|
|
|
|
بسم الله الرحمن
الرحيم
د. إبراهيم عبد الرحمن رجب
أستاذ السياسة الاجتماعية والتخطيط
الاجتماعي
بقسم الدراسات الاجتماعية – كلية الآداب –
جامعة الملك سعود بالرياض المملكة العربية السعودية
مقال نشر على مدى عددين من أعداد مجلة
الأسرة (الرياض) في العام 1422 هـ/2002
م
أولا : توصيف المشكلة وزوايا الرؤية
(1) أحوال
ومشاهدات
لو أن أحدنا سار في طريق مزدحم بالمركبات فوجد
شابا ينطلق بسيارته بسرعة غير عادية ،
وكأنها سهم أطلق على الرمية ، ولكنه مع ذلك أيضا يسير متعرجا ومتنقلا في سيره من كل
حارة من حارات الطريق إلى الأخرى دون
إنذار ، سواء وجد فرجة بين السيارات أو لم يجد ، وكلما أوشك على الاصطدام بغيره
وكان التخطي أقرب إلى حافة الهاوية ، و كلما لاحظ بطرف عينه الانزعاج باديا على
وجوه من يقودون السيارات الأخرى بدت على وجهه هو أمارات السرور والزهو ، كما لو
كان قائد جيش حقق انتصارا مؤزرا على أعداء أمة لا إله إلا الله ، رغم أنه على
الحقيقة إنسان غير مسؤول يهدد أرواح أبناء وطنه كما يعرض حياته هو للخطر ....
ولو
أن أحدنا رأى جماعة من الشباب في سيارة يتقافزون داخلها ويضجون ويتصايحون ، ويؤذون ركاب السيارات المارة والمشاة بعباراتهم
وهم يضحكون و يقهقهون ، ويريدون أن يشعروا من يراهم بأنهم في غاية السعادة والمرح
، وكأنهم قد علموا لتوهم أنهم قد كتبوا في سعداء الدارين (!) ، وقد انطلقت
الموسيقى الصاخبة أو الأغاني الأجنبية من
ستيريو السيارة الذي تم ضبطه لكي يقرع الآذان ويزلزل الأسماع ، رغم أنهم ومن عجب
قد لا يعرفون معاني تلك الكلمات الأجنبية التي تكون في كثير من الأحوال ذات طبيعة
متدنية وغير كريمة (وقد يعرفون) ، وكلما رأوا نظرات الامتعاض على وجوه راكبي
السيارات الأخرى لم يزدادوا إلا سرورا
وحبورا.....
ولو أن أحدنا سار بأهله لشراء بعض المطالب
المنزلية الضرورية ، فرأى بعض الشباب وقد اتخذوا مواقع استراتيجية في الأسواق ،
وأخذوا يلقون على مسامع المتسوقين بعباراتهم الفجة ، و يؤذونهم بمضايقاتهم الثقيلة
، وكأنهم يقومون بواجب وطني أو بمهمة مقدسة يؤجرون عليها ويثابون ... مع أن الواحد منهم لو رأى – لا قدر الله -- من
يتعرض لأهله هو في الأسواق لاستشاط غضبا ولظهرت عليه من أمارات النخوة والشهامة
مالم يكن ظاهرا عليه حال مشاركته لأقرانه في التعرض للغير ....
أقول
... أنه لو أن أحدنا شاهد شيئا مما وصفناه من أحوال بعض الشباب فإن رد الفعل
السريع والمباشر يكون الشعور بالضيق والغضب ، الممزوج بالشعور بالأسى والحسرة على
"ما آل إليه أمر الشباب" ، على أساس من الشعور بأن هؤلاء الشباب قد
تنكبوا الطريق المستقيم ، وأنهم بدلا من أن يشغلوا أوقاتهم بالأعمال النافعة في
دنياهم وأخراهم ليكونوا ذخرا للأوطان وليستعدوا للقاء الديان ، فإنهم قد صاروا
مصدرا للمشكلات بل والمخاطر ، لهم ولغيرهم من أهلهم وأبناء أمتهم ، وأنهم قد
"اختاروا" طريق الانحراف عن الجادة وكان بوسعهم أن "يختاروا"
أن يكونوا من أهل الجد والاستقامة.
(2) ظالمون
و أيضا مظلومون !!
وباختصار فإنه - في ضوء هذه الرؤية الأولية –
فإن الشباب يعتبرون دون أي تحفظ ظالمين
لأنفسهم ولغيرهم ، وهو حكم يصدر دون نقض ولا إبرام !... ورغم أن هذا النوع من
الاستجابة التلقائية تجاه مثل تلك السلوكيات السلبية التي تصدر عن تلك الفئة من
الشباب له بالطبع ما يبرره ، إلا أن النظرة العلمية المتوازنة للموقف تشير إلى أن
مثل هذا الحكم لا مناص من استئنافه ، على أساس أنه يترك جانبا مهما من الصورة دون
أن يأخذه كذلك في الاعتبار ، فهؤلاء الشباب -- بأغلبيتهم من أهل الاستقامة والصلاح
أو بالأقلية من ذوي السلوكيات المنحرفة -- إنما هم نتاج للنظام الاجتماعي كله
... ومن هنا فإن من الضروري أن يتم
التحقيق الدقيق في "الأسباب المجتمعية" التي قد تكون قد أدت في السنوات
الأخيرة إلى زيادة ملحوظة في مثل تلك السلوكيات غير المرغوبة ، في نفس الوقت الذي
يتم فيه من جهة أخرى فحص "الأسباب الشخصية" أو الأسباب الفردية التي
تؤدي على استمراء بعض الشباب المشاركة في مثل تلك السلوكيات... مما يشير على الفور
إلى احتمال أن يكون الشباب أيضا مظلومين وليسوا فقط ظالمين ، وهذا الأمر له خطورته
، لأن التشخيص "الصحيح" للمشكلات هو الطريق الوحيد المؤدي إلى سلوك السبل
الصحيحة لحل تلك المشكلات ومواجهتها
بطريقة فعالة تكاملية ، بدلا من المواجهات الجزئية والتسطيحية التي لا تغني فتيلا
في هذا المضمار.
(3) سنن
اجتماعية لا تتخلف
إن من الأمور المقررة في التحليل العلمي
للمجتمع أن التغير الاجتماعي والتكنولوجي السريع يصحبه عادة قصور في أداء النظم
الاجتماعية لوظائفها ، وهو ما يعرف في الاصطلاح العلمي بعملية التفكك الاجتماعي ،
ذلك أن تلك النظم الاجتماعية (كالنظام الأسري والنظام التعليمي والنظام الاقتصادي)
والتي كانت مهيأة بجدارة للقيام بوظائفها في الماضي تجد أنها تواجه بظروف جديدة
تحتاج وقتا لتكتسب القدرة على التعامل معها ، وفي هذه الفترة من الوقت التي
تحتاجها النظم الاجتماعية للتكيف مع الظروف المتغيرة تكون الفرصة مهيأة دائما
لوقوع الكثيرين من الناس في الصعوبات والمشكلات ... ولكن المجتمع الكفء هو المجتمع
القادر على الاستجابة بسرعة ومرونة لتلك المواقف المتغيرة مما يقلل من فرص الوقوع
في الانحراف إلى أقصى حد ، والمجتمع المسلم (الذي تتمثل فيه حقا خاصية كونه كالجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر) يملك مقومات مدهشة
للإحساس بالخطر ، والإنذار المبكر عند ظهور بوادر أي أعراض للمشكلات ، مع سهولة
الاتفاق بين الناس على حلول المشكلات انطلاقا من عقيدة واحدة وشريعة واحدة ، مما
يمكنه أكثر من غيره من سرعة
الاستجابة ، مما يؤدي بالتالي انخفاض
معدلات الضحايا ، والعكس صحيح ، فإن المجتمعات غير الإسلامية التي لا تملك مثل تلك المقومات التوحيدية
الرائعة (أو المجتمعات الإسلامية الأخرى التي تملك تلك المقومات ولكنها تأبى
تفعيلها) تستغرق تلك الفترة الانتقالية
فيها وقتا طويلا ، تتنافس فيها وتتصارع خلالها
الأفهام البشرية المتعددة دونما إطار رباني موحد يرجح بينها ، في محاولات للوصول
إلى اتفاق بشري (بطريقة ديمقراطية) على توصيف الموقف واختيار السياسات التي تتبع
في مواجهته ، وقد لا تفلح في ذلك أبدا ، و تنتهي غالبا إلى التوهم بأنه لا توجد
حلول ممكنة لتلك المشكلات الاجتماعية ، وأنها من الضرورات الملازمة للحياة الحديثة المعقدة ، بل وقد يتلقى
المشتغلون منا بالعلوم الاجتماعية توجهاتهم تلك بالتسليم والقبول (ولا حول ولا قوة
إلا بالله العظيم) رغم الاختلاف العظيم بيننا وبينهم فيما يتعلق بإمكانات الاتفاق
القيمي.
(4) الأسرة
ورياح (عواصف؟) التغيير
قلنا إذن أن التغير الاجتماعي والتكنولوجي السريع
يؤدي إلى قصور النظم الاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة ، ولبيان المقصود فإننا
سنختار كمثال نظاما واحدا لننظر فيما يفعله به التغير السريع من أفاعيل وهو النظام
الأسري ، ذلك أن النظام الأسري بالذات يحتل موقعا رئيسيا بالنسبة لقضايا الشباب
وما يتعلق بها ، ففي إطار الأسرة التقليدية كانت كل الإمكانات مهيأة لنجاح عمليات التنشئة
الاجتماعية والضبط الاجتماعي في تحقيق أهدافها في إطار الأسرة المستقرة ، فالتنشئة
الاجتماعية التي تستهدف غرس المعايير الاجتماعية
و القيم الاجتماعية و القيم
الدينية في صدور الناشئة لتصبح جزءا لايتجزأ من شخصياتهم كان يمكن أن تحقق
أهدافها تلك في نطاق القبيلة أو الأسرة الممتدة ، التي تضمن التفاعل الوثيق
والمنضبط والمأمون بين الأهل والأقارب من الكبار والصغار ، فيتوحد الأخيرون مع
الأولين ، ويتقمصون شخصياتهم و يتشربون بقيمهم وأعرافهم ، دون أن يكاد أحد أن يبذل
في سبيل ذلك جهدا مقصودا ، ودون أن تثور أمامهم مواقف تفتح الباب أمام معايير وقيم
مناقضة أو مناوئة ... ومن جهة أخرى فقد كانت إمكانات الانتقال المادي من مكان إلى
مكان ، وفرص الاتصال الصوتي أو المرئي بين
الناس محدودة أو معدومة ، مما كان يدعم التأثيرات المحلية ويقويها ويوحد بينها
نتيجة لوحدة مصادرها ، فينمو الشباب وهم في حالة من الاستقرار النفسي و السواء
السلوكي ، الذي يكاد ينتفي فيه الصراع الداخلي في الأنفس إلا قليلا.
ولكن التغيرات السريعة في العصر الحديث قد أتت
بظروف أخرى عاصفة ، أطاحت بالكثير من عوامل الاستقرار التقليدية التي وصفناها
سابقا ، فلقد بدأت متطلبات الأنشطة الاقتصادية الحديثة تترك آثارا عميقة على حركة
السكان وأنماط المعيشة الحضرية (سكنى المدن) ، فتقلصت الأسرة الممتدة التقليدية
حتى لتكاد تخلى الساحة للأسرة المكونة من الزوج والزوجة والأبناء القصر (الأسرة
النووية) ، وأصبح الزوج مشغولا بعمله و بمتطلبات تحقيق التقدم والترقي فيه ،
وأصبحت الزوجة التي قد تعمل خارج المنزل أيضا تشاطره نفس المسعى ، وتطالب بتحقيق
"طموحاتها" أيضا بمقتضى المساواة بين الرجال والنساء ، و قد أدى ذلك إلى
حرمان الأطفال من النماذج السوية والشخصيات المستقرة التي كانت تتيحها الأسرة
الممتدة متمثلة في شخصيات الأقربين من الجدود والأعمام والأخوال ، ناهيك عن أن
الأبوين أنفسهما قد صارا غائبين حاضرين ، لا يكاد الواحد منهما يجد فراغا من
المشاغل يكرسه للجلوس مع الأبناء و التفاعل معهم لأن أوقاتهم بالطبع ثمينة جدا ،
فيتم ترك الأطفال في (سوء؟) رعاية المربيات والخادمات الذين يكون التفاعل معهم
أكثر كثافة وعمقا منه مع الأبوين ، والنتيجة معروفة ولا تحتاج مزيدا من البيان.
أما
ثورة الاتصالات فقد أدخلت العالم كله إلى داخل المسكن ، العالم بقضه وقضيضه ، وعجه
وعجيجه ، وغثه وسمينه. والغث كثير ، والخبث كثير ، والأطفال في غضاضة الأعمار
يقضون الساعات أمام الشاشات دون مرشد أو موجه أو نذير ، فيتشربون معايير و قيما لا
تمت لحضارتهم ولا لعقيدتهم بأدنى نسب ، فتلتئم الصدور البريئة دون أن تدري على صديد
النزعات الغريبة والتوجهات المريضة التي يبثها إليهم أقوام ممن اتخذوا من أحط
الدوافع الإنسانية وسيلة لترويج بضاعتهم واجتذاب المستمعين والمشاهدين لإعلاناتهم
ودعاياتهم ، ولو كان الأبوان أحدهما أوكلاهما حاضرا ومشاركا أولاده في تلك
المشاهدة لاستطاع باستخدام طريقة
"المقاومة الإيجابية" توجيه الأطفال منذ نعومة أظفارهم لإصدار الأحكام
الصحيحة على ما يشاهدون ، فيبنون بذلك جهازهم المناعي الواعي ، والقادر على تبين
مواطن الخطر ومقاومتها على الفور ... غير أن أوقاتهم للأسف الشديد أثمن من ذلك !
ولكن
مشاعر الأمومة والأبوة الطبيعية لازالت بالطبع موجودة ولله الحمد ، فالأبوان
إذ يشعران بالذنب لعدم إعطاء الأبناء ما
يستحقونه من رعاية وحدب ، فإنهم يتجهون لإغداق الإنفاق المادي عليهم بغير حساب ،
فيسارعون بالاستجابة لكل ما يطلب الأبناء أو حتى لما لا يطلبونه ، فيزيدون الطين بِلّة
، لأن الأطفال يعتادون إجابة المطالب دون مقاومة ، و تضعف قدرتهم على ضبط أنفسهم ،
حتى إنهم ليبدأون في النظر لما في أيدي غيرهم واشتهائه ، وتلك بداية الانحراف
ومحركه الأول ، فالضبط الذاتي الداخلي قد توقف عن النمو إن (كان قد بدأ) رغم أنه
يعد أقوى أنواع الضبط الاجتماعي ، وإذا ضاع فلم يتبق هناك إلا الضبط الخارجي:
الأولي منه والثانوي ، ولكن الضبط الأولي (الذي يتم من خلال الأهل والأقربين وأهل
الحي والجوار والمعارف) وهو غير رسمي عادة
قد صار اليوم ضعيفا في المجتمعات الحضرية الحديثة (المدن بوجه خاص) لغيبة
الأهل والأقربين كما أوضحنا ، وأما الضبط الثانوي (الذي يتم من خلال الأجهزة
الرسمية كهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهات الشرطية) فمصدر ضعفه
الأساسي عدم القدرة على الضبط أو عدم جوازه في حالات الاستخفاء .
فلنتأمل
هذه الصورة مليا إذن ، لكي نحاول أن نتبين نوع شخصية شاب نشأ تحت تلك الظروف
المتغيرة بل العاصفة ، وهنا سنجد إنسانا يستحق الإشفاق بدل الحنق والكراهية ، فهو
إنسان قد ضيعه أهله أو شوهوا فرص التنشئة الاجتماعية السليمة أمامه ، فأصبحت
شخصيته غير متكاملة ولا ناضجة ، قيمه متنازعة ومتصارعة ، إرادته موزعة ، لا يشعر
بالاحترام لنفسه لما يعرف من نقاط ضعفه ، ولا يشعر أن الآخرين يحترمونه لما يرون
من مخالفاته وتجاوزاته وسوء تصرفه ، فيكون مشحونا بعواطف متنازعة ، فيتسم سلوكه
بالتخبط ، ولكنه إذ يرى أنه بمثل تلك السلوكيات الشاذة التي وصفنا يستطيع أن يلفت
اهتمام الناس إليه ، ويجبرهم على الاكتراث به ، وهو يرى أن في هذا اعترافا بوجوده –
صحيح أنه اعتراف إعراض وازورار وليس اعتراف تقدير وإكبار ، ولكنه عنده (وبطريقة
ملتوية) اعتراف على كل حال....
(5) ظالمون
لأنفسهم ؟
إن من يراجع الفقرة السابقة لا يملك إلا الشعور
بالرثاء لأولئك النفر من الشباب الذين أصابهم شرر ما أصاب المجتمعات الحديثة ، بل
وقد يتعاطف مع ظروفهم مع شدة الضيق بسلوكياتهم ،
إذ يراهم ضحايا لا يجوز مؤاخذتهم بأعمالهم ، ولكن هيهات ! إن مثل تلك
النظرة تقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الاستجابة التلقائية الأولية – ألا وهي
خاصية النظر الجزئي الذي يفتقر إلى التكامل ، لأنها هنا تتجاهل حقيقة أن المجتمع
يقدم حتى في أصعب الظروف مصادر وموارد أخرى للتوجيه والتنشئة والضبط في اتجاه قويم
، ولكن تلك الفئة من الشباب على الحقيقة تتجاهلها وتصم آذانها دون الاستفادة منها
، وهم من هذه الزاوية مسؤولون ... قد اغتروا بفتوتهم وقوتهم وممتلكات ذويهم وجاههم
، ونسوا أن للخلق حقوقا وللرب حقوقا ، وأن الحق لابد راجع يوما لأهله ...فيستمرئوا
الشهوات والمخالفات ، ويسخرون من الناصحين ، وقد يتجاوزون ذلك إلى إهانة من
يحاولون ردهم عن غيهم من الأهلين ، فهل يمكن والحال هذه إعفاؤهم من المسؤولية
وطرحها على الغير وحدهم ؟ إن الحق الذي لايمكن تجاهله أن هؤلاء على أنفسهم مسرفون
، وهم لأنفسهم ظالمون ، ولا أجد في شأن غفلتهم وتجاوزاتهم قولا مفصلا
أبرع من قول الإشبيلي يرحمه الله تعالى :
"ربما كان الرجل مبخوتا من أول عمره إلى
آخره ، فيولد في نعمة ويتربى في نعمة ، وينشأ في نعمة تمد عليه ظلالها ، وتطول من خلفه أذيالها، ... قد صار لوالديه دينا ودنيا ، فله يقومان
وله يقعدان ، وله يهتمان وله يجمعان ، وبعينيه ينظران وبأذنيه
يسمعان ، ثم يموتان ويسلمان له تلك النعمة بكمالها ، ويتركانها له على حالها ،لم
يسمع له فيها أنين ولا عرق
له فيها جبين ، فيبقى هو على ما كان عليه يمد
في تلك النعمة يديه ورجليه ، ويفتح لها عينيه وأذنيه ، فما شاء من لذة نال
في الحال ...، وكلما وصل إلى مطلوب نظر في غيره ، ولا يسمع إلا قوله ، ولا رأى إلا
عمله وفعله ، فإن ذكر بالتوبة أو خوف بالموت قال دعنا من هذا وحدثنا في
غير هذا ، هذه سنوات الصبا وأيام الشباب ، ومنازل اللذات ومرتع الأحباب ....
"كم فيهم من مجرر
ذيل إعجابه ، متطاول على أصحابه ، متعاظم
على أقرانه وأترابه ، ... إن بصر لا
يستبصر ، وإن أمر لا يأتمر ، وإن زجر لا
يكف ولا ينزجر ، لا يسمع إلا داعي الهوى ، ولا يستجيب إلا لمن إليه دعا ، يلهو
ويفرح ، ويمزح ويمرح، ويبيت من دنياه مثل ما
كان أصبح ، قد أبدأ في أمره وأعاد ...،
وأشاد من أمله ما أشاد ، حتى إذا نال مراده أو كاد ، صاحت به
المنية صيحة الغضبان ، وصدمته صدمة اللهفان ، فهدت أركانه وكسرت أعضانه ، وفرقت
أنصاره وأعوانه، فأصبح قد باع النفيس
بالدون ، وأعطى الثمين بالمثمون ، ومضى يعض بنانه المغبون لم يرح بنائل ، ولا حصل
على طائل ،
فنعوذ بالله من سوء الأقدار وسيء الاختيار ...
"ويتذكر
[المرء] ما كانوا عليه من جدة الجلباب ، ونضرة الإهاب ، وما كانوا يسحبونه من أردية الشباب ،
وأنهم كانوا في ظلال النعيم يتقلبون ، وعلى أسرة السرور يتكئون ، وبما شاءوا من
محابهم يتنعمون، وفي أمانيهم يقومون
ويقعدون ، لا يتحدثون بزوال ، ولا يهمون بانتقال ، ولا يخطر الموت لهم ببال ، قد
خدعتهم الدنيا بزخرفها ،
وخلبتهم برونقها ، وحدثتهم بأحاديثها الكاذبة ، ووعدتهم بمواعيدها المخلفة ، لم
تزل تقرب لهم بعيدها وترفع لهم
مشيدها
، وتلبسهم غضها وجديدها ، حتى إذا تمكنت منهم علائقها ...، وتكشفت لهم حقائقها
ورمقتهم من المنية
روامقها، فوثبت عليهم وثبة الحنق وأغصتهم
غصة الشرق ، وقتلتهم قتلة المختنق ،فكم عليهم من عيون باكية ، ودموع جارية
وخدود دامية ، وقلوب من الفرح والسرور لفقدهم خالية ، وانشدوا في هذا المعنى:
جر ذيل التيه والغي وقال من مثلي في الحي
لا ينثني عن خوف شيء ولا يسمع إلا داعي الغي
وبات من دنياه في مثل ما أصبح من
نشر ومن طي
حتى إذا ما نال أو كاد
أن ينال منها جرعة الري
صيح به في سربه صيحة ضعضع
منه كل ما شي
و أنفذ الأمر على رغمه وأنجز الوعد بلا لي
ولم يرح من ذاك إلا بما راح الذي يقبض في الفي
تبارك الله وسبحانه ما أقرب الموت من الحي
(6) تساؤلات
تحتاج جوابا
إذا
كان هذا هو حال هذا النفر من الشباب ، وكان هذا منطقهم الذي تنطق به ألسنتهم
وأعمالهم ، فهل يصح بعد هذا أن يخلى سبيلهم لعدم المسؤولية ؟ وهل يصح أن يحتج
بأنهم لا ناقة لهم ولا جمل فيما يفعلون ؟ وهل يمكن لنا أن نقوم بإدخال التغير
الاجتماعي وحده قفص الاتهام ؟ وهل يمكن
للمجتمعات الحديثة أن ترفض الاستفادة بالتطورات التكنولوجية والعلمية لما رأينا
أنه يكون لها من آثار جانبية؟ إن هذا
ينقلنا مباشرة إلى دائرة البحث عن الحلول الصحيحة المنطلقة من ذلك التحليل العلمي المتوازن ، والتي يمكن بعون
القدير أن نواجه بها تلك المشكلات ، ولكن المقام يضيق الآن عن الخوض في ذلك أو
توفيته حقه.
ثانيا: مفاتيح الحل لمواجهة مشكلات
الشباب
قد يتوقع بعض "العصريين" ممن يتعجلون النتائج و يفضلون الحلول
السريعة أن حل مشكلات الشباب (التي تعرضنا لتوصيفها وتشخيص أسبابها في مقال
سابق) إنما يتمثل في تقديم بعض
الوَصْفات سريعة (في زمن الوجبات
السريعة!) ، أو الوَصْفات الفورية (في زمن
القهوة الفورية !) .... وَصْـفات من نوع التوصية بتقديم المزيد من برامج رعاية
الشباب المألوفة التي توفر للشباب ألوانا من الأنشطة الرياضية والفنية والاجتماعية
التي لا يربطها رابط ، ولا تقوم على فكر متكامل واضح ينبثق من تحليل دقيق لمشكلات
الشباب وحاجاتهم ، وإنما تقوم على فكر لا يلتفت كثيرا "للصورة الأكبر"
التي أفرزت مشكلات الشباب والتي تؤثر على مسيرتهم ،متناسين أنه بالرغم من التنامي
المستمر في الإنفاق على مثل تلك البرامج إلا أن مشكلات الشباب في تزايد مستمر ،
مما يشير بكل وضوح إلى أن هناك أبعادا أكثر عمقا للمشكلة لا تطالها الجهود
المبذولة لرعاية الشباب.
ولَعَمري فإن تلك التوقعات المتسرعة الباحثة عن الحلول السهلة الجاهزة
لتُعَدُّ في ذاتها عَرَضًا من ضمن أعراض المشكلة التي نحن بصدد مواجهتها!
فالكثيرون منا قد أصبحوا اليوم ولا صبر لهم على النظر في أي قضية لتحليل أبعادها
بإمعان وبشكل متكامل ... مهما كانت خطورة تلك القضية وأيا كانت أهميتها ، وتلك في
الواقع سمة من سمات العصر "الحديث" التي أصبحنا نسلم بها تسليما وكأنها
قدر مقدور ... وكأن الجزئية والتفتيت و قِصَر النظر والعجلة وكأنها هي بعينها قد أصبحت فضائل العصر "الحديث" ...
ألسنا في عصر السرعة ؟! ألسنا في عصر التكنولوجيا ؟ إن كل شيء ممكن ! وبسهولة
الضغط على الأزرار ! ويفوت هؤلاء أن السرعة وتعجل النتائج أمور واردة بالفعل في
النواحي المادية والأداتية في الحياة ... ولكن لها حدودها فيما يتعلق بالأمور
المتصلة بالإنسان والمجتمع ، فللإنسان إيقاعه الخاص في استجابته للتغيرات التي
تتصل بشخصه ، والتي تتصل بالمجتمع كنسق مترابط الأجزاء أيضا ... فلكل من الإنسان
والمجتمع إيقاعه الخاص في الاستجابة النسقية للتغيرات الاجتماعية ، بل إن من
المسلم به في علوم المجتمع أن سرعة التغير حتى في تلك الجوانب المادية للثقافة
(الحضارة) خصوصا التغير التكنولوجي يترتب عليها بشكل مستمر ما يعرف علميا
"بالتفكك الاجتماعي" أو الانحلال الاجتماعي الذي يؤدي بدوره إلى
"المشكلات الاجتماعية" كما سبق أن ألمحنا ، ذلك أن الجوانب غير-المادية
للثقافة (كالمعايير والقيم) تحتاج وقتا أطول بكثير حتى تستطيع التعامل مع تلك
التغيرات المادية لتستجيب لها أو لتتكيف
معها ، و قد فصّل بعض المشتغلين بالعلوم الاجتماعية القول حول هذه الظاهرة في إطار
ما يعرف في الفكر الاجتماعي "بالفجوة الثقافية" أو الهوة الثقافية مما
يضيق النطاق هنا عن شرح جوانبه المتعددة.
(1) الصورة
الكبيرة: المجتمع المسلم و رؤى العصر "الحديث" !
والآن
وبعد هذا التحذير المبدئي من تعجُّل النتائج المفضي عادة إلى التسطيح في تناول
قضايا المجتمع ومشكلاته ، فإن الخطوة الأولى التي ينبغي لنا أن نتخذها الآن هي أن
ننظر في جوهر ما انتهينا إليه فيما سبق حول توصيف المشكلة وأسبابها ... لقد
انتهينا إلى أن هناك "أسبابا مجتمعية" وأسبابا "شخصية أو
فردية" لمشكلات الشباب ، و أوضحنا أن جذور المشكلة على الحقيقة لا تكمن في الشباب وحدهم ، ولا في الآباء وحدهم
، ولكنها تكمن إضافة إلى ذلك في طريقة استجابة "المجتمع" للمشكلة ،
ولطبيعة استجابة النظم الاجتماعية لمؤثرات عصر العولمة وثورة الاتصالات ... عصر ما
بعد-الحداثة أو الحداثة الثانية إن شئت .
فلقد أصبح الناس يعيشون
اليوم بأبدانهم على أرض أوطانهم ، ولكن عقولهم بل ومشاعرهم و وجداناتهم واتجاهاتهم
يوشك أن تتشكل تشكيلا بقوالب أتت من مصادر خارج تلك الأوطان ، سواء جاء التأثير
بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، فأما الطريق المباشر فقد انتبه الكثيرون اليوم
لخطورته و هو الطريق المتمثل في غزو أجهزة الإعلام والإعلان لفضائنا ، وما يترتب
على ذلك بشكل مباشر ومقصود من تشكيل أذواقنا وتحويلنا إلى مجتمعات من المستهلكين
لمصلحة شركات عابرة للقارات لا تألو لنا ولا لغيرنا إلاّ ولا ذمة ، ولا معبود لها
إلا الربح والمصلحة الذاتية ، ولسنا بحاجة
للوقوف طويلا عند هذا الجانب الآن وإن كنا نعود إليه فيما بعد في سياق الحديث عن
كيفية التعامل معه ... ولكن ما نريد التوقف عنده كثيرا هو الطريق غير المباشر
للتأثير في العقول والوجدان ، وأعني به "ثقافة العصر الحديث" التي تلف
عالم اليوم بردائها ، وتلقي عليه بظلالها
وأوهامها ، والتي تشكل رؤية الناس للوجود
، وتصف لهم كيف ينظمون مجتمعاتهم ومؤسساتهم في "العصر الحديث" ، والتي
تكاد تحدد للناس "ما ينبغي" عليهم أن يحبوه أو أن يكرهوه مما يحقق لهم
السعادة في زعمهم ... وفي سبيل ذلك يتم الترويج لأفكار ومذاهب تغرق الناس إغراقا
وتحيط بهم إحاطة تكاد تسلبهم ملكة النقد ، مما يوشك معه الناس أن يطرحوا جانبا
"الفطرة" السليمة التي هي بمثابة
"البوصلة" المهداة إليهم من خالقهم لتوجيههم في اتجاه الحق ... فترى الناس يتصرفون
ويسلكون سلوكا تنكره حتى الفطرة السليمة مما هو واضح الضرر لهم في دنياهم وأخراهم
، ومما يوشك الناس معه (والعياذ بالله) أن يطّرحوا هدى الله عز وجل المتمثل في
الشريعة الغراء الهادية لكل خير وراء
ظهورهم ظنا منهم بأن في دعاوى "الحداثة" تقدما و رقيا
يعجز عن مثله المسلمون.
ولكن ما هي حقيقة "العصر الحديث" الذي نعيش فيه ؟ وما هي طبيعة
"الحداثة" التي أفرزته ؟ ليست الحداثة كما قد يخطر للبعض هي فقط تلك
الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي ننعم اليوم بثمارها (و التي نصطلي أيضا
بمشكلاتها البيئية والإنسانية!) ... إن
الحداثة موقف فكري ورؤية محددة للعالم تعني أول ما تعني عند كبار المفكرين في
الغرب: القطيعة مع الكنيسة وبالتالي مع كل ما هو مقدس ، وإحلال الإنسان محل الله
(والعياذ بالله) ، والاكتفاء بالعقل بديلا عن الوحي موجها ومدبرا لحياة الناس ...
ومعلوم أن هذا الموقف الفكري ما جاء إلا نتيجة لظروف تاريخية خاصة بالمجتمعات
الأوربية ، تتمثل في الصراع المرير بين الكنيسة والعلماء في مطالع العصر الحديث
(مما يخرج تفصيله عن موضوعنا) ، ولكن هذا التوجه الفكري بانعكاساته المؤسسية
وتوجهاته الأخلاقية (وسوء الأخلاقية!) قد تم انتقاله من الحضارة الغربية الغالبة
إلى بقية شعوب الأرض ... أحيانا بوعي وأحيانا بجهل وبغير وعي ، وهذا هو بيت
القصيد، فماذا ورثنا من تلك التوجهات؟
لقد استمرت الحضارة الغربية في عبادة العقل و اتباع ما تهوى الأنفس ما يزيد
عن ثلاثة قرون ، فما الذي توصلت إليه ؟ يرى ألان تورين وهو أحد المفكرين الفرنسيين
البارزين أن العقلانية (عبادة العقل من دون الله على ما بينا) لم تحرر الإنسانية
من الخضوع للسلطة والقهر (الذي كانت الحداثة تظن أنه لا يتمثل فقط إلا في الكنيسة
وقهرها) بل إنها قد جاءتنا بسيد جديد أشد قهرا وقسوة يتمثل في الأمة والدولة ونظام
الإنتاج التي أصبحت مصادر لسلطة مطلقة تمارس نفوذها من خلال سيطرة النخب التحديثية
باسم "الصالح العام"، فضاع الإنسان وفقد ذاتيته ، وارتمى في أحضان
رغباته وشهواته في عالم تسوده النزعات الاستهلاكية التي تغذيها وتلهب أوارها شركات
عابرة للقارات تشكل أذواق الناس في "سوق عالمي" قادر حتى على مواجهة
حكومات الدول القومية ومغالبتها ... ومن هنا فقد أصبح الكثيرون ينتقدون هذا النمط
من الحداثة فيشير تورين مثلا في كتابه الشهير "نقد الحداثة" (ص 270) إلى
أن "الصورة المنظورة للحداثة اليوم هي صورة الفراغ ، صورة السيولة الاقتصادية
وسلطة بلا مركز وصورة مجتمع للتبادل أكثر منه للإنتاج ، باختصار صورة المجتمع
الحديث هي صورة مجتمع بلا فاعلين" كما يشير في موضع آخر (ص 286) إلى "انفراط و تفكك الحداثية ... لأن
الخبرة الإنسانية المعاصرة ... قد تشتتت إلى شظايا" مما يتنافى مع "التناول
الكلي للمشاكل والذي يلح عليه علماء الاجتماع عن حق".
ذلك هو العصر الحديث في نظر أوليائه والمروجين لفكره وقد باتوا يبحثون
اليوم عن مخرج من هذا الكابوس الذي اختاروه وكرسوه بأنفسهم (وبالمناسبة فإن تورين
نفسه لا يدعو إلى نبذ الحداثة وإنما يدعو فقط إلى إصلاح مسارها الذي شوهته النزعات
العقلانية) ... فماذا أصاب أسرنا وأبناءنا (في العالم الإسلامي وفي غيره) من شرر
تلك النزعات الفكرية التي آلت على نفسها محاربة الوحي ومعاداة الدين (أي دين)
والتي اختارت أن تسوس حياتها وفق ما يسوله لهم
"العقل" وما تهوى الأنفس ، باسم التحرر من القيود ... حتى ولو
كانت تلك القيود المزعومة إنما هي ضوابط حكيمة منبثقة من أنوار عقيدة ناصعة وشريعة
هادية لما اختلفوا فيه بإذن الله تنزيلا
من عند العليم الخبير ؟
لقد
أصاب المجتمعات المسلمة شرر التفكك و التشظي عندما نقلت نظمها ومؤسساتها الاقتصادية
والسياسية والتعليمية عن تلك "الحضارة" الغالبة ، كما أصيب سلوكنا
إصابات بالغة من جراء تبني تلك القيم المنطلقة من التوجهات الفكرية
"الحديثة" المشار إليها ، سواء بوعي أو بدون وعي ، انبهارا بما تحقق
عندهم من إنجاز علمي وتكنولوجي ، وكانت النتيجة أننا أصبنا اليوم في أسرنا
وأبنائنا بمثل ما أصابهم ، بعد أن كنا شبه معصومين من مثله ، فأصبحنا ننكر ما نرى
في أوطاننا ونتوقف حائرين ومتسائلين عما ينبغي أن نفعله وكأن وعينا مغيب (بأيدينا)
عن معرفة الطريق ...
(2) دراسة
حالة
أنظر معي أيها القارئ العزيز إلى تجسيد انعكاسات تلك "الصورة
الكبيرة" على أرض الكنانة ، وتأمل تلك الصرخة التي أطلقها أخيرا أحد كبار
المعلقين المرموقين في مصر هو الأستاذ أمين هويدي (الذي شغل في الماضي مناصب شديدة
الحساسية قرب قمة المسؤولية في الدولة ، وهو يعرف تماما أبعاد ما يقول ويقدر مسؤولية
ما يقول دون مبالغة أو تهوين) في مقال كتبه بعنوان " قلق علي الحاضر
والمستقبل" في الأهرام القاهرية في عددها الصادر في 6
/4/ 1422 حيث يقول "... ما من مجلس قَعَدت
فيه أو منتدى مررت به إلا وتطرق الحوار إلي المظاهر التي جدّت علي المجتمع وبدأ [الحوار]
أو انتهي بسؤالين اثنين هما: ما الذي جري؟
وإلي أين نحن ذاهبون؟ ..."
وبعد أن يسرد المؤلف قائمة بالحوادث المفزعة
و الأحداث الشديدة الغرابة والانحراف والتي طفت على سطح المجتمع في الفترة
الأخيرة لم يكن لمصر عهد بها من قبل ، شارك فيها شباب كانوا آخر من تدعوهم ظروفهم
للمشاركة في مثلها يقول المؤلف " إننا بصدد شأن من الجسامة بحيث ينبغي أن
يحتل صدارة الأولويات. و لأنه وثيق الصلة بحاضر المجتمع ومستقبله فيتعين أن
يوجه إليه أكبر قدر من الاهتمام..." ، وبعد محاولة لتحليل الموقف من عدة
زوايا فإنه ينتهي إلى النتائج الخطيرة التالية: "... وفي ظل انفراط الإجماع
الوطني ينبغي ألا نستغرب الخلاف القائم بين المثقفين المصريين حول قضية الثوابت ، ولن
يصدمنا كلام البعض عن أنه لا توجد للمجتمع ثوابت محددة وطنية أو قومية أو دينية ، وقد
قرأت ما كتبه بعضهم مدعيا أن الثوابت ليست سوي سلاسل وقيود تكبل إرادة الإنسان
وتحول دون ممارسته للحرية والإبداع"
ويعقب المؤلف قائلا "إن عملية التفكيك للثوابت الوطنية والقومية
والدينية لابد أن تنتج مآسي من ذلك القبيل [انحرافات الشباب], وهي مآس تتضاعف
إذا ما ركزنا انتباهنا علي ملاحقة الضحايا من الشباب , وتركنا الجناة الأصليين ,
الذين دمروا حصانات [الشباب] ونقلوا إليهم فيروس عدم المناعة (الإيدز)
الثقافي ... اختم بسؤال أخير حيرني ويلح علي طوال الوقت هو: من يربي الأجيال
الجديدة في مجتمعنا , الآباء المشغولون بالركض وراء الرزق والكسب , أم المدارس
التي عجزت عن أن تعلّم , بعدما استقالت من التربية منذ زمن طويل ، أم الإعلام
والتليفزيون وما أدراك ما هما!" . إن القارئ الكريم يستطيع دون أي مساعدة
من جانبي أن يجد الارتباط الواضح بين العبارات التي أكدت عليها باللون الغامق وبين
التحليل السابق حول "الصورة الكبيرة" للموقف ، والأهم من ذلك أن يستنتج
بنفسه طريق الخلاص.
من الواضح أن طريق الخلاص إنما يبدأ بعملية "مراجعة شاملة"
للمسيرة العامة التي سارت فيها المجتمعات الإسلامية في القرن العشرين في صلتها
بفكر الحداثة ومؤسساتها ... مراجعة تنطلق من هويتنا وعقيدتنا وشريعتنا وتفيد في
الوقت نفسه من أفضل ما أنتجه عصرنا ، وبطبيعة الحال فإن معيار التفضيل لما نستفيده
من الشأن المعاصر لايمكن أن يكون إلا منطلقا من وحي ربنا ، بما يضمن سعادتنا في
دنيانا و أخرانا (مهما أنكر هذه الأخيرة
المنكرون!)... وفي ضوء تلك المراجعة الشاملة فإن المهمة التالية إنما تتمثل في
إعادة صياغة نظمنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ضوء التصور الإسلامي
الصحيح ، وإعادة صياغة علومنا وممارساتنا في مختلف ميادين الحياة في رحاب نظرية
للمعرفة تتكامل فيها المعارف المستمدة من الوحي والعقل والحواس على الوجه الذي
ارتضاه لنا خالقنا ، ونحن بهذا لانكاد نخسر شيئا ولكننا نكسب كل شيء ، كما نكسب
أنفسنا إذ نتخلص من دوامات التفكك و التشظي وفقدان المعنى التي قد أصبح رواد
الحداثة الأوربيين أنفسهم يصرخون من آثارها المدمرة ... والمهمة بطبيعة الحال ليست بالهينة ، وتقتضي
بذل جهود خارقة لتستطيع مجتمعاتنا استعادة زمام المبادرة ، ولكنها في الواقع أمر
لا فكاك منه إذا أردنا إنقاذ أوطاننا وأهلينا من "سموم" الحضارة الحسية
المادية السائدة في العصر الحديث (بتعبير
بيتريم سوروكين أحد أعظم مفكري القرن العشرين في كتابه "أزمة عصرنا") .
وعلى هذا المستوى فإن الأمر يتطلب أن تتضافر
كافة "أجهزة التوجيه المجتمعي" على القيام بهذه المهمة العظمى ، وعلى
رأس تلك الأجهزة بطبيعة الحال المؤسسات
السياسية و المؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية وأجهزة الإعلام ... وبهذه
المناسبة فإنه لا يحق لأحد أن يستهين
بالدور الذي يمكن أن يقوم به كل نوع من أنواع تلك الأجهزة أو بإمكانات تأثيرها ،
فتلك الأجهزة لها قدرة حقيقية على أن تعيد تشكيل عقول وقلوب أجيال بأسرها ، و لعل
مما يذكر في هذا السياق كأمثلة ما نشرته مجلة تايـم الأمريكية عندما ذكرت في تحليل
لها عن التأثير الهائل الذي تركته حركة إصلاح مناهج التعليم العام في الولايات
المتحدة الأمريكية المنطلقة من اتجاه
"التعددية الثقافية" أن عملية "إصلاح المناهج" قد أدت إلى
نشأة جيل من شباب الأمريكيين قد أصبح يتكلم لغة غير تلك التي يتكلم بها جيل الآباء
، مما أوجد "فجوة" في التفاهم بين الجيلين (في اتجاه إيجابي) . ومثال
آخر للتأثير المدهش لأجهزة الإعلام يأتينا من مصر عندما تنافست القنوات
التليفزيونية والإذاعية المصرية في تحذير المواطنين من مغادرة منازلهم لمحاولة
لنظر المباشر إلى قرص الشمس دون وقاية في فترة الكسوف الكلي الأخير ، فكان من
نتائج نجاح هذا التكثيف الإعلامي المدهش أن كادت مصر أن تكون البلد الوحيد في
العالم الذي تكاد أن تكون الحياة العامة في الشارع قد توقفت فيه في ذلك اليوم ،
حيث اعتكف الناس في بيوتهم خوفا مما يمكن أن يصيبهم أثناء الكسوف ، في حين خرج
الناس في غبرها من الدول إلى سفوح الجبال لمشاهدة تلك الظاهرة الفريدة باستخدام
الاحتياطات الصحية البسيطة الملائمة ، ومثال أخير يذكر للنجاح الكبير الذي حققته
أجهزة التوجيه المجتمعي في المملكة العربية السعودية في إطار تلك الحملة المنظمة
لإلزام المواطنين باستخدام حزام الأمان في السيارات بطريقة حسنة التخطيط والتنفيذ.
(3) الصورة الوسيطة: النظم
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
رأينا فيما سبق أنه على مستوى "الصورة الكبيرة" ما يمكن أن يصيب
المجتمع من تشوهات بطريق تبني رؤى أجنبية مدمرة باسم التقدم في غير موضعه ، ورأينا
أن الأمر يتطلب عملية إعادة نظر شاملة لمسار مجتمعاتنا ولرؤيتنا للحياة ، كما
يتطلب إعادة بناء نظمنا ومؤسساتنا ومراجعة فكرنا وممارساتنا ... والآن
فإننا نتحول على المستوى الوسيط والذي نتساءل معه عن معنى كل ذلك بالنسبة
لنظمنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وانعكاس ذلك كله على أسرنا و على تنشئة
أبنائنا وشبابنا ، و سنكتشف على الفور أن نظرتنا لأنفسنا و لطريقتنا في إدارة
حياتنا و للقيام بأدوارنا في رعاية أسرنا تحتاج أيضا مراجعة جذرية ... فإذا كان
العصر الحديث قد أوشك أن يقنعنا بأننا ما خلقنا إلا لجمع المال ، وللنجاح في الحياة
الاقتصادية وفي الأسواق المالية ، حتى ولو كان ذلك على حساب أصحاب الحقوق من
الأبناء والآباء و أولي الأرحام ... أقول أنه إذا كان قد أصابنا شرر تلك التوجهات
فإن الأمر يحتاج تصحيحا وفق نفس الخطوط التي أشرنا إليها فيما سبق ، فللعمل حقه
ووقته ، وللأسرة حقها ووقتها ، ولا مناص من إعطاء كل ذي حق حقه إذا أردنا لأنفسنا
ولأبنائنا وشبابنا أن نحيا حياة "طيبة" بالمعنى الوارد في الآية الكريمة : "مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(النحل :97).
فالوقت الذي يقضيه الآباء والأمهات مع أولادهم لا يجوز بحال أن يعتبر وقتا
مهدرا أو ضائعا (من الناحية المالية) أو أن يعتبر استثمارا ذا مردود هزيل جدير بأن
يقتطع ليتم "استثماره" في جمع المال مع إضاعة العيال ، ولا يخفف من وقع
المشكلة التوهم بأن هناك شيئا يمكن أن يعوض الأطفال عن تلك الرعاية من طريق
الإغداق المادي على الأبناء لأن هذا قد لا يزيدهم في غيبة التوجيه إلا خبالا ، أو
من طريق وضعهم في رعاية المربيات والخادمات المأجورات (بتكلفة أرخص) لأنهن لايمكن أن
يحملن للأبناء ولو الحد الأدنى من مشاعر الأمومة التي لا غنى عنها للنمو السوي
للأطفال ... ومن عجب أن تأتينا اليوم أحدث دراسة أجريت بدعم من المعاهد القومية
للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية ،
والتي أثبتت أن الأطفال الذين يقوم على رعايتهم أي بديل للأم كائنا من كان
(دار حضانة – مربية – جدة ...إلخ) حتى لو كان الأب نفسه ، يشبون "عدوانيين
قساة ميالين للشغب والتحدي" (وإن كانت دور الحضانة الجيدة تحسن المهارات
اللغوية و الذاكرة وتعد الأطفال لحياة المدرسة) ، و بلغة أخرى فإن الدراسة (على حد
تعبير مؤلفة المقال الذي نشرته مجلة تايـم الأمريكية في 30/5/2001 حول الموضوع)
تقول بوضوح "إما الأم وإلا فلا !!" ، وقد أضافت المؤلفة أن تلك الدراسة
قد فتحت من جديد باب التساؤلات العميقة الجذور حول قضية الثمن الذي يدفعه أطفالنا
مقابل ساعات عمل المرأة وحول ثمن الاختيارات التي نختارها لحياتنا (وبالمناسبة ...
هل نرى في هذا بعض تأويل قوله تعالى "سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ
وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق" (فصلت : 53)
إذ تلفتنا نتائج تلك الدراسات إلى بعض الحكمة الإلهية الثاوية وراء الآية الكريمة
: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ " (الأحزاب : 33).
ولكن ما أهمية قضاء الآباء مثل تلك الأوقات مع أبنائهم وبناتهم ؟ هناك
بالطبع الأمور البديهية الواضحة ، من مثل إشعارهم بالأمان وبالحب والعطف والرعاية
الوالدية ، ومثل ملاحظة سلوكهم وما يطرأ عليه من تغيرات ، وتحري أسباب تلك
التغيرات ، والقيام بمقتضى تلك المعرفة بما يجب
مما قد يتطلب توجيها رفيقا أو ما يتطلب تأديبا حازما ، ومثل متابعة نتائج
هذا كله والعمل على حمايتهم من الآثار غير المرضية للمؤثرات "الحديثة"
كالمشاهدة العشوائية للقنوات الفضائية ولأشرطة الفيديو وسوء استخدام الانترنيت
وغيرها ... ولكن المدهش أن الكثيرين يتعاملون مع تلك الوسائل الحديثة بمنطق
الهزيمة والعجز وكأنها قوى قادرة قاهرة لا بد لأبنائهم أن يصطلوا بنارها وأن يصلوا
أوارها ، مع أن مواجهة الآثار المدمرة لتلك الأجهزة الاتصالية الحديثة يسير على من يسره الله عليه ، وفي هذا الصدد
فإن مفهوم "المقاومة الإيجابية" يأتينا بحل من أكثر الحلول فاعلية في
مواجهة تلك المشكلة ، فمن الواضح أن المقاومة السلبية بمعنى عدم اقتناء أجهزة
الاستقبال التلفزيوني أصلا أمر قد يكون شديد الصعوبة و قد يكون أمرا غير عملي ،
أما المقاومة الإيجابية فتعني أنه لا يجوز أن يترك الصغار ليشاهدوا البرامج
التليفزيونية مثلا إلا بصحبة أحد الوالدين
أو كليهما مع التعليق المستمر على المشاهد والإشارات والسلوكيات والعبارات التي
تأتي على ألسنة الممثلين والمذيعين ، على أن تقدم تلك التعليقات بصورة تكاد تكون
غير مقصودة (تبدو للصغار عفوية) ، وبهذا فإن
تلك التعليقات تضع كل ما يشاهده الأطفال منذ نعومة أظفارهم في إطار القيم
التي تربي الأسرة عليها أبناءها ، وبهذا يتم تصحيح القيم والاتجاهات المنحرفة التي
تتضمنها أو توحي بها سيناريوهات المسلسلات والأفلام تصحيحا لحظيا ، فيقوم الأبوان
بإشراك الأطفال في مقارنة ما يشاهدون بقيم الأسرة والمجتمع مع إبداء شيء من
الاندهاش عند وجود مفارقة واضحة لتلك المعايير والقيم ،ونتيجة لهذا فإن ملكة النقد تنمو عند الأطفال ، مما يكسبهم بفضل الله
المناعة الثقافية والحضارية التي تحول بينهم وبين الاخترام الثقافي الذي يشكو منه
الجميع في إطار العولمة الثقافية ، والتي
هي بفضل الله من أقوى ما يمكن أن نواجه به "سموم" الحضارة الحسية
المادية الحديثة ( باستعارة تعبير سوروكين مرة أخرى).
وإذن فإن اختياراتنا فيما يتصل بتنظيم حياتنا الاقتصادية تنعكس دون شك وبشكل مباشر على حياتنا الاجتماعية وخصوصا على
حياتنا الأسرية وعلى مستقبل أبنائنا ومستقبل أمتنا ، ومن هنا يتضح أنه لا بديل
لاتخاذ قراراتنا على أسس صلبة من التصور الصحيح للوجود ولأنفسنا , مما لا يمكن أن
يأتينا إلا بطريق خالق الوجود وخالق أنفسنا ، أما اتخاذ قراراتنا على أساس من
الموضات والتقاليع التي تأتينا من عند
التائهين الضالين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا فإنها لا تزيدنا إلا خبالا (وليس
هذا ما نقوله نحن وإنما ما يقولونه هم اليوم عن حالهم). ومن هنا فإن أهدافنا على
هذا المستوى إنما تتمثل إذن في العمل على توفير الترتيبات المجتمعية التي تضمن لأفراد المجتمع أفضل إشباع ممكن لحاجاتهم
المادية والنفسية والاجتماعية في إطار
التوجيهات الإلهية ، ويرتبط بهذا بالطبع قضية
توفير العدالة الاجتماعية المتضمنة لحسن توزيع الثروة في المجتمعات ، من
خلال الترتيبات الوجوبية كالزكوات ، أو الطوعية كالصدقات ، و من خلال التربية
الدعوية التي تغرس في الأفراد معنى العطاء دون حساب ، مع المحافظة
في الوقت ذاته على حق الملكية الفردية ،
في الوقت الذي تشيع فيه عواطف التراحم بين أبناء المجتمع المسلم ، مع ضرورة منع
التظالم بكافة صوره وأشكاله وألوانه ، ووضع الضوابط التي تكفل ذلك حتى يشعر جميع أبناء المجتمع المسلم
بملكيتهم لهذا المجتمع وبانتمائهم له فيضمحل الاغتراب والإحباط ونزعات العدوان عند
الشباب وعند غيرهم إلى أقل حد ممكن.
(4) وقفة
عند التنشئة الاجتماعية للأبناء في المجتمع
المسلم
1- تتحمل الأسرة في المجتمع المسلم أمام الله
مهمة الحفاظ على سلامة فطرة أبنائها من الناحية العقدية ، قال صلى الله عليه وسلم
"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو
يمجسانه" (متفق عليه).
2- و من جهة أخرى فإن الأسرة تتحمل أيضا مسئولية
تدريب أبنائها على تحقيق التوازن بين الإشباعات المادية والروحية ، فالأسرة
التي تقوِّي عند أبنائها استمراء
الإشباعات المادية مع إهمال الجوانب الروحية تجعلهم يشبون على اتباع الشهوات
والأهواء التي تطمس الفطرة ، والتي تطلق
العنان أمام الدفعات الغريزية الأنانية التي تكون سببا في تدمير حياة الأبناء في
المستقبل.
3- إن تعويد الأبناء على ممارسة العبادات
والطاعات منذ الصغر يساعد على تحقيق
الأهداف السابقة ، إذ أنها تيسر على الأبناء الامتثال لأوامر الله ، كما تجعلهم
يشبون على التوكل عليه والثقة فيما عنده أكثر من ثقتهم بما في أيديهم ، أما إذا لم تقم الأسرة بمسئولياتها
الدعوية في تعويد الأبناء على ممارسة العبادات والطاعات فإنهم ينشأون على انحراف الاعتقاد واستمراء
البدع ، و اتباع الهوى والشهوة ، وتلك هي الأمراض التي تصيب " القلوب" فتصميها ، والتي
يترتب عليها اضطراب الحياة الدنيا، والخسران المقيم في الآخرة.
4- إذا
انطلقت المدرسة بمناهجها ومناخها اليومي والعلاقات بين طلابها والعاملين فيها من
نفس النسق القيمي الدعوي المشار إليه أعلاه ، فإن هذا يدعم ما قامت به الأسرة من
جلاء للفطرة وتهذيب لنفوس الشباب ، أما أجهزة قضاء أوقات الفراغ وأجهزة الترويح
وأجهزة الإعلام وجميع أجهزة وأدوات التوجيه المجتمعي فإنها إذا انطلقت من نفس
المنطلقات فإن ذلك يؤدى في النهاية إلى أن
يتنفس الشباب ( والبالغون) نسمات العقيدة الصافية في كل مراحل حياتهم ، فتصح قلوبهم وعقولهم وتسمو
أرواحهم ويستقيم سلوكهم حتى يلقوا ربهم غير مبدلين ولا مفتونين ، ( أولئك الذين
نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في
أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون)
( الأحقاف : 16).
5- والعكس صحيح فإذا أهملت الأسرة واجبها الدعوى ،
فإن الأبناء يصابون بأمراض الشبهات والشكوك والشهوات التي تصيب قلوبهم ، وكذلك إذا أهملت المدرسة جانب
المحافظة على سلامة الفطرة مكتفية بسلامة الأبدان وتعليم العلوم والصناعات ، وإذا
تاهت أجهزة الترويح والإعلام عن أهداف الحياة في
الإسلام ، وخبطت في كل واد فإن
النتيجة المحتومة لهذا كله هي التشتت والاضطراب والقلق والإحباط المستمر الملازم
للأفراد والمجتمعات ، شبابا وشيبا ، وكان منها المشكلات التي لا تصيب الذين ظلموا
خاصة ولكنها تصيب الجميع.
(5) الصورة
القريبة : أبناؤنا وشبابنا
لا
يعني التركيز فيما سبق على أهمية إصلاح المجتمع ونظمه ، وعلى المسئولية الخاصة
للأسرة في تنشئة أبنائها إخلاء سبيل الشباب أنفسهم أو إعفاءهم من مسئوليتهم عن
سلوكهم كما ذكرنا ، وخصوصا عند من بلغوا سن الإدراك والبلوغ ، فأولئك ينظر إليهم عندئذ كأشخاص مكتملين قادرين على
تمييز الحق من الباطل ... حتى لو كانوا يعيشون في أسوأ البيئات ، وليس هناك من
دليل على قدرة الشاب الذي صفت فطرته على تجاوز ظروف ومؤثرات بيئته والاستعلاء
عليها مهما كان سوؤها .. أقول أنه ليس هناك من دليل أقوى على ذلك من التحولات التي
طرأت على شخصيات عظيمة القدر من أمثال مالكولم
إكس ، الذي تحول من مروج مخدرات تربى في أحد أسوأ أحياء الزنوج المتخلفة في
الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح واحدا من كبار الدعاة إلى الله في بلده وخارجها
، وأمثال "كات ستيفنس" الذي تحول من واحد من كبار المغنين الماجنين
العالميين ليصبح هو نفسه "يوسف إسلام" الذي وهب حياته كلها للدعوة إلى
الله وخدمة قضايا الإسلام في بريطانيا وفي غيرها من الدول.
وفي ضوء ما تقدم يمكننا القول اختصارا بأن المبادئ العامة التالية تضع
الحدود والضوابط على قضية ما يتصل بالشباب أنفسهم ومدى مسؤوليتهم عن سلوكهم:
1- مع التأكيد على ما سبق مما يتصل بأهمية الترتيبات
البنائية وعلى دور النظم الاجتماعية فإن
التصور الإسلامي يقوم على أن الإنسان الفرد (الشاب هنا) أيضا مسؤول عن المحافظة
على نقاء فطرته وسلامة قلبه وتزكية نفسه ، (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها
وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (الشمس:10).
2- ينبغي أن يدرك الشاب أن ما يوجَّه نحوه من طاعة
الله فيما أمر ونهي ، تسليما لحكمه ، وثقة في
علمه وحكمته ، ووعده ووعيده فيه الضمان لسلامة قلبه ، ولتحقيق السعادة
الحقيقية في هذه الحياة ، وفيه النجاة في الحياة الآخرة التي هي الحياة الحقيقية ،
وأن يدرك أن العكس صحيح ، فالسلوك المنحرف ينكت على القلب نكتا سوداء حتى تكاد
تعمي الإنسان عن رؤية الحق فلا يراه حقا ، وتكاد تجعله يكره ما ينفعه من الخير
ويحب ما يضره من كل باطل ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين:
14).
3- ينبغي أن يحتل مفهوم " مجاهدة النفس
" مكانا محوريا في توجيه الحياة
الداخلية للشاب المسلم ، فالنفس (المتمثلة في
تيار الوعي الإنساني ) تتنازعها قوتان : الدوافع المادية البدنية الأرضية
التي تلح على الإشباع المباشر ، وتنزع إلى
الظلم والتجاوز في ذلك ، والنوازع الروحية
التي تتوق إلى القرب من خالقها وإرضاء
بارئها ، الذي عرفته بصفات الجمال والجلال ، فهي لهذا تستشعر حبه وتشفق من غضبه
وعقابه … فترتفع بالإنسان إلى آفاق تضمحل معها قيمة إشباع الحاجات الدنيا إلى حد
كبير.
4- ينبغي للشباب أن يلتفتوا إلى أنه بالقدر
الذي تسود حياتهم دفعات الغرائز الدنيا ، وتكبت داخلهم الفطرة السليمة فإن حياتهم
تصاب بالاضطراب والضياع ، ويسود عندهم الشعور بعدم التوافق مع الخلق ، وبالتنافر
مع هذا الوجود ، ومن ثم فلا سعادة على الحقيقة ..." وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى" (طه :124).
5- يؤكد المجتمع المسلم على دور الضبط
الاجتماعي الذي يفرض العقوبات الضرورية على من لا يقومون هم بضبط سلوكهم ، حماية
لغيرهم من الأبرياء ، ومنعا لانتشار
الفاحشة وشيوعها ، ولكن الضبط الاجتماعي في المجتمع المسلم لا يستهدف مجرد المحافظة
على الأموال أو الأنفس أو الأعراض مع أهميتها - ولكنه يستهدف أولا وقبل كل شىء
المحافظة على طهارة الأرواح والقلوب ، والحفاظ على صلتها ببارئها باعتبارها محور
الوجود في الدنيا والآخرة ... وأول الضبط وأهمه ما كان منبثقا عن تقوى الله عز
وجل ومراقبته في كل قول وفعل انطلاقا من
الفطرة السليمة ، ثم التنشئة الاجتماعية السليمة ، التي تنتهي إلى غرس معرفة الله وحبه وتقواه في النفوس والقلوب فلا تخرج الأفعال إلا مستجيبة
لتلك العواطف النبيلة ...
6- أما
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمفهوم ، والاحتساب كتجسيد شرعي ورسمي لهذا
المفهوم ، فإنها تقوم بدور مكمل ومؤيد
للضبط والرقابة الشخصية ، ولكنه ضبط يقوم به الآخرون جميعا ، حيث يكون كل مسلم
راعيَ أخيه ومعاونه على المحافظة على سلامة فطرته ، وحافظ مجتمعه من أن تسوده
الفاحشة ، فظهور الفاحشة وشيوعها يؤدى إلى إصابة الأبرياء وتشجيع المترددين
في المخالفة ، كما يفتح الباب لتعريض الشباب
لأنماط السلوك الانحرافي بما يؤدى إلى
انتشار العدوى بين قطاعات جديدة من الشباب.
7- أما
الضبط الرسمي فيقوم على مبادئ ثابتة شرعا في
شكل حدود قررها الشارع بشكل لا يمكن الطعن بانحيازه لفئة أو جماعة أو طبقة
- كما هو الحال في التشريع الوضعي -
وفي شكل تعازير تُرك المجال فيها للاجتهاد
وفق الحاجة ضمانا للمرونة في مواجهة أشكال
الانحراف.
(6) كلمة
أخيرة عن برامج وأنشطة "رعاية الشباب"
يبدو
أن رياح التجزيء والتفتيت وفقدان المعنى التي قد أصابت المجتمعات في العصر
"الحديث" قد أصابت أيضا حتى جهود الإصلاح والبرامج الموجهة لرعاية
الشباب ووقايتهم من الوقوع في المشكلات ، فالأصل أن هذه البرامج مصممة لمساعدة
الشباب على تنمية شخصيات متكاملة متوازنة صالحة مُصلحة ، ولكن المشاهد أن هذه
البرامج في الغالب الأعم قد تحولت من كونها وسائل لتصبح أهدافا في حد ذاتها ،
فانتهت إلى إضاعة الهدف إن لم تؤد إلى عكس تلك الأهداف ، وبذلك أصبح العلاج جزءا
من المشكلة !
إن الأصل الذي من أجله تنشأ مراكز الشباب أو الساحات الشبابية أو الساحات
أو مراكز رعاية الشباب (كما تعرف في بعض الدول) إنما هو إتاحة الفرص أمام
"أكبر عدد ممكن" من الشباب للمشاركة – تحت إشراف مباشر يتم بطريقة علمية
منظمة – في الأنشطة التي يرغب الشباب
أنفسهم في ممارستها والتي تناسب حاجاتهم وقدراتهم ، و المهم أنه من خلال تلك
المشاركة في الأنشطة والبرامج يقوم الأخصائيون الاجتماعيون والمرشدون الدينيون و
المدربون الرياضيون و الفنيون بتوجيه التفاعلات التي تتم بين الشباب أنفسهم في
الاتجاهات التي تتمشى مع قيم المجتمع ، وبهذا فإن الشباب لا يكتسبون فقط المهارات
الاجتماعية المرغوبة ، وإنما يتم أيضا تعديل اتجاهاتهم وصقل شخصياتهم ، مما يعطيهم
شعورا بالرضى عن أنفسهم وعن مجتمعاتهم ، تمتنع معه نزعات العدوان ومشاعر الاغتراب
التي تؤدي إلى أوخم العواقب وأرذل المشكلات.
ولكننا نرى أن هذه الأهداف النبيلة سرعان ما تتحول في الواقع الممارس إلى
مجموعة من الأنشطة والبرامج المعزولة التي
تركز على تنمية المهارة في النشاط ذاته (الرياضة – الفنون ...إلخ) و التركيز على
المنافسة فيه دون أن تكاد تلفت إلى أصل الهدف المتعلق بتوجيه الشباب وتنمية
شخصياتهم بشكل تكاملي ، وبهذا تتحول مؤسسات رعاية الشباب إلى مراكز لتفريخ حفنة من
"الأبطال" الذين أفنوا أوقاتهم في اكتساب مهارات متميزة في لعبة واحدة
أو نشاط فني واحد وقد تفتقر شخصياتهم للتكامل ، في الوقت الذي يحرم فيه ملايين
الشباب الذين كان يحق لهم أن يشاركوا في الأنشطة دون رغبة في أن يصبحوا أبطالا
(فلا حاجة للمجتمعات بملايين الأبطال) ولكن مع الأمل الكبير في أن يكونوا مواطنين
صالحين ! وتلك مسألة تستحق وقفة ومراجعة للموقف في ضوء الظواهر التي بدأت تظهر بل
وتتفشى في بعض الدول ، وتقتضي معالجة مستقلة.
bravenet.com