواد الأوائل Phase One : Early
Pioneers
وتمتد من 1880-1940
، وكان الاتجاه الذي سار فيه التبادل الدولي لنماذج الخدمة الاجتماعية فيها من
انجلترا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وكانت الاتجاهات السائدة فيما يتصل
بالقيم المهنية : النزعة الأبوية ، ونزعة التمركز حول الجنس الأوروبي ، والنزعة
الحمائية ، أما نماذج تقديم الخدمات التي يتم نقلها إلى الخارج فكانت تقوم على
البر والإحسان ، والضبط الاجتماعي للفئات الفقيرة.
(2)
مرحلة الإمبريالية المهنية Phase Two : Professional Imperialism
وتمتد من الأربعينات إلى السبعينات من
القرن العشرين ، وكان اتجاه انتقال النماذج المهنية (خدمة الفرد وخدمة الجماعة
وتنظيم المجتمع) في هذه المرحلة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوربا وإنجلترا
وبقية أنحاء العالم ، واستمرت نفس القيم التي وجدناها في المرحلة السابقة ، مع
نظرة مترفعة إلى الثقافات المحلية على أنها "عوائق" في طريق التقدم
ينبغي إزاحتها من الطريق ، وتم تصدير النموذج العلاجي للرعاية الاجتماعية دون أي
محاولة لتطويعه للظروف الثقافية أو الاقتصادية الموجودة في الدول المستوردة.
(3) مرحلة التوطين وإعادة النظر في الأطر التصورية
Reconceptualization & Indigenization Phase Three :
وتمتد هذه المرحلة
من السبعينات إلى التسعينات من القرن
العشرين ، حيث كان التأكيد على قيم التمايز ، والمحلية ، والإقليمية … ذلك أن ظهور
عدم التوافق بين النماذج المستوردة وبين حاجات الدول النامية قد أدى إلى التشكك في
مدي صلاحية النماذج الغربية للممارسة في تلك الدول ، مما أدى إلى ظهور حركات
إصلاحية في السبعينات في مختلف مناطق العالم ، حركات تستهدف إعادة النظر في الأطر
التصورية التي تنطلق منها ممارسة وتعليم الخدمة الاجتماعية ، وقد عرفت هذه الحركات
في أمريكا الجنوبية باسم حركة "إعادة النظر في الأطر التصورية للخدمة
الاجتماعية" Reconceptualization ، بينما عرفت في الشرق
الأوسط والهند وإفريقيا بحركة توطين الخدمة الاجتماعية .
(4)
مرحلة التنمية الاجتماعية الدولية في القرن الحادي والعشرين
Phase Four : International Social Development in the 21st
Century:
لقد تبينت الدول النامية نقائص النماذج الطبية
والعلاجية السائدة في الخدمة الاجتماعية الغربية ، ومن ثم فقد تحركت في الاتجاهات
الأكثر تقدمية للتنمية الاجتماعية ، وهذا التوجه – فيما ترى المؤلفتان - يصلح
لإرساء أساس لنوع جديد من التعاون الدولي المبني على تبادل الأفكار والقيم
والفائدة المشتركة بدلا من أن يكون طريقا ذا اتجاه واحد لاستيراد الأفكار من الغرب
، ذلك أن توجُّه التنمية الاجتماعية الدولية يمكن أن يكون فعالا في تقديم رؤية جديدة
لمواجهة المشكلات الاجتماعية في الغرب ، وهما تريان أن التنمية الاجتماعية كنظرية
وكأيديولوجية معترف بها دوليا تقدم أساسا مشتركا يمكن أن تتوحد حوله الخدمة
الاجتماعية حول العالم ، مما يزيد من قدرتنا المشتركة على مواجهة القضايا و
المشكلات الاجتماعية على المستوى الدولي ،
وتتميز هذه المرحلة الجديدة القادمة بالتبادل المتعدد-الاتجاهات للأفكار ، مما
يؤدي إلى إثراء الممارسة عن طريق بناء شبكات التعاون الدولي ، أما القيم التي ستسود فهي الديموقراطية ،
والتعددية ، مع اتساع مفهوم الخدمة ليتضمن الأنساق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية . وتشير روزماري ساري في نفس هذا السياق إلى أن الخدمة الاجتماعية
الدولية في القرن الحادي والعشرين لايمكن إلا أن تكون تعاونية متآزرة collaborative ، حيث لم يعد
هناك مكان لعمليات نقل النماذج والمناهج والممارسات في اتجاه واحد unidirectional من الدول المتقدمة
اقتصاديا إلى الدول النامية (Sarri, 1997: 387-188) .
وإذن فإنه لم يعد من المقبول في عصر العالم الواحد أن يظل تعليم الخدمة
الاجتماعية في أي دولة محليا متقوقعا على ذاته ، أو أن يستمر كجزيرة منعزلة منبتة
الصلة بغيرها من منظومات تعليم وممارسة الخدمة الاجتماعية على المستوى الدولي …
يجتر ويعيد اجترار ما انتهى إليه من مفاهيم ومناهج وكتابات في ظلال الظروف
التاريخية التي شكلته ، وفي إسار الارتباطات المصلحية الضيقة التي كبلته ،
فالمشتغلون بتعليم الخدمة الاجتماعية من الآن فصاعدا لن يعدوا طلابهم للعمل في
الظروف شبه المستقرة التي كانت سائدة في الماضي ، والتي كان يمكن أن تحتمل مثل هذا
التضييع الواعي أو غير الواعي لطاقات المشاركين في منظومات تعليم الخدمة
الاجتماعية (بشكل لا يختلف كثيرا عن ما يحدث في بقية المنظومات الأخرى على مستوى المجتمع الكبير) بدون أن تظهر له
نتائج خطيرة ، بل هم اليوم يعدون طلابهم للعمل في جو عاصف يموج بالتغيرات ، وفي
إطار تفاعل إجباري مع أبعاد وقوى مراكزها تقع "خارج" النسق المحلي ، وإن
من الضروري لمنظومة تعليم الخدمة الاجتماعية في مصر أن تتعرف على هذه الظروف
الجديدة وأن تتفهمها وتستوعبها منطلقة من وضوح الرؤية حول هويتها وثقافتها
وحضارتها ، بما يمكنها من الاستجابة للتحديات التي يفرضها هذا الواقع الجديد ومن
استثمار الفرص التي يطرحها .
ويقرر ريتشارد إيستيس أنه لم يعد هناك
مفر من أن تتخذ برامج تعليم الخدمة الاجتماعية اليوم بعدا دوليا في القرن الجديد ،
حتى أنه قد أطلق على مؤلفه القيم في هذا السياق “Internationalizing
Social Work Education” والذي أشار فيه إلى ثلاثة نماذج تتفاوت فيما
بينها من حيث المدخل الذي تتخذه للانطلاق من هذا البعد الدولي وهي:
(1)
نموذج
الرعاية الاجتماعية The Social Welfare Model
(2)
نموذج التنمية الاجتماعية The Social Development Model
(3)
نموذج النظام
العالمي الجديد المنشود The New World Order
Model
وفيما يلي نذكر المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها كل من تلك النماذج لبيان
معالمها الأساسية (Estes : 23-34) :
(1) نموذج الرعاية الاجتماعية :
ترجع أصول هذا النموذج إلى دراسات السياسات
الاجتماعية المقارنة ، والبحث الاجتماعي المقارن ، والمداخل عبر-الثقافية للممارسة
، وهو يعطي محاولة فهم السلوك البشري والتنظيمات الاجتماعية عبر الزمان والمكان
وفي مختلف الثقافات مكانا خاصا في تعليم الخدمة الاجتماعية ، ويستند إلى فلسفة
تقديم الخدمات والقيم المهنية الراسخة لمهنة الخدمة الاجتماعية ، انطلاقا من القاعدة المؤسسية لبرامج وأنشطة الخدمة الاجتماعية المهنية ، والبرامج التعليمية المنطلقة من هذا
النموذج تركز على محاولة فهم أوجه التشابه والاختلاف بين منظومات الرعاية
الاجتماعية وتطورها بين الدول المختلفة ، وعلى إكساب الطلاب منظورا نقديا يمكنهم
من تقدير ما يملكه الآخرون من بصائر وتقدير ما يملكونه محليا في ضوء ذلك ، كما
تركز على إكسابهم بصيرة متعمقة حول الطريقة التي تتشكل بها حاجات الناس بتأثير
البيئة الاجتماعية والمحيط الثقافي.
(2)
نموذج التنمية الاجتماعية :
ترجع أصول هذا النموذج إلى ممارسة تنظيم
المجتمع وتنمية المجتمع المحلي ، وهي أصول تؤكد على تعدد التخصصات وتعدد قطاعات
العمل ، ومحور الاهتمام في هذا النموذج هو تقديم إطار يمكن من خلاله فهم الأسباب
التي تؤدي إلى البؤس والهوان البشري وإلى شيوع الظلم الاجتماعي ، والتوصل للطرق
والمنهجيات التي تمكننا من مواجهتها بشكل جماعي فعال على مستوى العالم ، ويستمد
هذا النموذج قاعدته النظرية من عدد كبير من التخصصات كالعلوم السياسية (مجالات
القوة – التأثير السياسي- الأحزاب السياسية) وعلم الاقتصاد (نظريات الإنتاج
والتوزيع والاستهلاك) وعلم الاجتماع (سوسيولوجيّة الحركات الاجتماعية والشعبية)
والفلسفة والدين (نظريات العدالة الاجتماعية – النظريات الأخلاقية) والتربية
(نظريات تعليم الكبار).
(3)
نموذج النظام العالمي الجديد (المنشود) :
يقوم هذا النموذج على الاقتناع بأن ما
تواجهه الإنسانية اليوم من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية
إنما يكمن مصدرها الأساسي في المظالم الجوهرية التي يكرسها النظام العالمي القائم
حاليا (أي منظومة الترتيبات المؤسسية و الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول ، بل والعلاقات بين
الجماعات في داخل الدول ذاتها) ، فهو نظام عالمي خاضع للتحكم من جانب عدد قليل من
الدول الغنية القوية التي تسيّر النظام العالمي وتتلاعب به كيف تشاء لخدمة أغراضها
، على حساب بقية دول العالم المهمّشة التي لا تكاد تملك من أمرها شيئا والتي تحاول
تلك الدول إبقاءها على ضعفها لتستمر هيمنتها عليها ، ونتيجة لذلك نرى أن تلك الدول
الفقيرة تزداد فقرا على فقرها ، فتغرق في مستنقع الديون ، وتنتهي إلى الانهيار تحت
وطأة هذه المعاناة الإنسانية الرهيبة .
ومن هنا فإن هذا النموذج يسعى إلى إصلاح
وإعادة بناء النظام العالمي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والبيئي) بطريقة جذرية
، تقوم على العدالة الاجتماعية وتخفيف المعاناة البشرية ، مع التركيز على تحقيق
أقصى مشاركة ممكنة للناس في توجيه شؤون تنمية مجتمعاتهم ، والتركيز على تلبية
الحاجات الإنسانية الأساسية للناس في كل مكان ، والسعي لتحقيق العيش في سلام بين
الناس ، مع المحافظة على بيئة هذا الكوكب لصالح الأجيال الحالية والمستقبلة ، من
خلال التأكيد على مبدأ المشاركة في الانتفاع بالموارد البيئية بدلا من سياسات
التبديد والإهدار السرِف.
ويرجح إستيس كفة هذا النموذج الثالث
(نموذج النظام العالمي الجديد المنشود) الذي يراه جديرا بأن يتبناه المشتغلون بتعليم الخدمة الاجتماعية في تدريسهم
لمقررات الخدمة الاجتماعية الدولية ، في ضوء ما نراه بوضوح من اتساع نطاق المشكلات
الاجتماعية والقضايا الاجتماعية التي تهم الخدمة الاجتماعية الدولية ، مشيرا إلى
أن الخدمة الاجتماعية تستطيع أن تقوم بدور قيادي في إثارة الشعور بتلك المشكلات
الواسعة النطاق ، وفي توجيه جهود الإصلاح ومتابعتها وإعادة تركيزها على الهدف.
لقد انتهينا في هذه الدراسة إلى أن ما يشار إليه باصطلاح العولمة يتضمن
جانبين أو وجهين ، أحدهما جدير بالترحيب به والاستفادة من ثماره المتمثلة في تيسير
الانتقال بحرية ، وتيسير التواصل الفوري بل اللحظي بين الناس على تباعد المسافات ،
مع ثراء وتنوع المعارف والمعلومات المتاحة ، وتيسير تبادلها والتعاون في إنتاجها
دون حدود تقريبا ، وأما الوجه الآخر فهو جدير بالانتباه إليه والوعي به في كل صورة
من صوره ، وهو جدير بالحذر منه كل الحذر ، لما رأيناه من رغبة جارفة لدى قوى
العولمة النشطة ، العاملة بكل دأب وإصرار على استغلال اللحظة لتكريس تسلطها
وهيمنتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية على الشعوب المستضعفة ، وصوغ
حياة تلك الشعوب على صورتها ضمانا لاستمرار هيمنتها وتسلطها-- ولكن بصورة مجانية
وبدون أي مجازفة بأبنائها في ميادين القتال ، لأن الدعاة والجنود بهذه الطريقة
المبتكرة سيكونون من أبناء تلك الشعوب المقهورة أنفسهم.
وقد أشرنا إلى أنه ليس من المناسب اتخاذ مواقف متقوقعة تحرمنا من الاستفادة
من الثمار العظيمة للحظة التاريخية الرائعة التي نعيش بداياتها الأولى ، كما أنه
ليس من المناسب الاندفاع الأرعن غير المحسوب جريا وراء الوعود المستحيلة التحقيق ،
أو رعبا من وعيد أضرار وقوعه أخف من سوء عواقب تنفيذ ما يأمر به ، وأوضحنا أن
الجدير بنا حقا بذل الوسع دون تردد أو تقاعس لفهم طبيعة التحولات الجذرية التي
بدأت معالمها في الظهور أمامنا فهما دقيقا … فهما صحيحا… فهما متوازنا ، مع
التقويم الواعي للنتائج المحتملة للخيارات الممكنة -لا الخيارات المطروحة- مع
غربلة البدائل في ضوء القيم الأصيلة لمجتمعنا ، والتفضيلات التي حفظت علينا وجودنا
رغم العواصف والأنواء الأشد عنفا وضراوة على مدى تاريخنا الطويل.
والأخصائيون الاجتماعيون بطبيعة عملهم هم شهود معايشون لنتائج التحولات
الاجتماعية التي خاضتها بلادنا في العقود الستة الماضية ، وهم شهود على نتائج
القرارات الاقتصادية والسياسية التي تقلبت فيها بلادنا خلال تلك الفترة ، وهم
كمهنيين يملكون من القاعدة العلمية ومن المهارات الفنية ومن الخبرات المتراكمة ما
يؤهلهم للقيام بدور رائد في بلورة السياسات الاجتماعية الملائمة لمواجهة الموقف ،
والعمل على حشد القوى لمساندة تلك السياسات ، وإثارة الاهتمام بالقضايا والمشكلات
المطروحة ، وبيان النتائج المترتبة عليها ، و المساعدة في اختيار البدائل الأكثر
ملاءمة لتلبية حاجات الفئات الاجتماعية الصامتة ، وتصميم البرامج المحققة لذلك كله
، مع تبني حقوق الفئات الضعيفة وبذل الوسع في التوسط أو المدافعة عنها كلما كان
ذلك لازما.
ومن الواضح أن من الأولويات التي سيكون على الخدمة الاجتماعية أن توليها
اهتماما خاصا في ضوء التحديات المعاصرة القيام بدور أساسي في تنمية الموارد
البشرية ، وإعداد الفئات المتضررة من التحولات التكنولوجية أو المزاحة في إطار
سياسة الخصخصة للعمل في ظروف متغيرة ، والقيام بدراسات العائد الاجتماعي ، وتبني
ومتابعة الجوانب الاجتماعية في التخطيط الاقتصادي ، مع إعطاء اهتمام خاص لقضايا
العدالة الاجتماعية ، وقضايا التوزيع و
إعادة التوزيع ، ولا شك أن هذا كله سيتطلب إعطاء مزيد من الاهتمام بالعمل مع
الوحدات الكبرى ، كما يتطلب الابتكار والقيام بمشروعات تجريبية يتم في إطارها
اختبار أفكار التدخل غير التقليدية التي تتطلبها المرحلة الراهنة.
ولعل من المناسب في ختام هذا البحث
أن نشير هنا بكلمات متفائلة قدمها جيمس ميدجلي في معرض حديثه عن الفرص التي تتيحها
العولمة أمامنا لاستثمارها كمهنة تعمل في نطاق دولي أو كوني (Midgley : 62, 65) :
(1)
تتيح العولمة
أكثر من أي وقت مضى الفرصة لتبادل الخبرات والتعلم من الآخرين.
(2)
تتيح العولمة الفرصة لإثراء القاعدة المعرفية
للمهنة من خلال المشاركة في الأنشطة الدولية.
(3)
لما كانت لبعض المشكلات الاجتماعية أبعادها
الدولية (كمرض نقص المناعة المكتسب وإدمان المخدرات) فإن فهم تلك الأبعاد الدولية
نتيجة للاحتكاك مع المهنيين في مختلف الدول يساعد على رفع كفاءة المهنة في
مواجهتها.
(4)
تتيح البحوث
المقارنة حول برامج و سياسات الرعاية الاجتماعية اختبار الفروض على نطاق واسع مما
يساعد على بلورة أطر نظرية أكثر دقة.
(5)
مع تزايد فرص
التبادل بين الأخصائيين الاجتماعيين والتعاون حول تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية
فإن أمام المهنة فرصة ذهبية لتجاوز المداخل والصياغات العلاجية التقليدية ،
والتحول إلى النماذج التنموية الجديدة للممارسة ، التي تعطي اهتماما خاصا للتنمية
الاقتصادية.
إبراهيم ، حيدر (1999) "العولمة و
جدل الهوية الثقافية" عالم الفكر ، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999 .
الإمام ، محمد محمود (1999) الظاهرة الاستعمارية الجديدة ومغزاها بالنسبة
للوطن العربي" ، في : عبد الباسط عبد المعطي (محرر) العولمة والتحولات
المجتمعية في الوطن العربي (القاهرة : مكتبة مدبولي).
الجنحاني ، الحبيب (1999) "ظاهرة
العولمة : الواقع والآفاق" عالم الفكر، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999.
حجازي، أحمد مجدي (1999) "العولمة
وتهميش الثقافة الوطنية" عالم الفكر ، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999 .
الشاذلي، خلاف خلف (2000) "المجتمع
العربي الإسلامي بين عولمة الثقافة وثقافة العولمة" ورقة قدمت إلى مؤتمر
"العلوم الاجتماعية واستشراف المستقبل" الذي نظمته رابطة الجامعات
الإسلامية بالتعاون مع كلية الآداب بجامعة المنيا في الفترة من
6-8 مارس 2000.
عبد العال ، عبد الحليم رضا (1999) السياسة
الاجتماعية : إيديولوجيات وتطبيقات عالمية ومحلية (القاهرة: الثقافة
المصرية للطباعة والنشر).
عبد الله ، عبد الخالق (1999)
"العولمة : جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها" عالم الفكر ،
المجلد 28 ، العدد 2 ، ديسمبر 1999 .
المصري ، سناء (1998) تمويل
وتطبيع : قصة الجمعيات غير الحكومية (القاهرة : سينا للنشر)
عطية ، جمال الدين (1999) "
العولمة " ، المسلم المعاصر
، السنة 23 ، العدد 90 .
Ahmed, Akbar and Hastings Donnan (1994) Islam,
Globalization, and Postmodernity (London: Routledge).
Barker, Robert L. (1995) Social Work
Dictionary, 3rd Ed. (Washington, DC : National Association of Social
Workers).
Dear, Ronald (1995) “Social Welfare Policy”, Article
in, Encyclopedia of Social Work, Richard
Edwards, ed., 19th ed., (New York: NASW Press).
Estes, Richard (1992) ed., Internationalizing
Social Work Education (Philadelphia, Pennsylvania: University of
Pennsylvania Press).
Gummer, Burton (1995) “Social Planning” , Article in, Encyclopedia of Social Work, Richard
Edwards, ed., 19th ed., (New York: NASW Press).
Mayadas, Nazneen & Doreen Elliott (1997)
"Lessons from International Social Work", in Michael Reisch et al.,
eds., Social Work in the 21st Century (Thousand Oaks,
California: Pine Forge Press) .
McNeece, C.
Aaron (1995) “Adult Corrections” Article
in, Encyclopedia of Social Work, Richard
Edwards, ed., 19th ed., (New York: NASW Press).
Midgley, James (1997) “Social Work in International
Context: Challenges and Opportunities for the 21st Century”, in
Michael Reisch & Eileen Gambril, eds., Social Work in the 21st
Century (Thousand Oaks, California: Pine Forge).
Sarri, Rosemary (1997) “International Social Work at
the Millennium”, Michael Reisch & Eileen Gambril, eds., Social
Work in the 21st Century (Thousand Oaks, California: Pine
Forge ).
Wilensky,
Harold and Charles Lebeaux (1965) Industrial Society and Social Welfare (New
York: Free Press).
Yates, Jessica
(1997) “Privatization and Welfare Reform”, The Welfare Information
Network Issue Notes, Vol. 1, No.
2, February ,1997.
bravenet.com