untitled
viviti

حساب مع الجامعيين

د. إسماعيل الفاروقي

بحث منشور في:  مجلة المسلم المعاصر ، العدد 31 ، 1402 هـ / 1982 م

 

يعيش المسلمون في هذا العصر في أزمات عديدة متشابكة تُذهل صعوبتها كل من ينظر إليها بقصد حلها، فالمجابهة العسكرية مع إسرائيل مع من يدعمها من الشرق والغرب تستنزف طاقة إسلامية كبري، ثم انقسامات الدول الإسلامية على نفسها في الداخل، ونزاعاتها مع بعضها البعض تستنفذ طاقة أخري، ثم استغلال الأجانب للثروات الطبيعية في الوطن الإسلامي الكبير يسيطر على مقدرات المسلمين الاقتصادية، فهم في كل بقعة من بقاعهم يستهلكون ما لا ينتجون، وإذا صنّعوا بلادهم حجزوا الصناعة ضمن حدودهم، بدل أن يفتحوا الأبواب على مصراعيها لتنقل الأموال والأيدي العاملة ولاتساع الأسواق الضرورية لقيام الصناعة، وكذلك لهوا أنفسهم عن الصناعات اللازمة البناءة للاقتصاد بالصناعات التجميلية أو تلك التي تعتمد على عناصر مكونة يستوردونها من الشرق أو الغرب، مما يُخضع مصير صناعتهم لرحمة غيرهم.

 

ولم تقو أي دولة إسلامية على صهر سكانها ببعضهم البعض ليكونوا لُحْمة متراصة تَدين بنفس المنظور وتعمل يدا واحدة في سبيل الأمة، وكأن العدو يتربص الدوائر في كل دولة في داخلها وخارجها لما صارت إليه علاقاتها بجيرانها، ولم تنجح حتى الآن أية محاولة لتوحيد أي قطرين من أقطار الأمة الإسلامية، بل هي تزداد تفتتا سنة بعد أخري، تري حكامها تستنزف طاقاتهم في المحافظة على كراسيهم بدل الانصراف إلى ما يصلح حال الأمة ويحقق ازدهارها.

 

ولقد تعودنا تفسير مشكلاتنا بنسبتها إلى الغير وكأن الغير مسئول عن مصائبنا عن وقوعها، وعن استمرارها، بل حتى عن تقاعسنا عن القيام بحلها، لقد تعودنا نسبتها إلى العدو المستعمر أو إلى القيادات السياسية المتعاملة معه أو إلى قياداتنا المحلية في جميع المجالات أو إلى رؤسائنا في ميادين عملنا بالذات، كل ذلك تجنبا للمسؤولية التي تقع علينا حقا وقد ذكرنا مالك بن نبي رحمة الله أن "لا استعمار دون قابلية للاستعمار" وان المصائب قلما تحل في من يمنع نفسه منها ويعدها للصمود ضدها إذا وقعت، كما تعودنا على التطلع إلى من ينزل علينا من السماء فيخلصنا من مآسينا دفعة واحدة وذلك إمعانا منا في السقم والكسل والمرض.

 

ولم نع حق الوعي أن حكام أي شعب لن يكونوا خيرا من شعوبهم، وان الشعوب إذا فسدت فسدت قياداتها أيضا وقديما قيل "مثلما تكونوا يُوَلّ عليكم" كما وأن حكمة الله وحجته البالغة قضت بأنه سبحانه وتعالي "لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ، فإذا أردنا دفع المصيبة وحل المشاكل المستعصية لزم علينا أن نبدأ بأنفسنا ، ولن يكون لنا سبيل على أعدائنا إلا بانتصارنا على أنفسنا أولا و آخرا أي بمحاسبتنا لأنفسنا.

 

يجوز لنا التساؤل : لماذا يقال هذا الكلام في الجامعة ؟ وهل الجامعيون هم المسئولون والمطالبون بالمبادرة ؟ فلماذا يقع الحساب أولا  وآخرا عليهم ؟ إذا كانت مشاكلنا مستعصية لهذه الدرجة وشكلت حلقة مفرغة أطبقت علينا من جميع الجهات فلماذا يترتب كسرها على الجامعيين ؟ وعليهم فقط دون غيرهم من القيادات ؟

 

حقا لا ينتظر أن يكسر الطوق وننجو من الحلقة المفرغة إلا إذا تحمل الجامعيون مسؤوليتهم وذلك لأسباب ثلاثة :

 أولا – أن الوعي بالمشكلة الأم وتصور الحل الفعال وترجمته إلى رؤية واضحة هو بالذات عمل الجامعيين وصنْعتهم، ويجب أن يكون ذلك شغلهم الشاغل فإن قاموا بواجبهم هذا وهم بها مكلفون أي مكلفون بإثبات الرؤية بتعميقها وتوضيحها ونشرها بتفهيمها وإرساخها في عقول الطلبة. فان لم يفعلوا فهم إما غير أهل لمناصبهم الجامعية أو مخلّون بواجبهم الذي هو جوهر صنعتهم.

 

ثانيا : وما العمل إذا كان جامعيونا من غير هذا الوصف أو كان معظمهم ممن ينظر إلى مهنته كوظيفة للارتزاق منها ؟ أو رأوا أنفسهم كرعاع الأمة غير مكلفين وغير قادرين على حمل هذه المسئولية الضخمة ؟ أو لم يأنسوا في أنفسهم العدد والعدة اللازمين للقيام بها ؟ الجواب أنهم أنفسهم المعنيون بأمر تربية وإعداد خلفائهم في العلم وإكثارهم عددا وعدة . أو ليست الجامعة مصنع الرجال ، معهد القادة ؟ أليس الجامعي المناط الوحيد بالأمر ؟ لا يلام إذا قام به ويلام إذا أخفق ؟ أليست الجامعة المؤسسة الوحيدة في الأمة التي إن أعوزها الرجال الكفء لا يجوز لها أن تنظر إلا لنفسها ؟

 

ثالثا : وإذا رأي الجامعيون أنفسهم معلمي تدريب هدفهم تخريج الطبيب والمهندس والمحامى والمربي المتقنين لصنعتهم دون الاهتمام بما يدينون به من فلسفة حياة أو ولاء أو أسلوب معيشة أو تحزب سياسي ؟ تاركين ذلك للتربية البيئية والبيئة والذوق الشخصي ؟ فالجواب هو أن على الجامعيين أن يصلحوا أنفسهم فهم صانعوا الولاء للمستقبل الأفضل هم المكلفون بحراسة نفوس الطلبة وإعدادها لغرس المستقبل، هم المكلفون بريّ إيمان الأمة بنفسها وبمستقبلها برعاية عقيدتها، فالجامعة حرم الأمة والإيمان قدس أقداس ذلك الحرم.

 

لهذه الأسباب لابد من توجيه الحساب إلى الجامعيين وإن تساءلنا لماذا الجامعيين في هذه الجامعة بالذات [أصل المقال كان كلمة ألقيت على أساتذة جامعة اليرموك] فلأننا على عكس ما قاله المثل العامي إذ نخاطب الكنه تود لو تسمع الجارة، فالكلام موجه لجميع الجامعيين في الأمة الإسلامية، وإذ استهدف الجامعيون في جامعة اليرموك في هذا الحديث فمن حقهم أن يفخروا بأنهم طليعة الواعين ورواد المبادرين هم أصحاب الخطوط الأمامية لهم وحدهم شرف شن الغارة الأول.

والكلام موجه بصورة خاصة إلى الجامعات الجديدة وجامعة اليرموك إحداها وذلك لأنه يجدر بها الاستفادة من خبرات أخواتها فالظاهر أن الجامعات الجديدة بالرغم من حداثتها وتحررها من البيروقراطية والمصالح المتراسبة لن تستفيد وابتدأت من حيث ما وصلت إليه الجامعات القديمة.

فلنحاسب الجامعيين ولنحاسبهم على ما قدموه لحل مشاكل أربع هي سبب تأخر المسلمين وانحطاطهم:

 

(1)  الاستغراب :

وهل الاستغراب مشكلة ؟ ألا يجدر بنا أن ننفتح على الحضارات الأخرى ونأخذ النافع منها ؟ وهل في العلم والحقيقة شرق وغرب أو إسلام وكفر ؟ أم العلم علم يستخدمه الفاضل للطيب ويستخدمه الفاسق للخبيث ؟ ألا يعود تأخرنا إلى نقصنا في العلوم بقسط كبير ؟ وان امتنعنا عن اخذ العلم عن الغرب فمن أين نحصل عليه ؟ هكذا يكون المستغربون منا لكن الإسلاميين يوقنون أن حضارتنا الإسلامية مفتوحة غير مغلقة ولاشك أننا مكلفون بتحصيل العلم أني وجد والاستفادة منه في تعزيز الأمة وتنمية مواردها وازدهارها فقد حثنا الله تعالى على العلم وتلقيه وفضل الذين يعملون عن الذين لا يعملون وفرض رسول الله صلي الله عليه وسلم طلب العلم على كل مسلم ومسلمة من المهد إلى اللحد ، ودل على أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أني وجدها وما من دين ولا ثقافة في الدنيا رفعت شان العلم والتعلم وحث الناس علي طلبة كما فعل الإسلام.

إلا أن لطلب العلم آداب لابد من مراعاتها ولنقل العلوم عن الأعداء شروط لابد من تحقيقها أولها إتقان العلم والهيمنة عليه أي الإلمام التام والتفهم الكامل بكل ناحية من نواحيه فالتعرف السطحي لا يكفى ولا يغني والاكتفاء به جرم على المسلم الذي يطلب العلم عند الغرب أن ينفذ إلى كافة الحقول والمكامن ويحيط بتاريخ العلم ومنجزاته ويدرك منهجه النظرية ومسالكه العلمية ويعرف مشاكله وآماله حتى يقف على نشأته وحاجاته وإمكانياته وعليه أن يعي على انه من حيث طلبه لذلك العلم عند الغرب مبعوث الأمة بأثرها إلى أمة أخري لنيل ما حصل عليه من علم وحكمة وان بعثته لم تحقق هدفها إلا باستيلائه على كافة نواحي العلم والتمكن منه والهيمنة المطلقة عليه أن يعرف كل ما توفر لدي أساتذته في ذلك العلم ويقف على آخر تطوراته ويدرك منهجه تمام الإدراك بل يجب عليه أن يعي كل ما حققه ذلك العلم في الغرب وما سيحققه لينقله إلى أبناء الأمة ويعمل على إنماؤه وتطويره بحيث يخطو به للأمام متفوقا على الغرب وأساتذته الذين نهل العلم عنهم فيكون الطالب أو الجيل المبعوث آخر من تحتاج الأمة إلى ابتعاثه لهذا الغرض إذ يكفيها بعلمه وبتعليمه لأبنائها ويعدهم للتفوق على أعدائها وأصدقائها فلا يجوز للمسلم المبتعث الحصول الجزئي  يؤدي إلي كل ذلك أن التحصيل الجزئي يؤدي إلي اعتماد الأمة علي العدو وعدم الاستغناء عنه فكلما احتاجت الأمة إلي ذلك العلم اضطرت إلى ابتعاث أبنائها من جديد أو استيراد الكفاءات الأجنبية وهذه هي التبعية البغيضة التي يجب على الأمة التحصل منها فإذا كانت الأمة ضعيفة متأخرة جاهلة بذلك العلم وابتعثت أبناءها لتحصيله كان واجبا ضروريا عليهم أن لا ينهضوا بها ويشيدوا صرح ذلك العلم فيها وهذا لا يتم إلا بالتحصيل الكلي والهيمنة على العلم بكامله.

 

ولكي يقوم بهذا المعني من الابتعاث في طلب العلم يجب أن يكون الطالب ذا رسالة يكرس لها الجهد والحياة في مثل هذا الطلب الكلي للعلم يجب عليه أن يعي دوره تماما كآخر المبتعثين كناقل الشعلة التي تؤجج نارا لا تطفأ، ولا تحتاج لسعلة أخرى بعدها أبدا، لذلك فانه لن يكتفي بأخذ الدروس اللازمة للتخرج فحسب بل يتعدى متطلبات التخرج ويأخذ كل ما في جامعته بل والجامعات الأخرى من دروس في ذلك العلم، وإذا اخذ درسا فليس قصده الحصول على العلامة الناجحة فحسب، بل الإحاطة بكل ما في تلك المسافات من مواد وعلم مما يقدمه الأساتذة ومما لا يقدمون للطلبة بل يعملون على تثبيته وتنميته في مختبراتهم ومكاتبهم الخاصة.

 

إلا أن مبعوثينا لا يستحقون الابتعاث. فهم أولا ليسوا أصحاب رسالة ولا يعون أنهم في ابتعاثهم يمثلون أمة تطلب العلم وتلح على التمكن منه والإبداع فيه، وإذا وعوا فهم غير مستعدين لاستيعاب كل ما في ذلك العلم والهيمنة عليه. نحن نبعث من لا يطلب العلم لوجه الله بل لمنفعة شخصية مادية مؤقتة، فلا حافز لديه لاستيعاب العلم كله ولا وازع عنده إذا تبين له أنه يمكنه التخرج ونيل الشهادة وتحقيق منفعته التي جاء من أجلها دون ذلك الاستيعاب، هذا كله على فرض أننا لا نبتعث إلا الأذكياء العباقرة .

 

وإذا تخرج هذا المبتعث وعاد إلى الوطن ووظف في هيئة تدريس جامعية خرّج الطلبة على شاكلته. إن فاقد الشيء لا يعطيه، وهو بالطبع لا يقرأ بعد تخرجه إلا ما قرأ قبله، لأنه لم يكن يجاري العلم في تقدمه، لذلك يتخرج طلاب ذلك الأستاذ لا يعرفون العلم إلا قليلا ولا ينشدون الهيمنة، عليه بل شانهم كشأن أستاذهم يأخذون عنه عدم إخلاصه للعلم، وعدم إخلاصه للأمة التي ابتعثته، وهؤلاء إذ يبتعثون لطلب العلم في الخارج قاموا بما قام به أستاذهم أو أقل درجة، وهكذا دواليك، وتعجز الأمة عن تثبيت العلم في ربوعها وعن الاستغناء عن الغرب والاعتماد عليه وتبقى تابعة له مقلدة لعلمه تقليدا ناقصا لا يغنى.

 

فلا يجوز للمسلم المبتعث الحصول الجزئي، أو عدم الهيمنة على العلم المبتعث لأجله ككل،  ذلك أن التحصيل الجزئي يؤدي إلى اعتماد الأمة على العدو وعدم الاستغناء عنه، فكلما احتاجت الأمة إلى ذلك العلم اضطرت إلى ابتعاث أبنائها من جديد أو استيراد الكفاءات الأجنبية، وهذه هي التبعية البغيضة التي يجب على الأمة التخلص منها. فإذا كانت الأمة ضعيفة متأخرة جاهلة بذلك العلم وابتعثت أبناؤها لتحصيله كان واجبا ضروريا عليهم أن لا يحولوا ضعفها وجهلها إلى تبعية، بل أن ينهضوا بها ويشيدوا صرح ذلك العلم فيها. وهذا لا يتم إلا بالتحصيل الكلي والهيمنة على العلم بكامله.

 

والغريب في الأمر أن العرب باشروا في ابتعاث أبنائهم للدراسة في الغرب منذ أوائل القرن التاسع عشر وبعد حملة نابليون بالذات، وقد مضت عليهم سنين طويلة وهم يقذفون بأبنائهم إلى الغرب جيلا بعد جيل دون الاكتفاء بما نقلوه من الغرب ودون فلاحهم في زرع العلم في ربوعهم أو تنميته بشكل يثبت أي تفوق لهم فيه، فان دلت جامعاتهم وكلياتهم ومكتباتهم على شيء فهي تدل اليوم على انحطاط المستوي العلمي عندهم وافتقارهم إلى الكتب والمراجع أين هي الجامعة في الدول الإسلامية التي أنشأت أي قسم أو برنامج دراسات يعادل أو يقارب ما هو متوفر في ألف جامعة وجامعة في الغرب في ما يخص العلوم الحديثة ؟

 

ألم يسمع المسلمون بأن روسيا واليابان والصين كانت إلى أواسط القرن التاسع عشر توصف بما توصف به أمتنا من جهل وتأخر ؟ وأن كلا منها اكتفي بعد جيل من المبتعثين عادوا إلي بلادهم وزرعوا العلم الجديد وأتقنوا ؟ بل إنهم تفوقوا فيه على الغرب وجامعاته؟ فإذا استطاعت روسيا القيصرية التي كانت تعيش في قرون مظلمة حقا وإذا استطاعت اليابان التي كانت تعيش عيشة بدائية وتعتبر من حيث الحضارة والثقافة عالة على الصين وإذا استطاعت الصين التي كانت مستعمرة إلى عهد قريب جدا وبها من السكان بليون من البشر بكل ما يحيط بهم من مشاكل، ولها أبجدية فيها أربعون ألف حرف، إذا استطاعت روسيا واليابان والصين أن تقيم فيها العلوم الحديثة مستغنية عن الغرب فلم لا يستطيع المسلمون ؟ أإلا يستحي الجامعيون أن يتقدم العالم وتتقدم الأمم المتخلفة وهم لا يتقدمون ؟ وهل يجوز للجامعيين اتهام حكامهم ورؤسائهم وتحويل اللوم إليهم بدل أنفسهم ؟

 

(2) الازدواجية :

منذ أن باشر الاستعمار إدارته لبلادنا وضع نظاما جديدا لتعليم أبنائنا منقولا عما عرفه في وطنه، ومتطورا ليلائم مقاصده الهادمة لثقافة الأمة والمقسمة لوحدتها والمفسدة لعروتها الوثقى، وأغدق الاستعمار وأذنابه العطاء على هذا النظام المستورد والعناية به وجعلوه منافسا للنظام التربوي الإسلامي الذي حرموه من العطاء والنمو، وأقصوه عن الحياة العامة وجاء الاستقلال بعد الاستعمار فتبعت قياداتنا الاستعمار بعد زواله ومنحت كل التيسيرات والتوسع للنظام الغربي، فكاد يصبح نظام الأمة الوحيد تقلص النظام الإسلامي وبقي على تأخره وعدم فاعليته وكاد إهمال الأمة له أن يقضي عليه.

 

تخرجت أجيال من كلا النظامين لكن كلا الفريقين ممسوخان : أناس متخصصون في العلوم الحديثة لا يعون هويتهم ويجهلون تراثهم، ولا رؤية حضارية لهم، فهم في ضياع، وأناس متخصصون في العلوم الإسلامية المقتصرة على الدراسات الفقهية لا يعرفون من العلوم الحديثة شيئا ويجهلون العالم الحديث ومشاكله رغم معيشتهم فيه ومعاناتهم لمشاكله، يشبه الفريق الثاني الكهنة الذين لا يعرفون إلا طقوس الدين وممارساته بأضيق معانيها ويشبه الفريق الأول الكاريكاتير والمماسيخ الذين لا هم عرب ولا عجم لا إسلاميون ولا غربيون.

 

بل تغير مفهومنا للإصلاح التربوي إلى الأسوأ وقمنا بإصلاح الأزهر بإضافة الكليات الجديدة ومساقات العلم الحديثة إليه لا بتنمية أو إصلاح الدراسات الإسلامية فيه فأدخلنا الازدواجية إلى كلياته وبرامجه وذلك أسوأ شرا من ازدواجية تواجد الأزهر والجامعات الغربية في ربوعنا، ولم نفلح بهذه ولا بتلك، بل أضعنا التربية الإسلامية وذلك بتضييق مكانتها في برامج الدراسة ووحدنا المدارس الأزهرية بالمدارس العامة فقضينا على تفوق الأولي باللغة العربية والدراسة القرآنية ولم نقو الثانية.

أوجدت الازدواجية تباينا بل هوة بين رجال الأمة: بين من اضطلع بالرؤية والتراث الإسلاميين ومن استغرب رؤية أو فكراً أو طباعا، والمستغربون لا يقوون على مخاطبة الأمة فهم بعيدون كل البعد عن ضميرها وإحساسها وتطلعاتها، ولا ثقة لها بهم ، وهذا مما يجعلهم يمعنون في استغلالها والتعامل معها على أساس من الانتهازية والمنفعة، مما يزيد طينتهم بله أما الإسلاميون فلديهم الإيمان وثقة الأمة لكنهم يعوزهم الإلمام بالعالم الحديث بمشاكل الأمة والعالم من حولها، وهم إذ لا تنسيق لفكرهم يتخبطون كلما تكلموا في هذه الأمور، والأمة حيري تدرك نقص الفريقين ولا تولي قيادتها لأي منهما وذلك مع ميلها الطبيعي إلى الإسلاميين.

 

ولا حل للازدواجية إلا في الجامعة، فالجامعة فقط هي الحافظة والمربية والمعلمة، هي وحدها التي تستطيع إزالة الازدواجية في الأمة بإزالتها من التعليم والتعليم اختصاصها، فما عليها إلا أن تحسن تعليمها للناس وذلك بتعليمهم التراث الإسلامي وتوعيتهم حضاريا وتمكينهم من العلوم الحديثة ومشاكل الأمة من منظور الإسلام، فيتخرجون موحدي الشخصية متواصلين مع سلفهم، موالين لدينهم ومتفاعلين مع عصرهم، والأمة جاهزة للتجاوب مع مثل هؤلاء الخريجين بل هي تتطلع إليهم لتوجيهها في محنتها الحاضرة.

 

لكن أين الجامعة التي نجحت في إزالة الازدواجية ؟ والتي وضعت خطه لإزالتها ؟ أو التي تعي المشكلة بجميع أبعادها ؟ نحن ننشئ جامعات دون أن نقيم فيها الدراسات الإسلامية؟ وندرس فيها العلوم الحديثة كما تلقيناها من مصادرها الغربية ، دون إتقان وإكمال ودون صهر لها في ثقافتنا الإسلامية، بل دون محاكاتها لمشاكلنا ومجتمعنا، نحن ننقلها إلى الطلبة بعلاتها وخصوصياتها الغربية، جاهلين أو متجاهلين أنها أقيمت واستندت على وقائع غربية وعنيت بمسائل غربية ووضعت حلولا متلائمة مع الثقافة والمجتمعات الغربية، وكذلك إن توسعنا في مدارسنا الإسلامية أو كليات الشريعة في جامعاتنا أوغلنا في الدراسات والمقارنات الفقهية وأمعنا في تناولنا للقرآن الكريم دون أن نتدبره وفى الحديث الشريف دون إدخاله في معالجة قضايانا الحديثة، فلذلك اتهمنا وفى اتهامنا شيء من الصحة بأننا لا نحاول التفقه بالدين من أجل الحياة، وكأن الإسلام دين يتنكر للحياة كالمسيحية والبوذية، ومما يزيد الازدواجية سقما ما تعانيه أمتنا من انقسام في تبعيتها للاتحاد السوفيتي والدول الغربية، تري أبناء الأمة يتتلمذون على أيدي الأمريكان والإنجليز والطليان والفرنسيين والألمان وغيرهم من دول المغرب كما يتتلمذون على أيدي الروس والألمان والشيوعيين والصينيين وغيرهم من الأمم الأعضاء في المعسكر الشرقي، وتراهم أيضا آخذين في التتلمذ على أيدي الهنود والباكستانيين والاستراليين والمالويين مما يفتت قيادة هذه الأمة شر تفتيت، فالمسلمون يرجعون إلى أوطانهم يحملون وجهات النظر وعادات الأمم التي درسوا فيها ويدافعون عنها بولاء يفوق ولاء تلك الأمم. هذه الازدواجية المقيتة التي نعيشها اليوم ميعت شخصيتنا وأودت بصحتها وسلامتها وتماسكها كشخصية حي صانعة للتاريخ، وقد أصبحنا موضع سخرية الأمم كافة. ألا يستحي جامعيونا من استمرار هذا الوضع السقيم ؟

 

(3)  التقطيب (القطبية/الاستقطاب)

من آفات الاستغراب والازدواجية أننا ابتلينا بما ابتلي به الغرب الذي نقلنا عنه (وإن ورثنا عن أسلافنا شيئا من هذا من جراء ممارستهم للتصرف الغالب) فاستغرابنا عمّق التقطيب وأوسع رقعته إلى أن شكل في جامعاتنا أمراضا تفسد علينا مساعينا:

1-              تقطيب الدين مقابل الحياة

 

ذكرنا أن الاستغراب والازدواجية أبعدا الفكر الإسلامي عن محاكاة العصر الحديث كما أبعدا الفكر الحديث عن الانتفاع بالفكر الإسلامي وإثرائه وتمكنه من الهيمنة على المكونات الرئيسية لمصير الأمة وكينونتها، لكن حياتنا الجامعية اليوم لا تعرف شيئا من الممارسة الدينية، وهي تميل عنه كل الميل إلى علمانية شاملة لكل شيء، فالإضافة إلى تباين الفكرين الغربي والإسلامي استحكم التقطيب في جامعاتنا فأصبحت الممارسة الدينية قليلة ممتهنة، لا تعطى حقها لا في المكان (فقلما تجد مسجدا يقع من أي حرم جامعي موقع القلب) ولا في الزمان (إذ لا تجد جامعة واحدة في العالم الإسلامي كله أقامت برامجها على جدول الإسلام الزمني) فالدراسة تبدأ في الثامنة بدل الفجر الذي تعد صلاته بداية المبتدئ ولا تتوقف تماما عند صلوات الظهر والعصر كما أنها لا تستمر بعد صلاة الجمعة كما أمر الله تعالى، ولا تنتظم أيام الأسبوع السبعة ولا أشهر السنة الإثنى عشر، وقد اقتبسنا جدول الغرب وتبعناه كالخراف دون وعي مع ما فيه من هدر لطاقات شباب الأمة، وليست العطلة الصيفية من الإسلام بشي وليس النوم بعد الفجر من الإسلام بشيء. نسمع في جامعاتنا كثيرا عن العلم والتعلم وعن العمل والترقي علي السلم الاقتصادي والسلم الاجتماعي وقلما نسمع عن طلب مرضاة الله في ما نطلب من نصيب الدنيا، أو عن مطالبة الضمير الإسلامي بالتيقظ والتكلم في كل ما نحن فيه، فالإسلام دين شامل لجميع أمور الحياة لكن أين الجامعة التي تضعه فعلا في مقدمه فكر الأستاذ والطالب وتجعله محور حياتها الجامعية، فإذا تقطب الدين علي الحياة في الجامعة هل من غرابة إذا تقطب عن الحياة خارجها ؟

 

2- تقطيب الأخلاق والتعليم

نقلنا عن الغرب فكرة أن العلم والتعليم شيء والأخلاق شيء آخر، يدافع الغرب عن تخصص الجامعة بالعلم والتعليم وإبعاده للأخلاق عنها بأن عملية اكتشاف الحقيقة وتثبيتها عملية مجردة عن الأخلاق، وأنها تفسد أن دخلتها الأخلاق كعنصر بحث، فالذي يدور في المختبر الدراسي فكر نظري محض لا يتغير بانحطاط المختبر الأخلاقي أو سموه، كما أن غاية الجامعة وأستاذها التعليم أي بث هذه الحقائق المجردة لا إصلاح الناس، فالتعليم والإصلاح عمليتان تخصصيتان منفصلتان عن بعضهما البعض تمام الانفصال، للتعليم رجاله وهم الأساتذة الجامعيون وللإصلاح رجاله وهم الأولياء ورجال الدين.

 

نشأت فكرة التقطيب بين الأخلاق والعلم في الغرب في القرن الماضي وإن كانت جذورها تمتد إلى عصر الإصلاح الديني، وكان قصدها تحرير الجامعة والتعليم كله من نفوذ الكنيسة، وكان هذا النفوذ المنقطع الجاهل الذي فرض على العلماء ما احتوته تعاليم الكنيسة والكتاب المقدس من خرافات وأساطير سببا في قيام الثورة الإصلاحية التي حطمت سلطة الكلتى حطمت سلطة الطنيسة المقدس من خرافات واساطير سببا فى قيام ا احتوته ياء ورجال الدين

نيسة وفرضت عليها التزام الجانب الطقسي من الحياة، وتسليم قيادات ميادين الحياة الآخرة إلى أهلها، وأعقبت ثورة الإصلاح الديني الثورة الفرنسية فأكملت ما أنجزته الأولى في الحقول السياسية والاقتصادية ، وفي القرن الماضي سارت الثورة علي الكنيسة خطوة أخري فأبعدت نفوذها عن العلوم الإنسانية والاجتماعية فضلا عن العلوم الطبيعية المتحررة من قبل. فالكنيسة كانت تضع الرجال موضع الله وتدعي أنهم يتكلمون باسمه ونيابة عنه -تعالي عما يصفون- وبالإضافة إلى الافتراء على الله تعالي كان للكنيسة أجهزة تطبق تعاليمها المزعومة وكانت لها سلطات سياسية واقتصادية واجتماعية تمكنها من هذا التطبيق، أفإن كانت تعاليمها تمزج الطيب بالخبيث فإنه من حق الناس الثورة عليها، أما نحن المسلمون فليس عندنا كنيسة ولا حاجة لنا في مشاركتهم في ثورتهم.

 

وقال الغربيون أن العلوم كلها ماعدا الإنسانيات وهي لم تحظ منهم بلقب علم موضوعية لا علاقة لها بالإرادة الإنسانية، وأنها تعتمد على البرهان الحسي والدليل القاطع فقط، أما الأخلاق ففي نظرهم أنها لا تعتمد على الحقائق بل على الإرادة والإيمان الديني، وكلهما عرفيان لا يقومان على دليل، وادعي الغربيون أن بين التعليم والدعوة فجوة لا يمكن سدها، وكان هذا موقف الغرب حتى الحرب العالمية الأولي .

 

وقد اكتشف الغرب خطأ هذا بعد الحرب إذ أثبتت الفلسفة أن ليس هنالك إدراك نظري وإدراك عملي أو أخلاقي منفصل عنه، بل الإدراكان متصلان واقعان في نفس الوقت، وبخصوص المدرك الواحد نفسه ليس هنالك إدراكان بل إدراك واحد له ناحيتان نتبينهما بعملية تحريرية يقوم بها العقل، واستخلص من هذا أن كل تعليم دعوة ، سواء كان في العلوم الطبيعية أو الرياضيات أو الإنسانيات، إلا أن الدعوة والإرادة مكشوفتان في الأخيرة، ومكنونتان في الأولي والثانية، لكن ميل الغرب إلي التشكك وإمعانه فيه كمبدأ مطلق أدى إلي إهمال الإنسانيات وإغفال الناحية القبيحة أو الأخلاقية في العلوم الأخرى، مكتفيا بتعريف الطالب وإعلامه عنها لكنه أوغل في بحث النظرية الجديدة ووضع لها علما جديدا سماه علم اجتماع العلم أو Sociology Of Knowledge ، وعلى فرض أن هذا الذي يدعيه الغرب صحيح أليست حاجتنا شديدة لتقويم الأخلاق بيننا لإيقاف التدهور الأخلاقي المتفشي في مجتمعاتنا ؟ أليس همنا الأكبر بناء الأمة من جديد فهل يجوز للجامعيين أن يتعاطوا العلم دون التعرض للأخلاق سواء كانوا أساتذة أم طلابا ؟

 

ومن ناحية نظرية نحن لا ندين التشكك المطلق، بل نري أن الأخلاق وان لزمت كل ألوان المعرفة فهي خاضعة للبرهان القطعي والتعقل والتثبت تماما كالحقائق والنظريات الطبيعية، ولا يمكن لنا اعتبارها إرادية محضة أو عرفية كما يدعي الغرب، فهو اعتبرها كذلك لأنها جاءته عن طريق الكنيسة ذات السلطة العرفية أما نحن فقد جاءتنا الأخلاق عن ديننا وهو دين العقلانية والبرهان والدليل والحكمة. لكن أين جامعاتنا التي وضعت التنشئة الأخلاقية جنبا إلى جنب التعليم النظري؟ أين هي برامجها التي تثبت ذلك ؟ وأين أخلاق الأستاذ والطالب من سلم أولوياتها ؟

 

3- تقطيب الفكر مقابل العمل :

وآفة أخري من آفات الاستغراب والازدواجية أن العلم المنقول من الأجانب وهو نابع من صميم مجتمعهم لمعالجة مشاكله لا ينطبق على مجتمعنا وعينا ذلك أو لم نعه،  وطالما إننا لا نعي هذه الحقيقة في معظم الأحيان ظنا منا أن العلم موضوعي منطبق على من في الأرض ومن في السماء كما ادعي الغربيون في غلوهم وضلالهم،  وتعلمنا العلم المنقول دون ما نحاول تطبيقه على واقعنا، نتعلمه كالببغاء وسبق أننا أمعنا في التأمل وغلونا فيه تحت تأثير التصوف فأسرفنا في وصف المثال والخير المطلق في كل باب دون الاهتمام بالواقع المخالف، ولعل عدم اهتمامنا فيما مضي بالواقع المخالف لاسيما في عالم السياسة وعالم الطبيعة حيث أهملنا طغيان السلاطين وحيث تهربنا من نواميس الطبيعة إلى خيال الكيمياء السحرية هربا منه وضعفا في شخصيتنا، فجاء الاستغراب بعلومه المنقولة يعزز الضعف ويرسخه ويريده ضعفا.

وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة في جامعاتنا فهي بحكم اللازمة بين طلابنا الذين يدرسون في الخارج، فبحكم تتلمذهم على الأساتذة الأجانب وفي الجامعات الأجنبية يتناولون بحث مشاكل الغرب في أطروحاتهم،  وذلك لتوافر وسائل البحث وتشجيع الأساتذة من جهة أخري، وإذا تناولوا موضوعا لأبحاثهم مسائل العالم الإسلامي كان ذلك أسوأ أثرا لخضوعهم لتوجهات أساتذتهم الأجانب ولإقناعهم وتمسكهم بهذه التوجهات وعلي كل حال فالعالم الإسلامي دائما هو الخاسر.

 

4- تقطيبات الغرب

غالبا ما نشاهد في جامعاتنا انفصالا يكاد يكون تاما بين الجامعة والمجتمع فالجامعة عندنا مركز التعالي على المجتمع، إذ ينظر الجامعيون أساتذة وطلبة إلى المجتمع من علٍ ظنا منهم أنهم أفضل منه واقدر برغد العيش وأقرب منه إلى التفرنج، وما من جامعة في بلادنا تعتبر نفسها امتدادا للمجتمع قائمة لخدمته فالجامعات عندنا لا تفتح أبوابها للمجتمع ولا تقيم البرامج التي يستطيع أعضاؤه المشاركة فيها، وطبعا هي لا تريد أن تعرف حاجات المجتمع فالأبواب بينها وبينه مقفلة ، كما أن الأستاذ مفصول كل الفصل عن الطلبة، فالأستاذ والطالب قطبان لا يجتمعان إلا في قاعة المحاضرة ولا يتفاعلان، الأستاذ يحضر أو يملي والطالب يستقبل المادة ليتقيأها يوم الامتحان، لا يعرف الأستاذ طلبته شخصيا فهو لا يقوى على ذلك لكثرتهم الهائلة، وهو إن استطاع تقاعس تعظيما لنفسه عليهم، أين الأستاذ الذي يدعو طلبته إلى بيته ويزورهم في بيوتهم ويهتم بأمورهم التربوية وغيرها ؟ وأين الأستاذ الذي لا يفرح بالانتهاء من إلقاء محاضرته عليهم ؟ وأين الأستاذ الذي يرضي أن يلبس تلميذه عمته الأكاديمية ويتحدث بلسانه كما كان يفعل الطلبة المسلمون المجازون من قبل شيوخهم في العصور السالفة حيث توثقت صلة الطالب بشيخه واقتنع الشيخ بأن عقله وعقل طالبه يعملان على شاكلة واحدة ؟ كم من أساتذتنا يرضون اليوم بتحمل المسئولية إذا تحدث تلامذتهم في أي موضوع ؟ بل في موضوع تخصصهم ؟ وكم من يرضون اليوم بتحمل المسئولية إذا ظهر تلامذتهم وسلكوا مسالكهم في المجتمع ؟ ألا يحاسب الجامعيون على هذه القطبيات التي تفسد الجامعة وتفسد المجتمع وتفسد التعليم نفسه.

 

(4)  الرسالة :

وأخيرا وليس آخرا، تعاني جامعاتنا نقصا مريعا في الوعي الرسالي، وهو نقص يعاب الجامعيون عليه لأنه من صنعهم ، فالجامعة عندنا ليست جامعة تربوية بل معهد تدريب يدخله الطالب سعيا وراء مهنة يتعاطاها ويترزق منها، و الأنكي من ذلك أن الجامعة عندنا ليست معهدا لتدريب ما تحتاجه الأمة من مهارات وكفاءات بل هي تدرب وتخرج العقول لتتسرب إلى الخارج وتعمل في خدمة الغير، وكأنها موكلة بقطع الأبناء عن الأمة والحيلولة دون انخراطهم فيها .

 

ويناقض هذا النقص حقيقتنا التاريخية وهي أننا أمة ذات رسالة سماوية، فنحن نؤمن بأننا على عهد مع الله سبحانه وتعالى مكلفون بأمره للقيام بدور محوري في التاريخ استخلفنا الله في الأرض ، كي نقيم دينه ونعمرها بذلك ونزيدها خيرا على خير وجمالا على جمال، فنحن لا نعيش لأنفسنا بل لله قائمين بما عقدناه مع رسوله صلى الله عليه وسلم  من طاعة وإحسان وعمل، رسالتنا هي تحقيق الحق وبيان سنن الله في خلقه التي لا تبديل لها، وعجن العالم وهندسته حسب ما تمليه سنن الله الخلقية، همنا إعمار الأرض وازدهارها وذلك بملئها عمرانا وثقافة وحضارة، كما نؤمن بمسئوليتنا وحتمية حسابنا يوم القيامة،  وقد سلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم الرسالة بعد أن بينها ووضحها وحققها في سيرته الكريمة واستأمنا عليها فكيف لا نرعاها ؟

 

فان كان للرسالة معبد هي قدس القداسة فذلك المعبد هو الجامعة لكن أين جامعيونا من هذا الوعي الرسالي؟ وأين هم من القيام بأعبائه ؟ أو ليست الرسالة مجرد كلام إن لم  يضطلع بأعبائها الجامعيون ؟ أو ليست الرسالة أضغاث أحلام إن لم يعبئ الجامعيون قوى بشرية قادرة على تنفيذها ؟ ألا تكون الرسالة أسطورة الأولين إن لم يقوم الجامعيون بمحاكاة العصر الحديث من خلالها وتفتيح طاقاتها علي العطاء الحضاري في كل آن ؟ أليس ولاؤهم المزعوم لها حشوا مقيما إن لم يبينوا للناس صلتها بكل واقع وحديث ؟ إن لم يضرموا نارها في القلوب ويقيموا تحقيقها علي التعبئة العامة والتنظيم ؟ فأين الجامعيون من الرسالة المحمدية ؟ كم منهم أعد نفسه لتحمل عبئها بأبعاده الحضارية والعالمية ؟

وان لم تكن الرسالة هم حياتهم ومماتهم وفحوى عملهم وغاية تعلمهم فهل هم جديرون بحمل لقب "الجامعين" ؟ وهل من يحاسبهم في ذلك كله الحساب الذي يستحقونه ؟

 

اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا.

 


Web Hosting · Blog · Guestbooks · Message Forums · Mailing Lists
Easiest Website Builder ever! · Build your own toolbar · Free Talking Character · Email Marketing
powered by a free webtools company bravenet.com