|
|
|
|
الشـباب
والتحـولات الثقافـية المعاصـرة
أستاذ
الخدمة الاجتماعية بجامـعة الملك سعود
بالرياض
_____________________
بحث قدم للمؤتمر العالمي التاسع للندوة العالمية للشباب
الإسلامي وموضوعها "الشباب والانفتاح
العالمي" المنعقد في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية في الفترة من 16-19 /8/1423
هـ 22-25/10/2002 .
"الشباب
والتحولات الثقافية المعاصرة"
أولا:
مقـــدمة
يميل البعض للنظر إلى الشباب وقضاياهم من خلال منشور بللوري يشتت صورتهم على
وجه تظهر معه ألوانهم الأصلية التي يظهرون
معها وكأنهم كائنات ذات طبيعة غير عادية لا تخلو من شيء من الطرافة أو الغرابة أو
حتى الانحراف في السلوك ... كما يميل البعض الآخر إلى تناول قضاياهم بطريقة جزئية مفتتة
وكأنهم فئة متفردة معزولة منبتة الصلة عن السياق السياسي /الاقتصادي /الاجتماعي
الذي يحيط بهم ويشكل حياتهم ... وأخيرا فإن البعض - وإن أخذ ذلك البعد المجتمعي أو
القومي في الاعتبار – فإنه يتغافل عن النظر في السياق الدولي والكوني الذي قد أضحى
يؤثر تأثيرا بالغا في الشباب وفي مجتمعاتهم حتى ليكاد يطغى على بقية الأبعاد
التفسيرية ... الفردية منها والفئوية والمجتمعية.
والفريق الأول ينحو نحوا قريبا من
التناول الصحافي الذي يلتفت أساسا إلى ما هو غريب أو غير مألوف أو حتى ما هو شاذ
بغية جذب الاهتمام و لفت الأنظار ، فيكون بذلك مثل الأنواع الرديئة من المصابيح
الكهربائية التي تشعع من الحرارة أكثر مما تشع من الضوء ... وأما الفريق الثاني فإنه من الناحية
المنهجية يقع في خطأ جسيم هو خطأ تفسير الظواهر أو العوارض التي تبدو على الشباب
تفسيرا اختزاليا ، يرد تلك الظواهر إلى خصائص فردية أو شخصية متجاهلا ما هو مسلم
به في التحليل النظري مما يتعلق بالتفاعل
بين تلك الخصائص الشخصية وبين الأبعاد
المجتمعية الأوسع نطاقا ... أما الفريق الثالث
فإنه يخاطر بالوصول إلى تفسيرات تقف عند حدود النسق المحلى وكأنه نسق مغلق في حين
أن كافة الشواهد تشير إلى أن حدود الدولة القومية قد تم اختراقها بشكل درامي في
عصر العولمة ، حتى أن البعض قد أصبحوا اليوم يرون أن الدولة القومية لن تلبث إلا
قليلا حتى ترفع راية الاستسلام البيضاء أمام هجوم جحافل العولمة العاتية... وهنا
فإن إغفال البعد الدولي والكوني يؤدي إلى رؤية قاصرة وتفسيرات غير واقعية.
و لعل من الواضح أن التقييم السابق للكتابات المتصلة بالشباب وقضاياهم يتمشى
مع ما تُوجِّهُنا إليه النظرية العامة
للأنساق General
Systems Theory
، التي تقوم على أنه
لايمكن فهم النسق موضوع الدراسة إلا في ضوء تحليل العلاقات بين مكونات ذلك النسق
(أي الأنساق الفرعية Subsystems التي يتكون منها) من جهة ، وفي ضوء تحليل علاقات النسق مع البيئة
(والأنساق الأعلى suprasystems) التي يؤدي وظائفه في نطاقها من جهة أخرى ، مع التأكيد على فكرة
الاعتماد المتبادل Interdependence والتأثير والتأثر بين مختلف مستويات الأنساق بكل مستوياتها صعودا
وهبوطا.
ولقد ترجم تالكوت بارسونز هذه
التوجهات العامة لنظرية الأنساق على "الحياة البشرية بكليتها" Action Frame of
Reference حسب ما عبر به مارفين أولسن عن اصطلاح
بارسونز (Olsen, 1968: 253-6) ، حيث أوضح أن الحياة البشرية تقوم على
التأثير والتأثر المتبادل بين المستويات التالية من الأنساق :
1- الأنساق
الثقافية Cultural Systems ووظيفتها الأساسية الحفاظ على القيم
الأساسية للوجود
البشري.
2- الأنساق
الاجتماعية Social Systems ووظيفتها الأساسية تحقيق التكامل
والنظام في الحياة الاجتماعية.
3- الأنساق
الشخصية Personality Systems ووظيفتها الأساسية تحقيق
الأهداف في
البيئة الاجتماعية.
4- الأنساق
العضوية Organistic Systems ووظيفتها الأساسية تكيف
الحياة الإنسانية مع البيئة الطبيعية.
ولقد بين بارسونز أن هذه الأنساق مرتبة ترتيبا تنازليا بحيث يتحكم كل مستوى
من المستويات الأعلى منها في المستوى الذي هو دونه ، ولكنه أضاف إلى ذلك أنه فيما
فوق المستوى الأعلى (أي الأنساق الثقافية) توجد "الحقيقة
المطلقة" Ultimate
Reality
التي هي المصدر النهائي لكل تحكم سيبرنطيقي في
كافة الأنشطة الإنسانية ، كما أنه تحت المستوى الأدنى (أي الأنساق العضوية) تكمن البيئة
الطبيعية Natural Environment التي هي
مصدر الطاقة التي تدفع الأنشطة الإنسانية … وأن هناك تيارا هابطا باستمرار من
المعلومات والقرارات مصدره "الحقيقة المطلقة" يقوم بتوجيه بقية مستويات
الأنساق الأدنى … وفي نفس الوقت فإن هناك تيارا صاعدا باستمرار من الطاقة والموارد
مصدره "البيئة الطبيعية" يقوم بتغذية بقية المستويات الأعلى من الأنساق.
وفي ضوء هذا النموذج التحليلي الذي يؤكد بقوة على طبيعة الترابط الوثيق
الذي يقوم بين الأنساق بكل مستوياتها فإننا ندرك أن أي محاولة لعزل قضايا الشباب
والتعامل معها وكأنها تعمل على مستوى "الأنساق الشخصية" وحدها في عزلة
عن محيطها الاجتماعي و إطارها النسقي الثقافي سواء على مستوى المجتمع الوطني ، أو
في علاقاتها بالقوى الدولية الفاعلة اليوم ، لا يمكن أن يساعدنا على فهم الشباب
وقضاياهم بطريقة منظمة وعلى أساس علمي.
ولكن إذا كان التحليل السابق يشير إلى أن قطاع الشباب إنما هو جزء لا يتجزأ
من مجتمعه ، يتأثر مثل غيره من القطاعات بالأوضاع البنائية المجتمعية السائدة ،
كما يتأثر بالعواصف الثقافية الوافدة على المجتمعات الوطنية ، فإنه بذلك يثير
مسألة تتصل بما إذا كان هناك ما يستدعي إفراد تلك الشريحة العمرية عن غيرها بتناول
خاص يميزها ... والحقيقة أن الشباب وإن
كانوا لا يخرجون عن كونهم قطاعا مستعرضا ممثلا لبقية المواطنين في المجتمع يتأثر بما يتأثر به الآخرون إلا أن هناك بعض المبررات التي تستدعي إفراده بالدراسة المستقلة باعتبارها
فئة عمرية لها حساسيتها الخاصة وهي:
1-
طبيعة التغيرات البدنية والنفسية المعروفة التي تميز تلك المرحلة العمرية .
2-
طبيعة التوقعات الاجتماعية للأدوار المستقبلة بالنسبة لتلك الفئة العمرية من حيث
إعدادها للمشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع.
3-
قابلية الشباب للتأثر الشديد بمؤثرات البيئة الاجتماعية والثقافية دون دليل من
خبرة حياتية كافية من جهة ، وفي ضوء قلة الفرص التي تتيحها مجتمعاتنا لتكوين
التفكير النقدي عند الناشئة من جهة أخرى ، مما يضاعف من أهمية وخطورة ما يمكن أن
تحدثه تلك المؤثرات فيهم.
وإذن فالشباب كمجموعة عمرية لها ولاشك حساسيتها الخاصة المرتبطة بالخصائص
المذكورة ، ولكن هذا ينبغي ألا يلفتنا في الوقت ذاته عن قضية مدى فاعلية النظم
الاجتماعية الرئيسة في المجتمعات التي تضم تلك الفئة في القيام بوظائفها ، أو عن
قضية مدى التكامل الثقافي الذي يحكم مختلف جوانب حياة المجتمع الفكرية والعلمية
والاقتصادية والسياسية والقانونية والتعليمية من جهة أخرى … مع ملاحظة أن التعامل
مع هاتين القضيتين العريضتين لا ينبغي أن يتم بنظرة استاتيكية وإنما بنظرة ديناميكية
تأخذ في الاعتبار مشكلة التأثير والتأثر بالأنساق الاجتماعية والثقافية الدولية
الفاعلة في عصر العولمة على وجه غير مسبوق في تاريخ الإنسانية.
وإذن فنحن ندرك اليوم أنه لا
يمكن في "عصر العولمة" أن يقتصر
التحليل أبدا على مستوى المجتمع الوطني أو القومي في الوقت الذي تعصف فيه رياح
العولمة عصفا بحدود المجتمعات القومية ... ولكن هذا من جهة أخرى يثير قضايا تتصل
بطبيعة العولمة وطبيعة تأثيراتها ، فهي ظاهرة
لايزال يشوبها الغموض ، ولا زال الناس يختلفون في فهمها باختلاف زوايا رؤيتهم ، و
بحسب اختلافهم في مدى اطلاعهم على خفايا تلك الظاهرة ودقائقها ، إضافة إلى أن
الظاهرة ذاتها سريعة التطور ، متعددة
الجوانب ، وأن خيوطها كما يقول البعض
تحركها "أيد خفية يتجاوز نفوذها الدول والمنظمات الدولية
الرسمية" (الجنحاني، 1999، 10)
…
ومع كل تلك التحفظات و الاعتبارات
المنهجية المتعلقة بالتعامل مع الشباب وقضاياهم
فلابد لنا أن نشير هنا إلى قضية منهجية أخرى ذات خطورة بالغة تتمثل في مدى
إمكان ومدى جدوى تحليل الظواهر التي تطفو على السطح اليوم (بما في ذلك قضية
العولمة والتأثيرات الثقافية و الاجتماعية المرتبطة بها) بالاقتصار على تحليل
أبعاد الصورة الآنية الراهنة ، بصورة منبتة عن التحليل المنظم للظروف التاريخية
التي تشكل عالم اليوم وعولمة اليوم ... إن البعد التاريخي هو البعد الغائب في
تحليل كثير من قضايا المجتمعات المعاصرة ، وهو انحياز ورثناه عن النزعة
الوضعية/الإمبيريقية التي سادت العلوم الاجتماعية ردحا طويلا من الزمن ، وهي نزعة
تركز على دراسة الواقع الراهن في جوانبه المادية المحسوسة وحدها ، وهي نزعة أورثتنا
عمى تاريخيا كما أورثتنا جفافا فكريا وروحيا ، لم تسلم منه حتى تلك التحليلات الأوسع
أفقا التي تنطلق من تصورات غير اختزالية والتي تأخذ تلك الأبعاد الأوسع (البعد المجتمعي ، والبعد
الكوني) في اعتبارها ، وذلك بالرغم من أن البعد التاريخي هو البعد الذي لا يمكن في
غيبته فهم العولمة أو غيرها من التيارات الكونية الفاعلة اليوم ... ويمثل منظور
"تداول الثقافات" الذي توصل إليه بيتريم سوروكين نتيجة لدراساته
الواقعية وتحليلاته التاريخية الثاقبة الترياق الشافي لتلك الأمراض النظرية التي
عانت منها العلوم الاجتماعية طويلا ، و هو يعد من أفضل الأطر النظرية التي تضع
عالم اليوم في سياقه التاريخي الصحيح مما يقدم لنا خريطة أو بوصلة فكرية تتضح بها
معالم الطريق في خضم الأنواء والعواصف المعاصرة.
وفي ضوء ما تقدم فإن هذه الورقة ستحاول
إلقاء الضوء على الشباب وقضاياهم في مواجهة التحولات الثقافية المعاصرة انطلاقا من
ذلك المنظور البنائي/ الثقافي /التاريخي الذي قدمه سوروكين ، والذي نظن أنه يضمن لنا
قدرة تفسيرية عالية تتجاوز النظرات الاختزالية الجزئية من ناحية كما تتجاوز الرؤى
اللاتاريخية القاصرة من ناحية أخرى ... ونؤكد هنا أن الخط الذي تتبناه هذه الورقة
إنما يقوم على أن الشباب (وما يتسمون به من خصائص تميز مرحلتهم العمرية تلك) إنما
هم في أي مجتمع صنيعة النظم الاجتماعية والأطر الثقافية التي أفرزتهم ، وأن هذه
النظم الاجتماعية والأطر الثقافية بدورها إنما هي محصلة لاختيارات حضارية/ثقافية
ذات أبعاد تاريخية لايمكن إغفالها بأي وجه من الوجوه إذا أردنا وضع قضايا الشباب
في إطارها الصحيح ، وإذا أردنا أن نتجنب النظرة الميكروسكوبية الضيقة (بل وأجرؤ
على وصفها بقصر النظر) التي تتعرض لمثل تلك القضايا بطريقة (هات من الآخر... كما يقولون!) والتي
تضيق صدرا بالمواجهة التكاملية المتعمقة للقضايا والمشكلات.
ثانيا
: المفاهيم الأساسية لنظرية التحولات
الثقافية/الاجتماعية
يعتبر بيتريم سوروكين بحق "أعظم
علماء الاجتماع في العالم" - وهذا بالمناسبة هو عنوان الكتاب الذي ألفه
زيمرمان(Zimmerman, 1968) عن حياة
وأعمال هذا المفكر الكبير … ولعل من أعظم أعمال سوروكين تلك الدراسة الحضارية
الكبرى التي استغرق إجراؤها عشر سنوات ، والتي نشرت نتائجها بعنوان "ديناميات
التحولات الاجتماعية والثقافية" Social and Cultural Dynamics في أربع مجلدات (واختصرت
بعد ذلك في مجلد واحد (Sorokin, 1957) ، وهي
دراسة استخدمت منهجا تاريخيا/إحصائيا/مقارنا قام فيها سوروكين مع فريق من مساعديه
بتحليل الكتابات الفلسفية والعلمية ، والوثائق التاريخية والقانونية ، والآثار
واللوحات والأعمال الفنية ، التي أنتجتها الحضارة الغربية على مدى 2500
عاما ، و قاموا فيها بتتبع التحولات الثقافية الكبرى التي تناوبت على المجتمعات
الغربية (مع المقارنة بغيرها من حضارات الشرق الأوسط والصين والهند واليابان
وغيرها) على مدى تلك الحقب ، ليس فقط بهدف
رصد وتوصيف أبعاد تلك التحولات الاجتماعية والثقافية ، بل ولمحاولة فهم أسباب و
محركات تلك التحولات الكبرى أيضا.
و تعتبر نظرية بيتريم سوروكين عن
"التحولات الثقافية/الاجتماعية" Sociocultural Fluctuations من أفضل الأطر النظرية
لتحليل قضية "الشباب والتحولات الثقافية المعاصرة" ، لأن تلك النظرية لم
تتوقف عند مجرد التطبيق الواقعي للتحليل
النسقي على أرقى مستوى وحسب ، ولكنها فوق ذلك قد سلطت أضواء البحث التاريخي
المقارن لتكشف لنا موقف الحضارات والثقافات الكبرى فيما يتعلق برؤيتها للوجود
المتراوحة بين التوجهات المادية والروحية ، فبينت بجلاء ما يترتب علي اختيار تلك
الحضارات لكل من تلك التوجهات من آثار
فكرية واجتماعية وسياسية ونفسية على المجتمعات ، وبناء على ذلك فإنها قد نجحت في وضع
الحضارة الغربية المعاصرة الفاعلة والمؤثرة على مجتمعاتنا وفي شبابنا اليوم موضعها
الصحيح على خريطة التوجهات المادية والروحية ، وبهذا فإنها قد مهدت الطريق لتوصيف
أوضاع مجتمعاتنا وشبابنا اليوم ووضع النقاط فوق الحروف فيما يتعلق بموقفنا من
التأثيرات التي تقودها جحافل العولمة من خلال المنظمات الدولية الرسمية وغير
الحكومية لمحاولة تشكيل سياساتنا الاجتماعية وفقا لأجنداتها المعلنة وغير المعلنة
، كما تضع الأساس المنطقي الطبيعي لفهم قضايا الشباب في عالم يعج بالتيارات
والمؤثرات والتحولات الثقافية.
ولقد توصل سوروكين إلى أن أي ثقافة أو حضارة ليست كومة متناثرة من الأجزاء
المبعثرة المتجاورة في المكان دون رابط يربطها ، ولكن كل ثقافة إنما هي كلّ متكامل
تنتظم مكوناته حول "مبدأ رئيس Basic
Principle
يتغلغل في كل تلك المكونات ويعطيها معناها ومغزاها" (Sorokin, 1957: 14)
،
ويتمثل هذا المبدأ في قيمة أولية محورية تحدد نظرة تلك الثقافة للحقيقة المطلقة ،
وبذلك تحدد تصورها للوجود ، كما تشكل فلسفة الحياة أو رؤية الكون Weltanschauung التي تتبناها تلك الثقافة ، وتكون إطارا عاما لقيمها الأخلاقية
والاجتماعية ، وتشكل الأعراف والقوانين وألوان السلوك المقبول وغير المقبول في
إطارها (p. 24) . و قد انتهى سوروكين من دراسته الضافية للمجتمعات والحضارات إلى أن هناك نوعين أساسيين من الثقافات لكل
منها عقليتها المتميِّزة Mentality ، ولها أنساق الحقيقة والمعرفة الخاصة بها ،
ولها نوع ديانتها ونوع مقدساتها ، وأنواع آدابها وفنونها ، وأنساق الصواب والخطأ
التي تدين بها ، ولها أنواع التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي
تميزها ، بل إنه يشيع في كل منها نوع خاص من "الشخصية البشرية" human personality بسلوكها و عقليتها الخاصة ، وفيما يلي نبذة عن كل من هذه الأنواع
من الأنماط الثقافية الرئيسة:
أولا
: الثقافة المعــنوية الزُّهْـــدية Ideational Culture :
في مثل هذا النمط الثقافي فإن الله (جل وعلا) يعتبر هو الحقيقة المطلـقة
وهو المبدأ الأسمى ، المتجاوز للمحسوس Super-sensory ، والمتجاوز للعقـول البشرية Super-rational ، الخالق العليم العادل ،
رضاؤه منتهى المرام ، مُحِلّ الحلال ومحرم الحرام ، أما الدنيا فكلها تحوّل وزوال
، والانسحاب منها والخلاص من أدناسها رأس الفضائل ، أما الآخرة فهي الحياة
الحقيقية الباقية ، ويُنظر إلى الطبيعة البشرية في نطاق هذا النمط الثقافي على
أساس أن الحاجات الروحية للإنسان هي أصل وجوده ، وأما البدن فيجب قهره وإضعافه ،
وأما الحاجات البدنية فإن الواجب إنكارها وإماتتها بقدر الإمكان ، وحياة الرهبانية
والزهد هي أقصر الطرق لتحقيق الخلاص من هذه الدنيا المدنسة التي لا خير فيها على الحقيقة.
ثانيا
: الثقافة المادية الحسية Sensate Culture :
المبدأ الأول والحقيقة المطلقة بل
والوجود كله في هذا النمط الثقافي وجود مادي إمبيريقي بحت ، والكون يتمثل فقط فيما تدركه الحواس وحدها ، ولا مكان فيه
لعالم الغيب ولا مكان فيه لله ولا لأي مقدس ، تشيع في هذا النوع من الثقافة
الاتجاهات الغنوصية (اللاأدرية) ، أما
حاجات الإنسان فهي حاجات مادية بحتة ، ولذلك يُنظر إلى تحقيق السعادة على أنه
مرهون بالحصول على أكبر قدر ممكن من الإشباع المادي و تحصيل اللذات الحسية ، وهذا
النمط الثقافي في أول مرحلة من مراحله المسماة بالمرحلة لحسية الفاعلة أو النشطة Active Sensate Culture يعمل بكل قوة لتغيير
البيئة المادية وتطويعها لمطالبه ، فيحقق تقدما علميا وتكنولوجيا عظيما كما يحقق
انتصارات عسكرية كبيرة ، لكن تلك المرحلة تُسْلم الزمام لمرحلة حسيّة سلبية Negative Sensate Culture تسودها عقلية تتسم بقصر
النظر ، يتحول فيها الناس إلى استغلال البيئة بكل طريق لإشباع حاجاتهم بصورة
طفيلية ، وكأن العالم ببساطة لم يوجد إلا لإشباع الحاجات إلى الطعام والجنس واللهو
والترفيه (شهوات البطن والفرج) والبحث عن اللذات الحسية Hedonism (Sorokin, 1957: 38) ، وينتهي المطاف
بالثقافة الحسية المادية إلى مرحلة أخيرة يسميها سوروكين بالمرحلة الحسية الكلبية
أو الهزؤية Cynical Sensate Culture التي تفتقر إلى أي نوع ذي
بال من القيم ، والتي تشيع فيها النفيية والعدمية Nihilistic ، والتي يشبع الناس
حاجاتهم فيها بطرق نفعية صرفة ، مع التظاهر الشكلي بالالتزام الأخلاقي دون اقتناع
حقيقي ، فيتم استخدام المداهنة والنفاق والخداع على نطاق واسع في المجتمع (Johnston,
1990 : 100).
ولكن سوروكين قد وجد أيضا أنه في بعض
الفترات التاريخية تظهر بعض المجتمعات التي تتبنى نمطا ثقافيا ثالثا ، يتكامل فيه
أفضل ما في النمطين السابقين من قيم ومبادئ محورية ، أسماه نمط الثقافة المثالية Idealistic Culture وفيما يلي نبذة عن هذا
النمط الأخير:
ثالثا:
الثقافة المثالية Idealistic Culture :
إذا كانت النظرة إلى الحقيقة والوجود في
النمطين السابقين نظرة منقوصة وذات بُعد واحد one-sided ،
فإن الحقيقة في هذا النمط الثقافي يُنظر إليها على أنها متعددة الجوانب تضم في
وئام وتكامل ماهو حسي مع ما هو متجاوز للحواس Super-Sensory ، ويُنظر إلى العالم الذي
نعيش فيه على أنه نتيجة للتفاعل بين الجوانب المادية والروحية ، وحاجات الإنسان في مثل تلك الثقافة ينظر إليها
على أنها حاجات روحية و أيضا مادية ، مع تغليب الجوانب الروحية ، وأساس المعرفة في
هذا النمط الثقافي قيام العقل بالجمع بين
معطيات الخبرة الحسية من جهة وبين نصوص الوحي المنزّل من جهة أخرى (Sorokin,
1957: 228-9) ،
فتتكامل في هذا النوع من المعرفة الحقائق الدينية (المتعالية على العقلانية (Super-Rational ، والحقائق
العلمية (الحسية/الإمبيريقية Empirical) والأفكار
الفلسفية (العقلانيةRational ) في اتساق بديع(p.
682-4) .
ثالثا:
تطبيق النظرية وتحليل أزمة الثقافة الغربية المعاصرة
لقد قام سوروكين بتتبع الأطوار
التي مرت بها الحضارة الغربية على مر العصور وصولا إلى العصر الحاضر ، وبيّن ماهية
القيم المحورية التي سادت في كل عصر من العصور ، و حدد موقع كل منها على خريطة
الأنماط الثقافية ما بين الحسية / والمعنوية الزُّهْدية / والمثالية ، فأوضح أن
الحضارة الأوربية في العصور الوسطى كان المحور الذي تدور حوله من نوع الثقافة
"المعنوية الزهدية" Ideational ، وكانت تلك الثقافة تدور حول قيمة رئيسة ومبدأ
أول وحقيقة مطلقة تتمثل في وجود الله (جل وعلا) … لكن هذا المبدأ المحوري قد بدأ في التدهور في نهاية القرن الثاني عشر
مع بزوغ نجم القيم "الحسية" …ثم إنه من تكامل المبدأين (المادي الحسي ،
والمعنوي الزهدي) نشأت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر مرحلة من الثقافة
"المثالية" Idealistic … ولكن هذه المرحلة القصيرة سرعان ما تهاوت بدءا
من القرن السادس عش تحت
وطأة الاندفاع الشديد في الاتجاه المادي الوليد على حساب المكوِّن المعنوي الروحي
، فدخلت الحضارة الغربية بقوة في العصر
الحديث… عصر الثقافة المادية الحسية Sensate …عصر يقول
سوروكين أنه تسوده المبادئ "الدنيوية ، العلمانية ، النفعية 'this-worldly',
secular, and utilitarian
" (Sorokin, 1992: 17-19).
ولقد حققت تلك الثقافة المادية على مدى خمسة قرون إنجازات علمية غير مسبوقة
في محيط العلوم الطبيعية ، كما توصلت إلى عدد هائل من الابتكارات التكنولوجية
الرائعة ، ولكنها في الوقت ذاته قد ضيقت نطاق رؤيتنا للوجود وللحقيقة -كما يقول
سوروكين - فاستبعدت كل ما ليس ماديا وكل ما هو متجاوز للحواس بما في ذلك مفهوم
الله (عز وجل) بل ومفهوم العقل ذاته ، بل وانتقلت من مرحلة الثقافة "المادية
الإيجابية النشطة" إلى مراحل الثقافة "المادية السلبية" و "المادية
الكلبية" ، مما أدى إلى شيوع الاتجاهات المادية والميكانيكية المتطرفة ،
والتركيز على اغتنام اللذائذ والشهوات الحسية والجنسية ، وشيوع الاتجاهات
الإمبيريقية والوضعية السطحية ، كما تدنت قيمة الإنسان نفسه في الحياة المعاصرة ،
فلم يعد ينظر إليه على أنه أكثر من مجرد كائن بيولوجي organism لا قيمة خاصة له
، ولا كرامة خاصة تميزه عن بقية الكائنات الحية (p.p. 252-4) .
ولقد أدى هذا كله إلى دخول الحضارة الغربية المعاصرة منذ العقود الأولى من
القرن العشرين في إسار ما أسماه سوروكين "أزمة
العصر" The Crisis Of Our Age ، تلك الحالة التي جعلها عنوانا لواحد من مؤلفاته الهامة (1992) ، والتي وصفها في ضوء
أكوام الأدلة التي تم جمعها في دراسته الكبرى على الوجه التالي (p. 13) :
"إن كل جانب
مهم من جوانب الحياة والتنظيم والثقافة في المجتمع الغربي إنما هي في حالة أزمة
مستحكمة …إن جسد [الحضارة الغربية] وعقلها سقيم ، ولا تكاد توجد في بدنها بقعة
خالية من التقرحات ، ولا يوجد واحد من الألياف العصبية فيها يؤدي وظائفه بكفاءة
…إننا نعيش ونفكر ونتصرف ونحن في نهاية حقبة من الثقافة الحسية المادية الرائعة
التي امتدت على مدى ستة قرون ، ولا زالت أشعة الأصيل المائلة تلقي بأضوائها على
أمجاد تلك الحقبة المتلاشية … ولكن ليل الفترة الانتقالية قد بدأ يلوح أمامنا
بكوابيسه وأشباحه المفزعة وأهواله التي تمزق نياط القلوب".
ولقد كرس سوروكين صفحات ذلك الكتاب القيم كله لدراسة المظاهر التفصيلية
لتلك الأزمة التي واجهتها الحضارة الغربية في القرن العشرين في مختلف جوانب الحياة
فيها (والتي لا يتسع المقام لغرضها هنا) ، والتي تنبأ باستمرارها شدة وقسوة في
المستقبل …اللهم إلا إذا عادت تلك الحضارة إلى رشدها باستعادة القيم الروحية
والدينية لتتكامل مع ما تعتد به اليوم من الجوانب المادية/الإمبيريقية … فيما يمكن
أن يؤدي بها إلى بدء حقبة جديدة رائعة من حقب "الثقافة المثالية" ، يتم
فيها "تصحيح الأخطاء القاتلة للثقافة الحسية المادية بالإعداد بصورة متناغمة
للثورة الفكرية الأخلاقية الثقافية/الاجتماعية المحتم حدوثها في المجتمع
الغربي" (p. 255) ، ولقد فصّل سوروكين
القول في توصيف أحوال المجتمعات في حالات التحول Transition من نمط "الثقافة
الحسية/المادية" المتدهورة إلى
"النمط الثقافي المثالي" الذي يتوقع أن يحدث في المستقبل (لثقته في أن
الحضارات الكبرى تصحح نفسها في النهاية طال الوقت أو قصر) ، وبيان ما تشهده تلك
الفترة الانتقالية من مآس و تظالم وسفك دماء ومذابح دون وازع من ضمير حي أو نخوة
إنسانية …بصورة أثبتت الأيام صدقها بعد مايزيد عن نصف قرن من توقعاته ، خصوصا إذا
أخذنا في الاعتبار ما شهدته البشرية من حروب ومذابح وتطهير عرقي ومآس أخلاقية يندى
لها الجبين في العقود الأخيرة من القرن العشرين وإلى اليوم.
تلك هي صورة الحضارة الغربية الغالبة اليوم ، وتلك هي رؤيتها المائلة
والمُميلة للوجود والكون والحياة ، وتلك هي نظمها الاجتماعية الاقتصادية والسياسية
والثقافية التي تسعى جحافل العولمة لفرضها على شعوبنا ، والنفاذ بها إلى عقول
وقلوب شبابنا لتشكيلهم على صورتها ، مستخدمة في ذلك كل صور الإغراء والتأثير ،
ومستعينة في ذلك بالآليات الفعالة لتلك الثورة الاتصالية والمعلوماتية العصرية
…وتلك هي الرسالة التي تضغط المنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية على حكوماتنا
لتبنيها وإلا تعرضت للعقوبات المقدرة على الخارجين المارقين على الاتفاقات الدولية
وعلى مقررات المؤتمرات الدولية ، وهي كما رأينا - من خلال التتبع التاريخي المقارن
الذي قام به سوروكين ومساعدوه - رسالة تعبر عن موقف الحضارة الغربية التي تعاني في
كل جوانب حياتها الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية من حالة
من الاحتضار الثقافي والأخلاقي و الخواء الداخلي الشامل ، وهي تندرج ضمن الأعراض
المشاهدة تاريخيا والتي تسود تلك المرحلة الانتقالية للثقافة الحسية/المادية ، لكن
الحضارة الغربية لازالت بالطبع تعيش في ظلال إنجازات رائعة لماض زاهر …
والتحدي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم إنما يتمثل
في كيفية المحافظة على نمطها الثقافي الأقرب بطبيعته إلى "النمط
المثالي" Idealist الذي يرى الحقيقة
في صورتها التكاملية التي يطلق عليها سوروكين اصطلاح Integral Theory of Truth and Reality ، فتدعِّم فيه نصوع قيمها الروحية والدينية في
نفس الوقت الذي تدعم فيه الجانب الحسي/المادي من حضارتها التزاما بوسطية هذه الأمة
و خيريتها دون إفراط أو تفريط … في نفس الوقت الذي تقوم فيه بمواجهة ضغوط (و
إغراءات) قوى "العولمة" التي تسعى ولو باستخدام القوة التعسفية لتشكيل
ثقافتنا وقيمنا في اتجاهات مصابة بالمرض بل "مسمومة" بتعبير سوروكين
نفسه .
رابعا :العولمة
و تأثيراتها الثقافية الموجَّهة
العولمة إذن تمثل رأس الحربة التي تعمل على إحكام هيمنة قوى المركز الكوني
على المحيط في عصر ما بعد الاستعمار ، و لكنها في الوقت ذاته ظاهرة بشرية معقدة متعددة
الجوانب تحتاج تناولا خاصا يستجلي حقيقتها ، تختلط فيها العمليات الطبيعية
المحايدة (ثورة الاتصال) بالأغراض والمصالح البعيدة للدول المتقدمة صناعيا ، ومن
هنا فإن العولمة ظاهرة تستنفر الاختلاف بين الكتاب بحسب الموقع وبحسب التوجه الذي يعبر عنه كل منهم ، وسيكون تركيزنا هنا
على التعريفات التي يعبر أصحابها عن وجهة
علمية أقرب إلى الحياد ومنها هذا التعريف الذي يرى أن العولمة مفهوم يشير "إلى
التطورات السريعة في تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والمعلومات ، التي قربت أقاصي
أصقاع العالم من بعضها حتى أضحت قريبة المتناول" (Ahmed & Donnan, 1994: 1) ، ومنها تعريف أنتوني جيدينز عام 1990
الذي يعرفها بأنها "مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة ، تتكثف فيها
العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي ، حيث يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين
الداخل والخارج ، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وسياسية
وإنسانية" (نقلا عن :عبد الله ، 1999 :
52)
وأخيرا فإن
هناك التعريف المشهور لمالكولم واترز ، عام 1995 الذي يشير إلى أن "العولمة هي كل المستجدات
والتطورات التي تسعى بقصد أو من دون قصد إلى دمج
سكان العالم في مجتمع عالمي واحد" (المصدر السابق).
و تشير تلك التعريفات إلى عدد من الخصائص الهامة لمفهوم العولمة نلخصها
فيما يلي:
1- أن القوة
الدافعة للعولمة
إنما هي التطورات العلمية والتكنولوجية المذهلة في مجال الاتصالات ، والمواصلات،
والمعلومات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية.
2- أنه قد ترتب على
تلك التطورات الهائلة إلغاء المسافات الطبيعية
في الانتقال ، وإلغاء المسافات في التواصل بين البشر ،
على نحو غير مسبوق في تاريخ العالم .
3- أن سكان المعمورة قد بدأوا يدركون
ويعون مغزى هذا
التقارب المدهش الذي يوشك أن يوحي بأنهم يعيشون بالفعل في قرية كونية واحدة ، لما
يرونه من تعاظم تأثير العالمي على المحلي.
4- ولكن تلك العملية "الطبيعية"
التلقائية المحايدة في جوهرها تستخدم اليوم كعملية
"مقصودة" ناشطة من
جانب بعض الدول والمنظمات عن قصد لتحقيق مآربها ، وذلك من خلال العمل المخطط
لتحميل تلك العملية بحمولة أيديولوجية محددة ، تخدم أهداف الأقوياء ولا يبدو أنها
تأخذ مصالح الآخر في الاعتبار.
و
لعل هذه السمة الأخيرة تحديدا أن تكون هي المصدر المباشر للكثير من المخاوف التي
لولا ذلك لما كان لها ما يبررها ، فالدول ليست سواء من حيث مدى قوتها الحالية ومدى
قدرتها على التأثير في مسار هذه اللحظة
التاريخية الرائعة وتوجيهها لخير الإنسانية كما هو مأمول ، فلقد بادرت
الدول الصناعية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات في
"استغلال" تلك العملية التاريخية المحايدة في جوهرها لتتخذ منها أداة
للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على الأغلبية الفقيرة والمتخلفة صناعيا
وتكنولوجيا ، ولتحاول أن تعيد صياغة العالم على صورتها ، على وجه يضمن لها
الاحتفاظ بتفوقها وتميزها ، إبقاءً على تبعية الآخر بل وتكريسا لتلك التبعية ،
وعلى وجه يتسم بقصر النظر الذي تغذيه صلافة القوة.
ينبغي في ضوء التحليل السابق إذن أن نميز بوضوح بين منظورين للعولمة لكل
منهما صدقه في التحليل النظري ، وإن كان يصعب التمييز بين مظاهرهما في الواقع
الإمبيريقي ، علما بأن عدم التمييز بينهما يؤدي إلى كثير من الخلط في الخطاب
الجماهيري بل والخطاب شبه الأكاديمي ، بل ويؤدي إلى مواقف متناقضة ، وإلى مخاوف في
غير محلها أو إلى اندفاع ليس له ما يبرره وهذان المنظوران هما كما سبق أن ألمحنا
هما :
1-
النظر إلى العولمة
كعملية طبيعية تلقائية تراكمية محايدة
، تتمثل أساسا في التطورات العلمية
والتكنولوجية الكبرى في مجال الاتصالات والمواصلات والمعلومات ، والتي تعتبر
بمثابة القوة الدافعة أو "الطاقة المولدة والمحركة للعولمة ، كما أن لحظة
العولمة هي لحظة الاستفادة القصوى من معطيات ونتائج هذه الثورة ، بل إن العولمة
والثورة العلمية والتكنولوجية هما وجهان لاينفصلان لعملة واحدة" (عبد الله : 61 ؛
وأيضا: إبراهيم ، 1999 : 189).
2- النظر إلى العولمة في صورتها المقصودة
أو المصنوعة ، المحملة بأحمال أيديولوجية
من خلال استخدام تلك العملية عن قصد لتحقيق
الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على العالم ، احتفاظا بالتفوق من جانب
الأقوياء وتكريسا لتبعية المستضعفين ، والتي تظهر في "…سعي الولايات المتحدة
الأمريكية إلى إعادة صياغة النظام العالمي طبقا لمصالحها وتوجهاتها وأنماط القيم
السائدة فيها" (إبراهيم : 191) ، ودعوتها
النشطة لفرض نظرتها اللبرالية الجديدة التي يسميها البعض " أصولية حرية
السوق" أو "اللبرالية المتطرفة" أو "اللبرالية الطائشة"
على العالم (الجنحاني : 17 ،
30)
.
وتتجلى أهمية هذه التفرقة بين المنظورين في أنها
تجنبنا الخلط بين ماهو محايد بل مرغوب فيه (أي التطورات العلمية والتكنولوجية) من
جانب ، وبين ماهو محمل أيديولوجيا (أي مايتصل بمحاولات فرض الهيمنة) التي أصبح البعض لايراها من جانب آخر إلا
"الظاهرة الاستعمارية الجديدة" (الإمام ، 1999 : 73-74
) … ذلك أن خلط الأوراق يؤدي إلى الوقوع (بحسن نية ، أو بسوء قصد) في خطأ الدفاع
عن الوجه الثاني لعملية العولمة (الهيمنة) بالإشارة إلى الفوائد المحققة والمزايا
المفروغ منها للوجه الآخر (التطورات العلمية والتكنولوجية) .
ورغم أن "العولمة هي أساسا مفهوم
"اقتصادي" قبل
كل شيء فإن لها جوانبها السياسية
الهامة التي ترتبط بالجوانب الاقتصادية ارتباطا
وثيقا... إلا أن الذي يعنينا هنا هو العولمة الثقافية
التي تشير إلى "بروز عالم بلا حدود ثقافية
حيث تنتقل الأفكار والمعلومات والأخبار والاتجاهات القيمية والسلوكية بحرية كاملة
على الصعيد العالمي ، وبأقل قدر من التدخل من قِبل الدول" (عبد الله : 55
) ، وذلك بسبب التقدم الهائل في وسائل ووسائط نقل المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات
، مما أدى إلى الانتشار السريع والفعال لأنماط القيم الغربية في الفن والملبس
والمأكل والتسلية التي تحمل رؤية محددة للعالم Worldview تختلف اختلافا جذريا من
جوانب متعددة مع رؤية المجتمعات غير-الغربية للوجود ، تلك الدول التي أصبحت ترى
شبابها بوجه خاص يتبنون تلك الرؤية الغربية عن غير وعي ، حيث تقوم على ترويج تلك
الاتجاهات والسلوكيات آلة تجارية وإعلامية رهيبة لاحدود لإمكاناتها ، لأنه لاحدود
لمكاسبها ، فتحولت الثقافة الاستهلاكية "إلى آلية فاعلة لتشويه البنى
التقليدية وتغريب الإنسان ، وعزله عن قضاياه … والتشكيك في جميع قناعاته الوطنية
والقومية والدينية ، وذلك بهدف إخضاعه نهائيا للقوى والنخب المسيطرة على القرية
الكونية ، وإضعاف روح النقد والمقاومة عنده حتى يستسلم إلى واقع الإحباط فيقبل
بالخضوع لهذه القوى أو التصالح معها" (حجازي ،1999 : 133-134).
وينبه الكثيرون من الباحثين إلى مخاطر عولمة الثقافة وثقافة العولمة على
المجتمعات العربية والإسلامية بوجه خاص … تلك المجتمعات التي تتلقى أكثر من نصيبها
من محاولات طمس الهوية بشكل مقصود ، حيث يمكن فهم تلك المحاولات على أنها ليست إلا
استمرارا طبيعيا للمحاولات التاريخية من جانب الغرب للهيمنة على موارد المنطقة من
خلال السيطرة على سكانها بكل الطرق ، والتي يعتبر من أيسرها وأكثرها أمنا دون أي
مخاطرة تقريبا (مقارنة بالاحتلال العسكري) القيام بفرض "حضارة عالمية وثقافة
كونية واحدة … تهدف إلى صهر الثقافات المحلية في بوتقة واحدة ابتغاء تمثُّلها في
ثقافة الآخر ، تضيع معها خصوصية الثقافات المحلية ، ومن بينها الثقافة العربية
والإسلامية ، أو تتعرض للتشويه على أقل تقدير" (الشاذلي ، 2000 : 3).
وإذا كان التعامل العلمي مع المعطيات والمشاهدات
الإمبيريقية يتنافى مع المبالغة والتهويل في تقدير الموقف فيما يتعلق بتلك
التطورات الجارية التي لازالت تتسم بالسيولة ، فإنه يتنافى أيضا مع التهوين غير
المسؤول من شأن المخاطر التي تتعرض لها الأمة في إطار هذه العواصف والأعاصير
الثقافية التي تشاهد آثارها المدمرة اليوم في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي ،
والواقع أن الملاحظة العابرة للحالة التي
وصلت إليها مؤسسات الثقافة وأجهزة الإعلام الرسمية تكفي للوصول إلى نتيجة توحي بأن تلك الأجهزة تكاد ترى مجتمعاتنا بعيون لا تنتمي إلى أرضنا
وثقافتنا وتراثنا ، كما تكفي الملاحظة العابرة للاتجاهات العامة لتعديل مناهج
التعليم في اتجاهات تباعد بالتدريج بين
الأجيال الجديدة وبين ثقافتها العربية الإسلامية للوصول إلى نفس النتيجة … تكفي
هذه وغيرها لتعطي المحلل المحايد دليلا ملموسا على أن لفح عواصف العولمة الثقافية
يوشك أن يحقق ما يريده نظام الهيمنة العالمي من أهداف بأيدي أبناء الأمة ذاتهم
سواء جاء ذلك بقصد من جانبهم أو بغير قصد -- كل هذا في وقت نجد فيه أن تلك الحضارة الغربية الغالبة
اليوم وثقافتها (كما رأينا في تحليل سوروكين) لا تمثل إلا مجرد مرحلة عابرة
تاريخيا ومتأزمة-في-ذاتها من الناحية الواقعية ، مما يشير إلى ضرورة التسلح بنظرة
تاريخية /حضارية /مقارنة إذا كنا جادين حقا – من الناحية المنهجية – فيما يتعلق
برد الأمور إلى أصولها بعيدا عن التناول التسطيحي أو التفتيتي أو الانتهازي.
خامسا : الضغوط
الدولية والاستجابات المحلية للتأثيرات الثقافية
إن من يقوم بتحليل الاتجاهات العامة لوثائق الأمم المتحدة حول السياسات
والبرامج الخاصة بالشباب لا يملك إلا أن يلاحظ بوضوح سيادة منطلقات الثقافة
الأمريكية/الأوربية على تلك الاتجاهات ، بكل ما يشيع فيها من اتجاهات وقيم
"الثقافة الحسية/المادية" في مراحلها المتأخرة ( الثقافة الحسية السلبية
، و الثقافة الحسية الكلبية أو الهزؤية)
التي لا تعتد بغير الحاجات البدنية/الحسية للشباب ، وكأن الشباب ليسوا إلا
مجرد كائنات عضوية نفعية وسيلية لا تحتاج لما هو أكثر من التغذية التي تتوفر لها
الشروط الصحية ، وإلى الأنشطة الرياضية التي تركز على تنمية الأجسام (دون نظر إلى
التنمية الروحية) ، وإلى التعليم والتدريب الذي يهتم بالإعداد المادي للشباب
كأدوات قادرة إلى المشاركة في العمل والإنتاج بل والاستهلاك.
ولعل مجرد تصفح "برنامج العمل
الدولي للشباب إلى العام 2000 وما وراءه"
World
Programme of Action for Youth to the Year 2000 and Beyond والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في
مارس 1996
، أن يكشف لنا بجلاء سيادة هذه النظرة الحسية/المادية (بكل أعراضها المؤلمة التي
فصّلها سوروكين) ، وهذا البرنامج يدعو
الدول على المستوى القومي وعلى المستوى الإقليمي وعلى مستوى التعاون الدولي
للعمل على تحقيق أهداف الاستراتيجيات والسياسات التي قررها لتحسين أحوال الشباب
فيما يتصل بالقطاعات العشرة التي أسماها
"مناطق الأولويات" Priority
Areas وهي: العمالة
– الجوع والفقر – الصحة – البيئة – المخدرات – انحراف الأحداث – أنشطة قضاء وقت
الفراغ – البنات والشابات – المشاركة الكاملة والفعالة للشباب في حياة المجتمع ،
المشاركة الكاملة والفعالة للشباب في اتخاذ القرارات ، وذلك على النحو التالي:
1-
تقديم الفرص
التعليمية للشباب وإكسابهم المهارات التي تتيح
لهم الحصول على وظائف منتجة تتمشى مع طموحاتهم ، وتتيح لهم الاعتماد على
أنفسهم في المستقبل.
2-
إعطاء أولوية
خاصة لمسألة إتاحة فرص العمل التي تتمشى مع إمكانات الشباب.
3-
توفير الطعام
والتغذية الكافية اللازمة للمشاركة الكاملة للشباب في حياة المجتمع.
4-
توفير البيئة
الطبيعية والاجتماعية الكفيلة بالنهوض بالصحة الجيدة والحماية من الأمراض والإدمان
والخالية من العنف بكل أشكاله.
5-
ضمان التمتع الكامل بالحقوق الإنسانية والحريات
الأساسية لكل الشباب دون تمييز بسبب الجنس أو النوع أو أي شكل من أشكال التمييز ،
خصوصا التمييز ضد البنات والشابات.
6-
فتح الفرص
لمشاركة الشباب في عمليات اتخاذ القرارات.
7-
توفير
الأماكن والتسهيلات اللازمة للأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية لتحسين مستوى
معيشة الشباب في الريف والحضر.
8-
مقابلة الحاجات الخاصة للشباب في مجال الممارسة
المسؤولة لتنظيم الأسرة (!!)، والحياة الأسرية ، والصحة الجنسية ، والصحة
الإنجابية ، والأمراض المعدية جنسيا ، مع التأكيد على تعليم المراهقين كيف يتجنبون
الحمل غير المرغوب فيه (!!) .
ويلاحظ أن برنامج العمل فوق ذلك يتضمن
الإحالة باستمرار إلى مقررات المؤتمرات
الدولية الأخرى كمؤتمرات السكان ، والمرأة ، وحقوق الإنسان … تلك المؤتمرات التي
سارت شوطا بعيدا في اتجاه تكريس هيمنة القيم الحسية/المادية وفق النموذج الغربي
بصورة لم تفطن لها الحكومات إلا أخيرا ، وقد أدى ذلك إلى ظهور اتجاه له وزنه في
الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة "المرأة عام 2000 : المساواة
بين الجنسين والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين" لمراجعة – بل للرجوع
عن - التجاوزات الصارخة التي كانت قد أقرت في مؤتمر بكين ، بعد أن كان التوجه
السائد قبل الدورة هو زيادة الدفع بعنف نحو مزيد مما تعتبره النسويات النشطات
مطالبهم النهائية المتمشية في حقيقتها مع
أهواء هذه الحقبة التي تسودها الثقافة الحسية/المادية ، وذلك بعد أن ظهر للجميع أن
عددا لا يستهان به من مقررات بكين تتعارض بشكل صارخ مع الشريعة الإسلامية ومع
تعاليم الفاتيكان.
أما إعلان لشبونة حول السياسات والبرامج المتصلة بالشباب الذي أصدره المؤتمر
الدولي للوزراء المسؤولين عن الشباب في أغسطس 1998 فقد أكد على نفس الأولويات
والتوجهات ذاتها ، مع دعوة الدول بقوة إلى الالتزام بوضع سياسات قومية للشباب ، مع
برامج تنفيذية مصاحبة تجسد نفس هذه التوجهات ، إضافة إلى إنشاء الأجهزة التي تتولى
التنفيذ والمتابعة على أعلى مستوى ، وهونفس ما توصل إليه إعلان داكار في أغسطس
2001 حول "استراتيجية تمكين الشباب"
Dakar Youth Empowerment
Declaration الذي
طالب فيه الشباب المشاركون بما يلي ضمن مقرراتهم"نحن نطالب بتخفيض تكلفة
وسائل منع الحمل وعلاج مرض الإيدز و الوقاية من الأمراض التناسلية وعلاجها"
!!.
سادسا :
سياسات مواجهة التيارات الثقافية الوافدة
لقد اتضح لنا في إطار التحليل السابق التعقد الكبير
والتداخل الشديد للعوامل الفاعلة والمؤثرة في القضية ، كما تبين لنا أن تلك
العوامل تمارس فعلها على كل المستويات لا
على مستوى واحد ، كما اتضح لنا إن تفاعل تلك العوامل في اللحظة الراهنة إنما يمثل مجرد
نقطة واحدة على متصل زمني تاريخي لايمكن عزل مجريات الأحداث الجارية عنه بأي حال
(على الوجه الذي أظهرته دراسات سوروكين بجلاء) ، ومن هنا فلا مناص لنا من الاعتراف
بأن مواجهة الموقف يستحيل أن تتخذ شكل وصفة سحرية سريعة المفعول ، أو أن تتم من
خلال مقترحات أحادية-البعد سهلة التنفيذ ، ولكن الأمر كما يظهر لنا إنما يتطلب
مواجهة كلية طموحة تأخذ الأبعاد الحضارية/الثقافية ، والأبعاد البنائية/الاجتماعية
، والأبعاد الفردية/الشخصية في الاعتبار ... مواجهة تقوم على وضع سياسات لا تضع
مراسيها عند أعتاب الشباب وسلوكياتهم ،
وإنما يقع محور التدخل فيها على مستوى النظم والمؤسسات الاجتماعية ، عملا على إصلاح تلك النظم والمؤسسات التي تحمل
أمانة التوجيه المجتمعي ، التي تستطيع من
جهة أن تمارس تأثيرها في الشباب بتحصينهم وتقوية مناعتهم الثقافية ،كما أنها من
جهة أخرى قادرة على حمايتهم بل وحماية مجتمعاتهم في مواجهة تلك العواصف الخارجية
الجائرة.
إن مواجهة تيارات التأثير الثقافي النشط بل والعدواني الذي يواجه شبابنا
اليوم (والذي ينطلق كما رأينا من قيم
حضارة مريضة تملك قوة مادية وعدة عسكرية وقدرة رهيبة على التأثير ، ولكنها في الوقت
ذاته تعاني آلام الفترة الانتقالية للخروج من أسوأ صور الحضارة الحسية على الوجه
الذي جلاه سوروكين والذي أثبتت الأحداث صدقه وقدرته على التنبؤ بما لا يدع مجالا
للشك) ، يتطلب توافر الإرادة السياسية لتبني المواقف والسياسات والبرامج اللازمة
لإعادة الارتباط بين الرؤية الإسلامية للحياة والوجود من ناحية وبين النظم
والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية من جهة أخرى ، على الوجه الذي
يزيل الفصام القائم في كثير من المجتمعات الإسلامية بين معتقداتها وقيمها الدينية وبين
توجهات سياساتها وممارستها في مختلف ميادين الحياة ، والذي يحل محله التكامل
الطبيعي الذي لا يمكن بدونه أن تستمر المجتمعات في الوجود الحي الفاعل ، الذي يطول
كل قطاعات المجتمع ويفيد بوجه خاص في تحصين فئاته المعرضة للتأثر كالشباب.
وإذن فإن مواجهة الموقف مواجهة فعالة انطلاقا من التحليل النسقي المنطلق من
المنظور البنائي/الثقافي/ التاريخي السابق ينبغي أن تقوم في الحقيقة على قاعدتين
لامناص من الالتزام بهما دون تردد أو تخاذل وهما :
(1)
المواجهة
التكاملية التي تأخذ كل مستويات التحليل وكل مجموعات العوامل المتداخلة في الموقف
في الاعتبار.
(2)
الانطلاق من
الرؤية الإسلامية للإنسان والوجود والكون في توجيه السياسات والبرامج والأنشطة
المقترحة باعتبار أنها الرؤية الوحيدة القادرة على مواجهة تحديات التيارات
الثقافية الغازية.
لقد تبين لنا مما سبق أن سياسات العمل مع الشباب في العالم المعاصر مبنية
في الغالب الأعم على مسلمات قيمية مبتورة ، متأثرة بتوجهات الحقبة التاريخية التي
تعيشها الحضارة الغربية والتي تحاول فرضها على العالم اليوم ، وأن تلك التوجهات
إنما تعكس بشكل سافر ما أسماه سوروكين "الثقافة الحسية/المادية"Sensate Culture في صورها المتدنية المسماة
"بالحسية السلبية" Passive
Sensate
و تلك المسماة "بالحسية الهزؤية الكلبية Cynical Sensate ، التي تشيع فيها النزعات الدنيوية المادية
العلمانية ، والتي لاترى في الإنسان إلا بدنه ، ولا تأبه إلا بإشباع حاجاته
المادية (والنفسية والاجتماعية المتفرعة عنها دون أن تتجاوزها إلى رحابة عالم
الروح) ، والتي انحط فيها قدر الإنسان إلى مستوى ذرائعي وسيلي يكون له فيه اعتباره
وقيمته فقط بقدر ما يأتي به من نفع أو عائد ،كما تبين لنا أن تلك السياسات
والبرامج المصممة بطريقة انتهازية للعمل مع الشباب المبنية عليها قد أدت إلى شيوع
الظواهر السلبية التي يوشك لها إذا تفاقمت أن تهدد مستقبل الأمة.
ولقد تبين لنا في الوقت ذاته أن قضايا الشباب لا تنفصل بحال عن قضايا
المجتمع وعن مدى كفاءة النظم الاجتماعية
في أداء وظائفها ، وعن قضايا التنشئة الاجتماعية للشباب منذ الصغر … ولعله أن يكون
قد اتضح لنا أن نجاة الشباب – بل نجاة المجتمع – من التيارات العاصفة التي أصابت
توجهاتنا الثقافية والحضارية مع العولمة بل وما قبل العولمة بكثير (وإن يكن بدرجات
أقل حدة وخفاء وإن لم تكن أقل فاعلية وخطرا) مرهونة بالانطلاق من ثقافة تكاملية تتكامل
فيها العوامل الروحية والعوامل المادية ... وهو ما نادى به سوروكين بأعلى صوته على
أساس أنه الأمل الوحيد لإنقاذ الحضارة الإنسانية المعاصرة ألا وهو التصور المنطلق
مما أسماه الثقافة المثالية Idealistic Culture ، والذي يضم في أرقى مستوى
من التكامل كلا من الجوانب المادية والروحية (مع تغليب الروحية على المادية حسب
توصيفه المحدد) ، والتكامل بين الوحي والعقل والحواس ، بين العالم الإمبيريقي
المحسوس وبين عالم الغيب المتجاوز للحواس super-sensory ، والذي – ومن عجب - يمثله أصدق تمثيل التصور
الإسلامي للإنسان والوجود و المجتمع !
فالتصور الإسلامي يقوم على محورية العوامل الروحية في تفسير السلوك
الإنساني وعلى محورية الوحي الإلهي الصحيح في توجيه ذلك السلوك … فالعوامل الروحية
(بمعنى نوعية صلة الإنسان بالله عز وجل) هي بمثابة القلب من وجود الإنسان كائنا من
كان … في ضعفها (بمعنى ضعف صلة الإنسان بالله عز وجل أو انقطاعها) المعيشة الضنك ،
والضيق الداخلي ، والخواء الروحي مهما كثر المال وعظم الجاه وازدحمت الحياة
بالمقتنيات المادية ، وفي قوتها (بمعنى قوة صلة الإنسان بالله عز وجل) الحياة
الطيبة ظاهرا وباطنا ، في الدنيا وفي الآخرة ، لا تفوّت شيئا من حلال نعيم الحياة
الدنيا ، ولا تضيّع شيئا من ثمار التقدم العلمي والتكنولوجي المحافظ على الحياة و
على البيئة .
وفي ضوء ذلك فإن سياسات الإصلاح
المقترحة ينبغي أن تتجه إلى دعم دور الأسرة وتقويتها حتى تضطلع بوظائفها على أعلى
درجة ممكنة من الكفاءة ، فالأسرة تتحمل المسئولية الأولى عن الحفاظ على سلامة فطرة
أبنائها من الناحية العقيدية ، كما تتحمل مسئولية تدريب أبنائها على تحقيق التوازن
بين الإشباعات المادية والروحية ... ذلك أن الأسرة التي تقوِّي عند أبنائها استمراء الإشباعات المادية
مع إهمال الجوانب الروحية ، تجعلهم يشبون على اتباع الشهوات والأهواء التي تطمس الفطرة ، وأما الأسرة التي تعود أبناءها وبناتها على ممارسة العبادات
والطاعات منذ الصغر فأنها تعين الأبناء
وتيسر عليهم الطاعة والامتثال لأوامر الله ، كما تجعلهم يشبّون على حسن التوكل على
الله والثقة فيما عنده أكثر من ثقتهم بما في
أيديهم ... ومرة أخرى فإن الأسرة إذا لم تقم بمسئولياتها الدعوية فإن
الأبناء ينشأون على انحراف الاعتقاد واستمراء البدع ، و اتباع الهوى والشهوة ،
وتلك هي الأمراض التي تصيب "
القلوب" فتُصْميها ، والتي يترتب عليها اضطراب الحياة الدنيا، والخسران
المقيم في الآخرة ، ومن أعراض ذلك ما
نسمعه باستمرار من شكوى حول حيرة الشباب وضياع الشباب ، لأنهم نتيجة لذلك يجرون
وراء كل ناعق دون تمييز نتيجة لإصابتهم بما يمكن لنا أن نطلق عليه مرض نقص المناعة
الثقافية المكتسب .
كما تقوم السياسات المقترحة على انطلاق المدرسة بمناهجها ومناخها اليومي
والعلاقات بين طلابها ومعلميها والعاملين
فيها من نفس النسق القيمي الدعوي ، فهذا يدعم ما تقوم به الأسرة من جلاء للفطرة
وتهذيب لنفوس الشباب ، ويتطلب ذلك تصميم المناهج الدراسية على صورة تتكامل حول
التصور الإسلامي الصحيح للإنسان والوجود والمجتمع في كل المقررات الدراسية وكل
الأنشطة اللاصفية و كافة برامج التربية الرياضية و التربية الاجتماعية ، ففي ذلك
الضمان للتكامل الداخلي لإشباع حاجاتهم البدنية والنفسية والعقلية والروحية على
وجه يغنيهم ويشعرهم بقيمتهم و قيمة استقامتهم ويحول بينهم وبين الانحراف أو
الانجراف وراء ما يدعو إليه الغاوون.
أما أجهزة قضاء أوقات الفراغ وأجهزة الترويح وأجهزة الإعلام وجميع أجهزة
وأدوات التوجيه المجتمعي فإنها إذا انطلقت من نفس المنطلقات الدعوية الربانية فإن ذلك يؤدى في النهاية إلى أن يتنفس الشباب نسمات العقيدة
الصافية في كل مراحل حياتهم فتصح قلوبهم
وعقولهم وتسمو أرواحهم ويستقيم سلوكهم حتى يلقوا ربهم غير مبدلين ولا مفتونين ،
(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) ( الأحقاف : 16).
والعكس صحيح كما رأينا ، فالأسرة إذا أهملت
واجبها الدعوى اكتفاء بتوفير أصناف الطعام والملبس والمركبات وفرص الرياضة
والترفيه التجاري وغيرها من الحاجات المادية وحدها ، فإن الأبناء يستمرئون الشهوات
ويسعون بدرجات متزايدة ومتسارعة للحصول على مزيد مما يحقق لهم باستمرار جرعات أكبر
من الاستثارة الحسية التي تروج لها الحضارة الحسية العدمية الفاعلة اليوم مما
يجرهم إلى تجربة وإدمان المواد المسكرة والمخدرة ، كما أنهم يصابون بأمراض الشبهات
والشكوك التي تصيب قلوبهم فتعميها حتى سمعنا
عن شباب يعبدون الشيطان في أوطان ينص دستورها على أن الدين الرسمي للدولة فيها هو
الإسلام ، وكذلك فإن المدرسة إذا أهملت جانب المحافظة على سلامة الفطرة مكتفية
بسلامة الأبدان وتعليم العلوم والصناعات ، وكذلك إذا تاهت أجهزة الترويح والإعلام
عن أهداف الحياة في الإسلام ، وخبطت
في كل واد مستمدة توجيهاتها من قيم
"الثقافة الحسية/المادية" في مراحل الانحدار فتوقفت عند الجمال الحسي (الملون بالألوان
الطبيعية) ، وعند الإثارة بالعنف والجنس ، فإن النتيجة المحتومة لهذا كله هي
التشتت والاضطراب والقلق والإحباط المستمر الملازم للشباب بل وللمجتمعات في هذه
الدنيا ، وكانت النتيجة المحتومة أيضا هي الخسران المبين في
الآخرة ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل
يستويان مثلا) (الزمر:29)
.
كما يقوم التصور الإسلامي الذي
ينبغي أن تنطلق منه سياساتنا الاجتماعية على ضرورة إقامة الترتيبات المجتمعية
التي تضمن للشباب أفضل إشباع ممكن
لحاجاتهم المادية والنفسية والاجتماعية في
إطار التوجيهات الإلهية وفي ضوء درجة التنمية الروحية التي وصل إليها كل
منهم ، وذلك بإتاحة ما يمكن أن يعبر عنه "بأفضل إشباع ممكن" ، لنترك
المجال أمام الشاب ليرتفع عن قيود الأرض إلى أرفع قدر يستطيعه ، أو ليتوقف عند
حدود استطاعته ما دامت في نطاق
"القصد" والاعتدال. ... ويرتبط بهذا المبدأ قضية شعور الشباب والناس
جميعا بأن المجتمع قائم على توفير "العدالة الاجتماعية" المتضمنة لحسن توزيع الثروة من خلال الترتيبات
الوجوبية كالزكوات ، أو الطوعية كالصدقات ، أو من خلال التربية الدعوية التي تغرس في
الأفراد معنى العطاء دون حساب ، مع المحافظة في الوقت ذاته على حق الملكية الفردية ومع شيوع
عواطف التراحم والتواد بين المعطى والمتلقي ، دون منٍّ ولا أذى ولا استعلاء ... وقيام
الدولة بمنع التظالم بكافة صوره وأشكاله وألوانه ، ووضع الضوابط التي تكفل ذلك ... كل ذلك يؤدي إلى شعور الشباب
وشعور جميع أبناء المجتمع المسلم بملكيتهم لهذا المجتمع وبانتمائهم له فيضمحل الاغتراب
والإحباط ونزعات العدوان عند الشباب إلى أقل حد ممكن ، ولا يشعرون بأي حاجة
لمتابعة كل دعوة منحرفة لأن حياتهم بطبيعتها تكون هنا ذات معنى ، مما يشعرهم بقيمة
الذات واحترام الذات والاكتفاء-الذاتي ثقافيا.
أما دعم وتقوية الضبط الاجتماعي
في المجتمع فإنها تدعم شعور الشباب وغيرهم بالعدالة والأمان الحقيقي ، لأن الضبط
الاجتماعي من منظور الإسلام لا يقف عند مجرد العمل على المحافظة على الأموال أو
الأنفس أو الأعراض مع أهميتها - ولكنه يستهدف أولا وقبل كل شىء المحافظة على طهارة
الأرواح والقلوب والحفاظ على صلتها ببارئها باعتبارها محور الوجود في الدنيا والآخرة. وأول الضبط وأهمه بالطبع ما
كان منبثقا عن تقوى الله عز وجل ومراقبته في
كل قول وفعل انطلاقا من الفطرة السليمة ، ثم من التنشئة الاجتماعية السليمة
، التي تنتهي إلى غرس معرفة الله عز وجل
وحبه وتقواه في نفوس الشباب وقلوبهم فلا تخرج الأفعال والسلوكيات إلا مستجيبة
بطبيعتها لتلك العواطف النبيلة... و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمفهوم ،
والاحتساب كتجسيد شرعي ورسمي لهذا المفهوم
، يقوم بدور مكمل ومؤيد للضبط والرقابة الشخصية ولكنه ضبطٌ يقوم به الآخرون
جميعا ، حيث يكون كل مسلم راعيَ أخيه ومعاونه على المحافظة على سلامة فطرته ،
وحافظ مجتمعه من أن تسوده الفاحشة ، فظهور الفاحشة وشيوعها أمام الشباب في الشارع
وفي النادي وفي أجهزة الإعلام يؤدى إلى إصابة الأبرياء منهم وتشجيع المترددين منهم
على الولوغ في المخالفة ، كما يفتح الباب لتعريض الشباب لأنماط السلوك الانحرافي الذي
تشجع عليه قوى التأثير الخارجية التي تعرضه وكأنه أمر سوي "أو طبيعي" بما
يؤدى إلى انتشار العدوى بين قطاعات جديدة من الشباب.
وينبغي أن نؤكد هنا على أهمية دعم الضبط الرسمي الذي يقوم في المجتمع المسلم على
مبادئ ثابتة شرعا في شكل حدود قررها
الشارع بشكل لا يمكن الطعن بانحيازه لفئة أو جماعة أو طبقة - كما هو الحال في التشريع الوضعي - وفي شكل تعازير ترك فيها المجال للاجتهاد وفق
الحاجة ضمانا للمرونة في مواجهة أشكال
الانحراف. و المبدأ الأساسي هنا هو أن التطبيق
ينبغي أن يستهدى ما يرضى الله سبحانه وتعالي ، وأن يضمن العدل إلى أقصى حد يطيقه
البشر الذين يراقبون الله في كل ما يصدر
عنهم في هذا الشأن ، بصرف النظر عن هوية
أو مكانة الذي يتعرض للعقوبة على المخالفة من نحو قوله صلى الله عليه وسلم
(وَايْمُ اللَّهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)
(متفق عليه) ، مما يقطع الطريق على نزعات اللامعيارية لدى الشباب المعرضين للانحراف ممن يشيرون دائما
إلى حالات التحايل والالتفاف حول القانون لخدمة أصحاب الثراء والنفوذ ، وبها
يبررون لأنفسهم ارتكاب الجرائم كنوع من المساواة والعدل (المريض طبعا).
وأخيرا فإن علينا أن نتذكر دائما أن الله
سبحانه وتعالي قد وعد الأمم الطائعة بأن تحيا حياة طيبة ، وأن يأتيها رزقها رغدا
من كل مكان ، وتوعّد الأمم التي لا تقيم
حدود الله ، والتي تكفر بأنعم الله بأن
يذيقها من صنوف الجوع والخوف والهوان ، وبأن يَلْبِسها شِيَعا ويذيق بعضها بأس بعض
بما كانوا يصنعون. كما قضى سبحانه بأنه لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم ، وبين الكتاب وبينت السنة
أن الغضب والعذاب يتنزل على الأمم
وفيها الصالحون لأنهم لم يستنكروا منكرا ولم تتمعر وجوههم غضبا لله ، وخصوصا في
الإنكار على أئمة الجور وذوى المكانات القيادية والتأثير في قطاعات عريضة من الناس ، لأن الناس بهذا يتركون
الأبواب مفتوحة للنفوس والأرواح عامة أن تضل ، وللقلوب أن تزيغ عن فطرة الله التي
فطر الناس عليها ، فتشيع الفاحشة ويستحق العذاب على الجميع.
ذلك هو التصور الإسلامي للإنسان وفطرته الروحية التي فطره الله عز وجل
عليها ، والتي تقدم البديل "الوحيد" في عالم اليوم لتوجيه السياسات
الاجتماعية عامة وسياسات العمل مع الشباب خاصة … البديل عن التصورات المبتورة
المنحدرة لحقبة الحضارة المادية المتدهورة ، التي تقدم لنا نماذج
"مسمومة" على حد تعبير سوروكين لايمكن أن ينتج عنها إلا ما نشاهد وما
نرى مما يشكو منه العام والخاص ، ويبدو أنه لا خلاص لنا ولا لشبابنا من هذا إلا أن
نأخذ مأخذ الجد حكم التحليل التاريخي الثقافي المقارن مأخذ الجد … بل (استغفر
الله) إلا أن نأخذ وعد الله عز وجل ووعيده مأخذ الجد (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت: 53).
إبراهيم ، حيدر (1999) "العولمة و
جدل الهوية الثقافية" عالم الفكر ، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999 .
الإمام ، محمد محمود (1999) الظاهرة الاستعمارية الجديدة ومغزاها بالنسبة
للوطن العربي" ، في : عبد الباسط عبد المعطي (محرر) العولمة والتحولات
المجتمعية في الوطن العربي (القاهرة : مدبولي ).
الجنحاني ، الحبيب (1999) "ظاهرة
العولمة : الواقع والآفاق" عالم الفكر، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999.
حجازي، أحمد مجدي (1999) "العولمة
وتهميش الثقافة الوطنية" عالم الفكر ، المجلد 28 ، العدد 2 ،
ديسمبر 1999 .
الشاذلي، خلاف خلف (2000) "المجتمع
العربي الإسلامي بين عولمة الثقافة وثقافة العولمة" ورقة قدمت إلى مؤتمر
"العلوم الاجتماعية واستشراف المستقبل" الذي نظمته رابطة الجامعات
الإسلامية بالتعاون مع كلية الآداب بجامعة المنيا في الفترة من
6-8 مارس 2000.
عبد الله ، عبد الخالق (1999)
"العولمة : جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها" عالم الفكر ،
المجلد 28 ، العدد 2 ، ديسمبر 1999 .
Ahmed, Akbar
and
Johnston, Barry
(1990) “Integralism and the Reconstruction of Society: The Idea of Ultimate
Reality and Meaning in the Work of Pitrim Sorokin”, Ultimate Reality and
Meaning, Vol. 13, No. 2, 96-108.
Maslow, A. H.
(1943) “A theory of human motivation”, Psychological Review,
50:370-396.
Maslow, Abraham H. (1971) “A
Theory of Metamotivation : The Biological Rooting of The Value Life”, in, Abraham H. Maslow, The Farther Reaches Of Human
Nature (
Olsen, Marvin
(1968) The Process of Social Organization (Holt, Rinehart &
Winston).
Sorokin,
Pitrim A. (1941) The Crisis of Our Age , 2nd ed.
(1992) (
Sorokin,
Pitrim A. (1957) Social and Cultural Dynamics (1985 ed.) (
Zimmerman,
Carl (1968) Sorokin : The World's Greatest Sociologist (
bravenet.com